header basmaleh

a 10350411461303921525

شهد العالم الإسلامي في العقود الثلاثة الماضية صحوة إسلامية حاولت إعادة الإسلام للحياة بروح جديدة وواعدة، واستطاعت هذه الصحوة أن تحقق الكثير مما طمحت إليه، ولا يزال عليها الكثير أيضا. وقد تخلل هذه الصحوة العديد من التيارات الفكرية التي انطلقت معلنة أن الإسلام هو الحل، وفي نفس الوقت تمايزت فيما بينها في المناهج التي من خلالها يطبق هذا الشعار، أو ما يمكن تسميته تعدد القراءة للنص الديني، وهذا شكل تيارات متعددة في ساحة العمل الإسلامي.

ولم تخل هذه القراءات من الزلل المنهجي في قراءاتها، والتي ربما في بعضها يلغى الدين عن بكرة أبيه، وذلك يرجع إلى عدة أسباب، منها المنهجية الفكرية البحتة، ومنها السياسية، وفي هذا اللقاء نلتقي بأحد أقطاب هذه الصحوة الإسلامية، والذي تميز أو كانت ميزته الأولى هي المعالجة المنهجية للعقل الإسلامي، وذلك ظاهر من خلال ما انتج في العقود الثلاثة السابقة في البعد العلمي، ففي البعد العقائدي أنتج الفكر الإسلامي مواجهة حضارية، وفي الفلسفة والكلام انتج العرفان الإسلامي، ومبادئ الحكمة، وفي المنطق أنتج المنطق الإسلامي أصوله ومناهجه، وفي القرآن أنتج بحوث في القرآن الحكيم ثم تلاه بتفسير للقران الكريم (من هدى القرآن)، وفي مجالات الفقه والأصول أنتج التشريع الإسلامي مناهجه ومقاصده، الذي وصل إلى عشرة أجزاء، هذه الشخصية هي سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي .. وإليك اللقاء ..

أجرى اللقاء : الشيخ حسن البلوشي



سؤال .. سماحة السيد، ثمة محظور منهجي تنبهنا إليه الروايات الشريفة، وهو التفسير بالرأي، والذي يعني إسقاط الخلفية الفكرية على النص الديني أو ما يسمى بالخلفية (الأيديولوجية)، فهل هذا المحظور يمكن الفرار منه، أي هل يمكن لأي منا أن يتجاوز مسبقاته الفكرية عند قراءته للنص الديني؟ إذا كان الجواب بالإيجاب، كيف يمكن ذلك؟ .

المرجع المدرسي : بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين .. القرآن الكريم جاء علاجا لما في الصدور التي تعني الوساوس الشيطانية -حسب المنطق القرآني- التي تعني بالضبط جملة أو منظومة الأفكار التي لا صلة لها بالحقائق، سواء كانت مستمدة من التراث، أو من المجتمع، أو من هوى النفس، أو من الصفات الرذيلة للإنسان، فإذا اختلط النص القرآني بهذه الوساوس الشيطانية، معنى ذلك أن تفسيره قد قل أو عدم في علاج ما في الصدور (الوساوس)، وهذه هي المشكلة الخطيرة.

فإذا قرأنا القرآن منطلقين من الوساوس، ومؤطرين بأطرها، فهذا هو التفسير بالرأي، وبعبارة أوضح نقول أن التفسير بالرأي هو: أن نجعل القرآن في إطار رأينا، لا أن يكون محكا للرأي، أي أن نقرأه في قوالب الرأي وليس ميزانا للرأي. ومن اجل أن نتجاوز ذواتنا وآراءنا، ووساوس الشيطان المتعشعشة في صدورنا، ولكي نقرأ القران لا أن نقرأ أنفسنا باسم القرآن، أو نصيغ أنفسنا مرة أخرى به نحن بحاجة إلى الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان اللعين الرجيم {وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} ، فمن دون الاستعانة بالله، أي من دون الاستعانة بينبوع القوة، والعزة، والإرادة -لكي يجعلنا قادرين على تجاوز ذواتنا- كيف سنستطيع ذلك؟.

القرآن الكريم في ذات الآيات التي يتحدث عن الاستعاذة {وإذا قرأت القرآن ..} يبين أن مشكلة الإنسان أنه يزعم أن أفكاره هي الحتميات، وأن للشيطان عليه سلطان، في حين أن القران ينفي هذا السلطان ويقول: إنما سلطان الشيطان وهيمنته على الذين يتولونه، ويستسلمون له؛ فهي ليست حتميات وإنما اقتضاءات أو ضغوط، و الإنسان يستطيع أن يتحداها ويتجاوزها دون أن تستطيع أن تسيطر عليه.

ثم يبين القرآن الكريم أن هذه الضغوط تتبدد وتتلاشى إذا توكل على الله سبحانه وتعالى، وبإيجاز شديد نحن بحاجة عند قراءتنا للقرآن إلى: - الإرادة التي بها نتجاوز ذواتنا. - التوكل عليه والثقة به.

سؤال ... سماحة السيد، هنالك محاولات لإسقاط بعض المناهج الغربية اللغوية في قراءة النص الديني، كالبنيوية، والتفكيك.. وغيرها، مع ملاحظة أن هذه المناهج غير منفصلة البتة عن خلفياتها الفلسفية، وقد لاقت هذه المناهج قبولا في عالمنا الإسلامي والعربي. كيف تقيمون هذه المناهج، ومدى صلاحيتها لقراءة النص الديني؟ .

المرجع المدرسي : القرآن الكريم نزل من السماء، ولأنه نزل من السماء فهو لا يحمل معه عناصر الأرض السلبية، مثلا القرآن ليس ابن الجزيرة العربية بالرغم من أنه جاء باللغة العربية، لذلك لا تجد فيه أي أثر للعنصرية، أو الإقليمية، أو القومية، فهو كتاب إلهي شمولي ليس لأهل الأرض فقط بل لكل ما في الكون من خليقة. ونحن إذا وضعنا القرآن الكريم بجانب بعض الأشعار العربية التي كانت سائدة حين نزوله نجد الفارق كبيراً جداً. مثلا إذا وضعناه بجانب أشعار إمرء القيس نجد أنها مجموعة غرور، فخر، كبر، ذاتيات، أنانيات، شهوات.. لا تجد شيئا منها في القرآن، فمعناه أن القرآن حين نزل، نزل نقياً عن المحيط والبيئة، فما دام الأمر هكذا يبقى ملاحظة هذه الخصوصية أيضا في منهج قراءة القرآن.

فالقرآن له منهجه الخاص به، وإذا أردنا أن نخضعه للمناهج والأساليب البشرية فمعناه أننا أفسدناه، وجعلناه شيئا بشريا، لأن هذه المناهج متأثرة بشكل أو بآخر بظروف ومحيط، لذلك ترى انه منذ أن نزل القرآن الكريم حاولت بعض النظريات المختلفة أن تخترق جدار القرآن الكريم فلم تفلح. حاولوا أن يضعوه في قوالب منطق أرسطو ففشلوا!، وفي مناهج المنطق التجريبي ففشلوا أيضا.

وهذه القراءات الجديدة أو المناهج -كما أسميتموها- وغيرها هي الأخرى مصيرها الفشل. لماذا؟ لأن جنس القرآن أو عنصره أو ذاته ليس أرضياً حتى يخضع للقوانين الأرضية.

سؤال .. سماحة السيد، هنالك في علم أصول الفقه مقولة: انه لو كان للشريعة منهج خاص للفهم اللغوي غير الأعراف اللغوية لبانت (لو كان لبان)، ولنهى الشارع عن استخدامها، فهل يفهم من كلامكم أن للقرآن والسنة (النص الديني) منهجا خاصا للفهم غير الأعراف اللغوية العقلية؟ .

المرجع المدرسي : القرآن الكريم أقر عقل الإنسان وفهمه، لكن لم يقر الملابسات السلبية المختلفة لهذا العقل كما بينا في جوابنا السابق. أما (لو كان لبان)، فالقرآن أشد بيانا وأوضح تبيانا من أن نقول أن فيه غموض في ما يتصل بمنهج فهمه، فالقرآن يحمل في ذاته منهج فهمه، مثلا الآيات الأولى في القرآن من سورة الحمد {بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.. إهدنا الصراط المستقيم} ، هذه الآية تعطينا ملمحا عن منهج الفهم القرآني، وفي السورة الثانية (البقرة) عندما يقول الله سبحانه وتعالى {هدى للمتقين..} أيضا الحديث عن الغيب والتقوى، التي تشكل ملامح أخرى للمنهج القرآني. لكن الذي لا يزال يعيش في زنزانة ذاته، ومناهجه ووساوسه ومحيطه لا يفهم القرآن، بل يحاول أن يقولب القرآن ضمن قوالبه لا أن يقولب نفسه ضمن القرآن، أو بتعبير آخر يريد أن ينزل القرآن ويجعله جزءاً من ذاته وكيانه ونفسه، لا أن يرتفع حتى يصل إلى القرآن وحقائقه.

سؤال .. سماحة السيد، هنالك من يفصل بين الإسلام بما هو إسلام، وبين فهم الإسلام، والذي يعني أن الأول معصوم وخال من الزلل (منزل من الله تعالى) في حين أن الثاني هو نتاج بشري يحمل معه كل خصائص البشرية، من الخطأ، والسهو، والغفلة، الاشتباه .. وغيرها، وللزمان والمكان تأثير كبير عليه، حتى أن هذا التأثير (التحول، التغيير) يمس الثوابت أيضا، أي إن الثوابت من صنع فهم الدين وليس من الدين. ما هو رأي سماحتكم بهذه المقولة؟ .

المرجع المدرسي : أولا: ينبغي أن نطرح التساؤل التالي: هل في القران ثوابت أم لا؟ إن قيل لا والقرآن ليس فيه ثوابت، إذاً ماذا يريد أن يصنع القرآن إذا لم تكن له ثوابت؟ وإذا كان يتغير ويتأثر بالظروف المحيطة فأي علاج فيه لمشاكل البشرية مادام هو الآخر متأثراً ولا يملك ميزانا، وفرقاناً، وهدى، ومحكمات.. فأي حل فيه؟ ثم على هذا الكلام فقد ألغي القرآن، لأن الشك يتسرب إلى كل جزيئة من جزيئات القرآن، وإلى كل فكرة فيه، وإلى كل بصيرة فيه.

وإذا كانت المقولة هكذا فإن القرآن يحتاج إلى الفهم العرفي، والفهم العرفي يتغير فالقرآن يتغير، والفهم العرفي يخطأ فالقرآن يخطأ أيضاً..

وهذا التسلسل ينتهي إلى إلغاء القرآن ودوره في قيادة البشرية وهدايتها. وهذا الكلام يخالف أولاً فلسفة وجود القرآن، إذن لماذا جاء الوحي مادام الوحي لا يستطيع معالجة مشاكل البشرية الفكرية بل ويتأثر بها، ويؤطر بأطرها؟ .

ثانيا : هذا يخالف نص القرآن الكريم القائل: {لا ريب فيه هدى للمتقين} ، فالقرآن لا شك في أنه هدى، وفي آيات أخرى أنه ضياء وذكر وفرقان وإلى آخره من الكلمات المضيئة التي يسمي نفسه بها.

ثالثا : القرآن الكريم بصراحة يقول: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب} ، إذ هنالك محكمات، والمحكمات ماذا تعني إن لم تعني الثوابت، والفرقان والميزان، والقدرة على تمييز الحق من الباطل.

رابعا ً: القرآن، خلال أربعة عشر قرنا صاغ أجيالاً متتالية من البشر لم يتأثروا بالظروف والمقتضيات والحتميات -حسب تعبير الماديين- ولو كان القرآن خاضعا لفهم الناس في كل أموره لكان يصاغ ولا يصوغ، يتأثر ولا يؤثر.

نعم هنالك من البشر فئات حاولت قراءة القرآن بأفكارهم ووساوسهم، فلم يجدوا فيه ثباتا لأنهم أرادوا اخضاعه لمفاهيمهم فانحرفوا، فهؤلاء ليست لهم ثوابت، لأنهم أعادوا قراءة أنفسهم باسم القرآن، ونحن لا نتحدث عن هؤلاء، إنما نحن ندعي ونؤكد بأن الأجيال المتتالية من العلماء من فجر الإسلام وإلى الآن كانت مفاهيمهم واحدة، وقيمهم واحدة أيضا، وموازينهم كذلك، وهؤلاء موجودون إلى الآن. مع أن الظروف والأمصار والأعصار والحياة تغيرت إلا أنهم بقوا على ثباتهم، يعني انهم فوق الظروف والمتغيرات.

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

قال أمير المؤمنين علي (ع):أَيّما أَفضل: العدل، أَو الجود؟ فقال: الْعَدْلُ يَضَعُ الاُْمُورَ مَوَاضِعَهَا، والْجُودُ يُخْرِجُهَا عَنْ جِهَتِهَا، وَالْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌّ، وَالْجُودُ عَارضٌ خَاصٌّ، فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا

مواقف وآراء

12w3e3r4

حوار ورؤى في التغيير والانفتاح

اجرت مجلة الشهيد حواراً مفصلا مع سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي…

Aludaa oudiu

Passaer

Modarresi

Alhudaa

أعلى الصفحة

إبحث