header basmaleh

- أجرى الحوار: الشيخ عبد الغني عباس والشيخ صالح العيد والشيخ أمين المحفوظ

التشريع الإسلامي

في عام 1971م صدر لسماحة السيد كتاب الفقه الإسلامي قسم المعاملات، وكان جزءا من سلسلة اقتصر عليه نشرا، وتحول اهتمام سماحة السيد نحو تفسير القرآن لإدراك أهميته في عملية الاستنباط والالتفات إلى الفجوة بين الفقه والقرآن. وقد أشار سماحة السيد في مقدمة الفقه الإسلامي (البحوث التمهيدية) إلى عيوب منهجية، مثل (فقه الجزئيات ـ الفروع) نتيجة كونه فقها فرديا، وانتظم تبويبه بحسب الابتلاء الفعلي للأفراد. حيث يرى السيد المدرسي ضرورة منهجية القواعد العامة والسير منها إلى الفروع. ومن هنا يثمن تجربة الشيخ الأنصاري (قده) التطويرية، حيث سلك في (المكاسب) خطوات واسعة في هذا المنحى، وحيث ردم في رسائله (فرائد الأصول) بعض الفجوة بين الفقه والأصول. ولاحظ أيضا إشكالية المصطلحات الغريبة خصوصا المتأثرة بالتراث الفلسفي، وإشكالية وعورة اللغة وخصوصا مع غلبة (ان قلتم قلنا).

وفي عام 1986م تحدث السيد المدرسي عن رؤية جديدة تكون صلة الوصل بين الفقه والقرآن، وأكد بتفصيل ذلك في عام 1989م وبشر بمشروع (التشريع الإسلامي) في كلمة على جمع من الفضلاء في حوزة الإمام القائم (عج).

وفي عام 1991م صدر الجزء الأول، وورد في مقدمته (الأصول العامة التي يستلهم منها المشرع أفكار الدستور. هي ما تسمى بروح القوانين، وكذلك التشريع الإسلامي ينبعث من روح عامة وقيم سامية تسري في أحكامه وأنظمته، وهذا الذي بين يديك عبارة عن بيان مناهج التشريع الإسلامي ليكون مفيد لمن يسعى لتفقه الدين، وهو بمثابة علم الأصول حسب الأطروحة الجديدة التي أحاول بحثها في هذه الدراسة).

و(البصائر) سعت للحوار وهي ناظرة لمشروع (التشريع الإسلامي) للتعرف على بعض الحنايا، لكن سماحة السيد متعدد الأبعاد، وفي محضر مجلسه تكون هموم الأمة حاضرة، ففرضت حضورها في (الحوار) وخصوصا أن المحاورين يشغلهم الهم النهضوي.

سيدنا: نبدأ الحوار بالسؤال عن المنطلقات التي بلورت مشروع (التشريع الإسلامي)؟

سماحة السيد: الحديث عن منطلقات الإنسان لإنجاز أي عمل يتطلب دراسة الذات، وهو موضوع بالغ التعقيد، لأن الإنسان في دراسته لذاته يتعرض في بعض الأحيان لشيء من الغلو والمبالغة وتسليط الأضواء، والعكس قد يتعرض لتبكيت الذات، وهنالك صعوبات أخرى تتمثل في إن منطلقات الإنسان لإعماله تكون متعددة، وهذه المنطلقات يشكل الواحد منها جزءا من العلة والسبب، وباجتماعها معا تكون الدافع المباشر لما يعتزم الإنسان عمله وتنفيذه.

مع الأخذ بعين الاعتبار هذين الموضوعين التمهيديين، نستطيع القول أن منطلقاتنا عديدة، سياسية وحضارية وتجربة شخصية، نذكرها تباعا:

* أما المنطلق الأول، إشكالية إدارة الدولة وأسس تشريع القوانين. ففي حالة وضع القوانين الإسلامية بالرغم من الاحتياطات والتحفظات في ذلك إلا أننا نجد أنفسنا أمام تحديات عدة:

فإما أن يكون القانون خلوا من الجذور والأصل، أو يكون فاقدا للتطور والانفتاح، وكلاهما عامل سلب يفقد القانون روح الخلاقة وفاعليته. وكنت في أجواء وضع دستور الجمهورية الإسلامية، ولاحقا كانت لي مباحثات مع المهتمين بالموضوع من مجلس الخبراء وصيانة الدستور. وتلاحظون إن القوانين المستجدة كانت تطرح في إطار العناوين الثانوية أو المصلحة كإستثناءات.

ولحل هذه الإشكالية وجدنا أن هنالك فجوة. لا تنحصر في استخدام المزيد من العناوين الطارئة (الثانوية)، بل وأيضا في نمط الاستنباط. يتوجب ملأها وشغلها بما يتناسب وروح العصر ومتغيراته. فالاستنباط السائد يعتمد كثيرا على النصوص الجزئية، ومع فقدها يصار للأصول العملية، والاكتفاء به لا ينتج أكثر مما هو موجود. فوصلت إلى ضرورة التوجه إلى فقه القيم، وفي ظني انه يردم الفجوة بين القوانين والأهداف العامة، كما يكون الأساس لتشريع القوانين المستجدة.

علما إن القضية الأساس لا ترتبط بإقامة دولة إسلامية هنا وهناك بقدر ما ترتبط بمجموعة مفردات تتصل بحاجات الناس وما يستتبع ذلك من مستجدات يتوجب متابعتها وإيجاد الحلول الناجعة لها كقوانين التجارة والبنوك والحروب الحديثة وما يرتبط بها.

* المنطلق الثاني ويتمثل في ذات الفقه، إذ نلاحظ في تاريخ الحركة الفقهية كيف إن الفقه استجاب للتحديات، حيث كانت تتطور أدواته ومناهجه. ونجد الفقه اليوم يواجه التحديات ذات الأوجه والألوان المتعددة والمتنوعة. لهذا الاعتبار ينبغي أن نفكر بما يناسب هذه التغيرات بابتكار الحلول الناجعة لها واستجابة تحدياتها انطلاقا من روح الفقه وركائزه القيمة.

* أما المنطلق الثالث فهو ما ذكرناه في تمهيدنا للتشريع الإسلامي. من معاناة شخصية. وذلك أنني قد درست الفقه في وقت مبكر في العقد الثاني من عمري، وظروفي المحيطة ساعدتني على استيعاب المباني الفقهية بسرعة. ومع الاستمرار في دراسة الفقه وجدت كأن هناك فجوة بين الفقه وبين بصائر القرآن الكريم، هذه الفجوة كانت معينة لي للالتفات إلى أن الفقه قد ترعرع في أحضان القرآن، يوم كان القرآن هو الثقافة الوحيدة للأمة تقريبا أو الأساسية على أقل تقدير. في أجواء الفقه، أما بعد الاختلاط الثقافي عند الأمة، لم يعد الوضع الثقافي للأمة كافيا لتنمية وتربية ونشأة الفقه بصورة سليمة. لأننا اليوم بحاجة إلى تنقية فكرية لثقافتنا وتحديد ملامح الفكر الإسلامي بصورة أعمق وأوسع وذلك قبل أن نبدأ بدراسة الفقه، لأنه من دون ذلك نخشى أن تكون دراستنا للفقه دراسة من دون خلفية ثقافية إلهية واضحة وشفافة ونقية، فمن الطبيعي أن يتأثر الفقه الذي يمتد ويترعرع في بيئة ثقافية ملوثة بأفكار بشرية أن يتأثر بها ولذلك فأني آليت على نفسي. وكنت يومئذ أعيش في الكويت. أن أجمد دراستي الفقهية وأتوجه إلى القرآن وأقرأه من جديد وأتدبر في آياته الكريمة ثم أعود للفقه.

وهكذا وفقني الله سبحانه وتعالى لقراءة القرآن الكريم والتدبر في آياته ثم كتابة بعض البصائر التي استوحيتها والتي تحولت فيما بعد إلى كتاب (من هدى القرآن)[1].

وإذا راجع الأخوة هذا الكتاب الذي لم أسمه تفسيرا بل أسميته بصائر مستوحاة من القرآن الكريم، سيرون كيف إن الحديث يتركز على استيحاء الخطوط العريضة للثقافة القرآنية، وقلما كنت أدخل في التفاصيل لأنني سجلت تلك التفاصيل في كتب أخرى[2]. ومن الواضح انه لا يقدر أي مؤلف أن يسجل كل الأفكار التي تخطر بباله، وأنني اعترف بأن البصائر التي استوحيتها من كل آية من الآيات التي كنت أمر عليها وأستفيد منها كانت أكثر بكثير مما كتب، لكن ما يمكن أن يخطه القلم غير ما يستوعبه ويتأمله الفكر. وبعد انتهائي من (من هدى القرآن)، بدأت بدراسة الفقه، إلا أنني أحسست بأنني لم أحصل على ما أريد، بل لا يزال أمامي فجوة بين القرآن وبين الفقه، وكانت هذه لحظات حرجة للغاية عندي طالت فترة ليست بالقصيرة إلا إن الله سبحانه أعانني وببركة الرسول وأهل بيته عليه وعليهم صلوات الله حيث تبلورت، عندي رؤية إن الفقه أحكام وحكم. فكان لزاما أن أدرس القرآن من جديد وأبحث في آياته الكريمة عن الحكم و(قيم التشريع). وكنت في البدء أظن بما أنني قد درست الآيات القرآنية جديدا، وكتبت ملاحظات وبصائر استوحيتها من تلك الآيات فإن العملية تكون يسيرة، ولكن سرعان ما اكتشفت إن هذه العملية لا تقل أهمية عن دراستي الأولى للقرآن المجيد. وذلك لأننا الآن في حالة إيجاد جسر بين الحكم الإلهية في القرآن وبين الفروع الفقهية الموجودة في الكتب الفقهية والفروع المستجدة وأيضا في بحث حول علاقة هذه القيم ببعضها. عموما هذا كان منطلقي لكتابة التشريع الإسلامي، وللإنصاف أقول:

إن هذا المنطلق.. منطلق الاحتياط في فهم الأحكام الشرعية كان فعلا منطلقي الشخصي بعيدا عن المسائل الاجتماعية المرتبطة بالحوزات والفقه، مما أفادني كثيرا، وزادني الله سبحانه وتعالى بذلك طمأنينة، خصوصا بعد اكتشافي إن ما سبق وقلته في حديث في مكان آخر إن روايات أهل البيت (ع) والأغلبية التامة من فتاوى الفقهاء، تنسجم تماما مع حكم القرآن وثقافته وبصائره لأن الفقهاء كانوا يعيشون في أجواء قرآنية. هذه الطمأنينة مفيدة جدا، وزادتني ثقة وقناعة بروايات المعصومين (ع) وبأنها ناطقة عن الوحي، إذ إن هذه القناعة تتحول في بعض الأحيان إلى عين اليقين فيزداد الإنسان يقينا وطمأنينة. وأعتقد إن هذه المنطلقات الثلاثة كافية لدراسة كتاب التشريع الإسلامي.

سيدنا: منهجكم في تفسير القرآن، هل هو بعينه المنهج في معرفة علل الأحكام وقيم الوحي والحكم، أم إن هنالك آليات مختلفة للفقيه تختلف عن آليات المفسر؟

سماحة السيد: لدينا آليات متشابهة وأخرى مختلفة، والآليات المتشابهة فهي الآليات اللغوية، وإن القرآن يصدق بعضه بعضا، والنظرة الشمولية والعميقة (النفاذ لحقائق السنن)، ولكن هنالك آليات مختلفة من باب لآخر، ففي تفسيري للقرآن كان بنائي أن استنطق الآيات وأستفيد منها البصائر العامة، وما كنت متوجها إلى أن أرى الحقائق الخارجية والفروع المتشابهة (المفصل) من خلال بصائر القرآن إذ لم يكن هذا غرضي فتأويل القرآن وتحويله إلى نور ينعكس على الحقائق الخارجية لم يكن هدفي، وإنما كان ذلك هدفي في موسوعة التشريع الإسلامي حيث كان بنائي. أي أن أحمل القرآن الكريم وأسلط ضوءه على النواحي المظلمة من الحياة خصوصا في النواحي الشرعية لمعرفة تلك الزوايا، هذه الآلية الأولى.

الآلية الثانية: إن تفسيري كان تفسيرا سياقيا لا موضوعيا، إلا القليل منه، فلم أكن أبحث في القرآن في كل موضوع، وحتى في الآيات المتشابهة كنت أحاول الرجوع إلى ما بعدها وما قبلها وأستنطق الآية من جديد كي أعرف وجه التمييز بينها وبين الآيات الأخرى المشابهة، وعادة كنت أحصل على مرادي، بينما كان التشريع يشبه تفسيرا موضوعيا. واعتمدنا هناك مجاراة تنسيق القرآن لموضوعاته عبر العلاقات المنطقية، وتفريعاته للمفصل، والاستفادة من الحركة الدلالية للمفردات القرآنية. وهذه الأخيرة (الدلالة القرآنية) سعتها في التشريع من أوجه الاختلاف.

سيدنا: إن الناظر إلى مدرستكم الفكرية فيما يتعلق بالاستنباط الفقهي والعرفان قد لا يعتبرها تمردا ونشازا على مدرسة الميرزا الأصفهاني[3] بقدر ما هو تطوير واستثمار وتوظيف بشكل آخر، وان كان هنالك نوعا من التباين فهو بسبب التطوير والانفتاح على قضايا جديدة، أين تضعون تجربتكم من مدرسة الميرزا؟

سماحة السيد: تأثرت كثيرا بمدرسة الميرزا الأصفهاني (قده) خلال دراستي على يدي السيد الوالد (قده)[4] وإفادتي المباشرة من كتب الميرزا، لكن من الصعب علي القول بأنني أنتمي إلى هذه المدرسة. لأنني تربيت في الحوزة العلمية والتي كانت مفتوحة للأساتذة ذوي المشارب المختلفة، وانفتاحي كذلك على الكتب الغربية المترجمة فضلا عن دراستي المباشرة لبعض هذه الكتب بلغتها الأم. وكنت في حياتي عموما أميل للتطلع واتباع مناهج في البحث عن اليقين، حيث كنت لا أكتفي بالسماع لآراء الآخرين، وإنما أحاول أن أبحث عن خلفيات تلك الآراء ثم أحاول البحث عن جذور هذا الرأي أو ذاك. لذلك ومع احترامي وتقديري واعتزازي واعترافي بالجميل لمدرسة الميرزا (قده)، لا أستطيع أن أؤكد بأنني كنت تلميذا مؤطرا في كل أبعاد هذه المدرسة، ولعل الذي دعاني إلى ذلك أمور:

الأول: تركيز هذه المدرسة على الروايات وتركيزي بالاعتماد على القرآن مضافا إلى الروايات، كان أحد هذه الأسباب، ثم توجه الميرزا ضد الفلسفة اليونانية القديمة، وتوجهي نوعا ما ضد الفلسفة الغربية الحديثة.

الثاني: ولعل هناك إثارة أخرى تستوقفنا إلا انه باعتبارنا كنا ننتج الفكر ونحن نغوص في خضم الحياة اليومية، فعادة ما يكون إنتاجنا في لمحة من الزمن ومتأثرا بالظروف، فمثلا حينما اجتاح العراق المد اليساري والشيوعي الماركسي كانت لي وقفة مع كتاب الفكر الإسلامي، حيث ورد في قسم العقائد منه كلام عن الحضارة الماركسية. أما كتاب البعث الإسلامي فهو بمثابة التحدي لواقع عشته آنذاك أيام البعث العفلقي وهو بديل حضاري لذاك الواقع.

الثالث: بعدئذ حينما بدأت العمل الاجتماعي ركزت على مسألة المنطلق لما له من أهمية للإنسان من الناحية الموضوعية والفكرية كي ينجح، وأستطيع أن اعترف بأن بعض أفكاري تبلورت بعد كتابي المنطق الإسلامي وكذا تبلور مدرستي الفكرية، مع العلم بأن البحوث التي طرحت في كتاب المنطق الإسلامي مختصرة وشديدة التنوع لدرجة الابتسار.

سيدنا: فيما يرتبط بانتماءكم لمدرسة الميرزا مهدي، ذكرتم بعض المظاهر التي افترقتم فيها مع مدرسة الميرزا، وقلتم إن مدرسة الميرزا ركزت على جانب الروايات، وركزتم على موضوع القرآن.. الخ.

ألا ترون التركيز على الروايات لا يخرج عن إطار التركيز على القرآن باعتبار إن كلامهما نص مقدس، بالإضافة إلى إن الفكر اليوناني القديم لا يختلف كثيرا عن النظريات الحديثة، فهل يعد هذا ابتعاد عن هذه المدرسة أم هو في صميم هذه المدرسة؟

سماحة السيد: إن الخلاف في تينك المدرستين لو صار أكثر مما كانتا عليه لكان تناقضا بينا. وزبدة الأمر لا أجد الحماس لفكرة الانتماء إلى تلك المدرسة أو هذه.

وما أود قوله يتصل بالمفتاح الأساس لمدرسة الميرزا (قده). وهو قوله إن الروايات لا تشذ عن العقل بل ينبغي استثارة عقولنا بالروايات، فهو يسلم بالروايات في الواقع وبشكل جدي، لكن تسليمه بالروايات لا يعني انه يقف عندها كنهاية دلالية[5]، بل يفتحها ويصل إلى جوهرها[6] ثم بثقاب الروايات يشعل وقود العقل. وهذه النظرية جمعت بشكل دقيق بين نتيجة الاتجاه الأصولي ونتيجة الاتجاه الأخباري[7]. وللتقريب أمثل بقناعة التلميذ العالية بأستاذه، أنه أي التلميذ درس دراسة عميقة ووافية لموضوع ما، فاحترامه وثقته بالأستاذ لا تدعوه إلى إلغاء عقله بقدر ما تدعوه إلى إثارة عقله في نظرات الأستاذ. والتحفظ الذي أراده المحدثون وهو بأن لا يتجاوزوا أهل البيت لعصمتهم وأنهم فوق الشكوك والريب، هذا التحفظ موجود في مدرسة الميرزا بصورة جدية، إلا انه ومن جهة ثانية ما قاله الأصوليون من حجية العقل والثقة به، نجد أيضا إن الميرزا ملتزم به.

وبعبارة أخرى تكون كلمات أهل البيت (ع) وسيلة لاستثارة العقل للوصول إلى الحقيقة وتذكيره. ونستطيع أن نقول أنه هاهنا يكمن إبداع مدرسة الميرزا. والخلاصة إن التسليم للروايات ينبغي أن يكون عقلانيا لا عاطفيا، وهذا هو مذهب الشيعة تاريخيا وليس مذهب الميرزا الأصفهاني (قده) حصرا.

سيدنا: ما هي رؤيتكم في الحكمة، وما هي علاقة القيم بالحكمة في هذا المقام، وما هي العلاقة بين القياس المجاز والقياس غير المجاز في مدرسة أهل البيت (ع).

سماحة السيد: في البدء علينا أن نفرق بين علة التشريع وعلة الحكم[8]. في علة التشريع الأمر لا يدور عدما ووجودا مع العلة، فالتشريع يأتي أعم من الحكم. بينما في علة الحكم يتلازم الحكم والعلة، ومثال ذلك حكم قيام الليل للمسلمين، فرفع الإلزام فيه (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم إن لم تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن) مراعاة لثلاثة أصناف من المسلمين: (علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله) ـ المزمل، 20 ـ. والقرآن بسبب وجود هؤلاء. مع أنهم ليسوا كل المسلمين. ألغى حكم الإلزام من قيام الليل ألقاه كليا لطفا. وهذه هي علة التشريع. وفي باب المسكر، فإن سبب حرمة الخمر (الإسكار)، ولا يعني ذلك إن قليلا من شرب الخمر لا بأس به.

القسم الآخر ما يرتبط بعلة الحكم، ومثاله: (وإن كنتم جنبا فاطهروا)، فالجنابة هنا علة تامة للطهارة تدور معها وجودا وعدما. ونلاحظ إن القسم الثاني أقل من الأول. والصعوبة في تشخيص نوعية العلل، وهو يستفاد من لسان الدليل. فمن الضرورة بمكان أن نتساءل عنها هل هي علة في التشريع، أم علة في الحكم، ومع احتمال أن تكون علة في التشريع، فالحكم يستمر حتى من دون العلة. ومن جهة أخرى فإن العلة المنصوصة بوصفها حكم شرعي لا من حيث هي علة لا يمكن أن يتجاوز. فالعلة حكم شرعي يلزم مراعاته، وينبغي أن نسعى لاستقراء النصوص لاستنباط تلك الأوامر الإلهية بجدية، واعتقادي إن تلك الأوامر الكلية من الكثرة بمكان، ولابد أن نستثمرها ولا نقف فيها عند حد معين، بل ينبغي علينا أن نوسعها إلى أبعد حد ممكن وعدم حبسها في مورد ذكرها، فمثل (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) فالطهارة مستحبة بنفسها، ولا تنحصر في الأنواع الثلاثة الشرعية، فكما يستفاد منها إن الغسل مستحب بنفسه كالوضوء، فكذلك الطهارة العرفية (النظافة) مستحبة. ومثال آخر: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) ـ النساء 43 ـ وكان هنالك فرد ما سكران سكر المرض أو النوم أو التعب.. الخ، فيستفاد من الآية الإتيان بعمل يرفع السكر، أو أخذ قسط من النوم مع سعة الوقت. وتجدر الإشارة إلى إن القيم أو الحكم تتحمل الوجوب والاستحباب كما تتحمل الكراهة والحرمة، أي (لا تقرب الصلاة) تكون في مورد تفيد الحرمة مثل مورد الآية وفي آخر قد تفيد الكراهة.

وهذا التعميم فائدته أنه يأخذ بمحتوى الآيات وحكمها لا بسطحها، وأكثر فائدته في فقه المتغيرات. وثمة تفصيلات مثل تعارض الحكمة العامة مع نص خاص، وغير ذلك يذكر في مورد البحث[9].

وجهة أخرى إن سبيل بلورة المحكمات هو المتشابهات (المفصل، الفروع)، فالمتشابهات في كثير من الموارد تزيد المحكمات أحكاما، فينبغي إرجاعها للمحكم ليتضح معنى وحدود المحكم، ففي قولك إن الفاعل مرفوع وإيتائك بالأمثلة على ذلك يتضح معنى الفاعلية ومعنى أنه مرفوع.. وهكذا.

ومن جهة ثالثة فأن التعبير القرآني الأقرب للقيمة هو الحكمة، وهي ترادف المحكم. نعم عبرت النصوص الروائية بـ(العلل). وهي تشكل حالة من المعيارية والغاية. لذا كان التعليل في القرآن (بمعنى المبرر والغاية) مفتاح أساس في التعرف على حكم الشريعة. وقد هدانا التدبر إلى إن أحكام الشريعة مطابقة لسنن الله في الخلق.. إنها الحق. كما الخلق حق فهي تعبيرا عن سنن الله في الكائنات. فكل حكم يتبع حكمة، وكل حكمة تتصل بسنة، وقد بين الله الحكم وعلم حكمته، وذكر سنته[10].

وأخيرا الفارق بين القياس والحكمة، إن المنهي عنه هو التعرف على حكم النظير من خلال علة مظنونة (دون الاستناد للنص)، بينما نحصر ذلك في الحكمة الواردة في النصوص.

سيدنا: ثمة تساؤلات حول منهجية (التشريع الإسلامي). تساؤل حول الرابط بين الأجزاء الثلاثة الأولى وبين ما يتلوها. وتساؤل حول إن لغة (التشريع الإسلامي) تجانب اللغة المتعارفة، كما إن ظاهرها ألفاظ سهلة الفه بينما مداليلها فيها غموض. ومن جهة ثالثة ألا تكون هذه المنهجية فيها تبسيط لعملية الاستنباط وهي معقدة وحساسة؟

سماحة السيد: بلى يوجد نقص، ونحن نأمل من الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا لسد الفجوة، وأتصور ان هذه الفجوة تكمن في التالي:

أننا في الجزء الأول والثاني من كتاب التشريع تحدثنا عن العقل والعلم والسنة والكتاب. وان كان حديثنا فيه غير مستوعب. أما في الجزء الثالث الذي هو جزأ متميز. بحثنا حول القيم بحثا مقارنا دقيقا وجديا وهو بحث بكر غير مسبوق. يتناول القيم معناها وشرعيتها ثم القيم الموجودة عند الأديان والقيم الموجودة عند الفلسفات والقيم الأساسية الموجودة في الإسلام. فهو بحث متكامل وجدي.

وأعتقد ان أكثر من قرأ الكتاب لم يفهمه لأنه قرأه كأي كتاب آخر قراءة انتقائية من كل فصل عدة صفحات، غير ان هذا الجزء بالذات من الكتاب ينبغي قراءته بإمعان.

ثم أننا خرجنا من هذا الجزء وقد أسسنا هرما للقيم الإسلامية، أي أسسنا نظرية للقيم الإسلامية، لكن هذا الهرم بعد ان انتقلنا إلى الجزء الرابع أصبح غير واضح، فالذي يقرأ في الجزء الرابع بحثا حول العبادة يتسائل ثم ماذا؟

لكن إذا دققتم تجدون ان العبادة هي أساس الهرم القيمي الذي بحثناه في الجزء الثالث انطلاقا من قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ـ الذاريات 56 ـ أما الجزء الرابع فهو تفسير للعبادة (صلاة، سجود..) غير ان القارئ غالبا ما يخفى عليه هذا الأمر ويجد صعوبة في الربط بين الجزء الثالث وبقية الأجزاء، لذلك فقد قررنا ان نكتب خلاصة للقيم الموجودة في كل الأجزاء إلى نهاية الجزء التاسع أو العاشر ونضعها إما في بداية الجزء الرابع أو في نهاية الجزء الثالث[11]، لتشكل هذه الخلاصة إطارا عاما لكتاب التشريع الإسلامي، ولقد قمنا بهذا العمل بالنسبة إلى الجزء الثامن والجزء التاسع فقد وضعنا في مقدمة كل جزء منهما خلاصة للقيم الموجودة فيه، وهذا الأمر كان ينبغي ان يكون في بداية كل جزء وقبل كل هذه الأجزاء في نهاية الجزء الثالث وهذا ما نزمع القيام به. وبالطبع فإن هذه الخلاصة ليست مجرد استعراض (كما هو الفهرست) بل فيه اهتمام بالهيكل العام وترابط أجزاءه. هذا أولا.

وثانيا بالنسبة إلى لغة الكتاب، ومع ملاحظة ان كتاب التشريع استدلالي، وليس كتابا جماهيريا، فمن الطبيعي ان يكتنفه بعض الغموض. لكن المهم الإشارة إلى أنه في مجال التشريع لابد ان تلتزم بما ترى بغض النظر عما يراه الآخرون. وقد رسمت سياسة حازمة وهي عدم الخروج بعيدا عن النص. لذا في بعض الأحيان أضع فكرة بين قوسين، حين لا تكون واضحة تماما استيضاحا عن النص بلى قد تكون الفكرة واضحة عندي وليست كذلك عند القارئ. فاحتياطا أجعل الرؤية بين قوسين. ومن جهة ثانية حاولت الجمع بين التعبير الحديث والتعبير القرآني، لأن التعبير القرآني قد لا يكون مفهوما، وإلا أنا أفضل التعبير القرآني، فمثلا هناك فرق كبير بين كلمتي الرؤية والبصيرة، وبين السنة والقانون، وهذا الانتقال للمرادفات المعاصرة مسلك سلكه الأئمة (ع)، فمثلا الإمام الرضا (ع) بدأ يستخدم كلمة العلة، بينما العلة في أيام الإمام الصادق (ع) بمعنى المرض. وهي في عهد الرضا (ع) درجت بالمعنى الفلسفي.

فأرجع وأقول أننا في قضية التأسيس للرؤية الجديدة حافظنا على مستوى معين من الوضوح، لأن لدينا صنفين لا تناسبهما الدرجة الكبيرة من الوضوح. صنفا لا يستسيغ الكتاب ويقف منه سلبا ويصادف ان بعض هؤلاء لم يقرؤا الكتاب. فالمحافظون جدا متحفظون يرفضون الكتاب.

والتقدميون جدا تعجبهم الصراحة ويستغلونها في غير الجهة الصحيحة.

وثالثا مثلما تفضلتم عملية التشريع قضية خطيرة، إلا اني أعتقد قد أضفت ضوابط جديدة. فلا يكفي في باب الطهارة مثلا تناول الآية (وإن كنتم جنبا) وغيرها ليفهم معنى الطهارة. بل لابد ان يفهم مجمل القيم الكاملة للمنظومة الإلهية حتى يبحث عن الطهارة.

وإليك مثالا يوضح الفكرة، أنه قد لا تجد نصا مباشرا على حرمة (العادة السرية) للمرأة، إلا ان إرجاعها للقواعد العامة وحكمة التشريع يصبح الحكم واضحا. وكذلك مشاهدة الأفلام الجنسية، فبالنظر السطحي قد يصار لإباحتها، لولا ان تضم إلى حكمة التشريع، ألا ترى ان الله سبحانه يقول: (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) ـ النور 31 ـ هذه الزينة الخفية التي لا تراها العين، لكن حين تضرب المرأة برجلها تصور الرجل ان هناك ساقا وان حول هذه الساق حجلا، هذا التصور يثيره، فإذا كان القرآن لا يقبل ذلك فهل يا ترى يقبل مشاهدة الأفلام الجنسية؟

فالاجتهاد لا يعني مجرد وجود دليل فرعي وعدمه، بل لابد من الربط بالقواعد الفقهية بالإضافة إلى ضوابط أخرى يحتاج لها في عملية الاستنباط.

سيدنا: معروف عندنا في الأصول ان الأدلة إنما تسمى أدلة لأنها توصل إلى الحكم الشرعي. السؤال هنا هل ان التشريع الإسلامي غاية موصلة إلى معرفة الأحكام؟ الملاحظ ان هذا ليس واضحا خلال الأجزاء الصادرة، خصوصا أنكم أغفلتم بحث الآليات اللغوية. وبعبارة أخرى هل هو بديل لعلم الأصول المتعارف تقليديا، فالمشروع إعادة هيكلة لعلم الأصول. واذا كان (التشريع الإسلامي) أطروحة مغايرة فكيف نفهم توافق نتائج هذا المنهج مع نتائج المنهج الأصولي التقليدي؟؟

سماحة السيد: بدءا أشكر تعبيراتكم اللطيفة في إبداء ملاحظاتكم، ولكن في البحث العلمي الصراحة والوضوح مطلوب. بداية أقول: نظريا مع تغاير المنهج لا يعني بالضرورة تباين النتائج، ولذلك فإن توقع نتائج مختلفة تماما فيه شيء من المبالغة. لكن قد يرد القول انه اذا كانت النتائج هي نفس النتائج فيما قيمة هذا الطرح؟

وهنا أجيب من خلال عدة نقاط:

الأولى: في الفقه هناك فقه ثابت وفقه متغير. وأعتقد ان الضربة التي تلقتها الأمة ليست في الثوابت (كصلاة الجماعة مثلا) بل في المتغيرات فحرنا في ان هذا الظرف هو ظرف الجهاد أم ظرف التقية مثلا، وهل الجهاد واجب في ظرفنا أم ليس بواجب، هذه المتغيرات التي قد تصل إلى ستين بالمئة من أمور الحياة ـ اذا لم يكن أكثر ـ هي التي تلقت الأمة فيها ضربات موجعة وعليه فإن المطلوب هو معالجة هذه المتغيرات والمجتهد الحق هو من يضع الضوابط المناسبة لها، ولا ننسى ان فقه الدولة يطغى فيه المتغير، وأيضا موضوع الإصلاح والتغيير الاجتماعي، بل ان تداخل العالم ثقافيا واقتصاديا جعل كل حياة الأفراد مجالا لفقه المتغيرات أيضا.

ومن هنا أقول ان فقه المتغيرات هو مجال نظرية قيم التشريع الأساس. حيث توفق بين ثبات القانون وحركية الحياة الإنسانية بخلقها مرونة في القانون تستجيب للمتغيرات مع المحافظة على أهدافه (الحكمة). ينبغي ان نشكر الله كثيرا على نعمة القرآن، فبنيانه اللغوي والدلالي دقيق ومتين، وقوانينه ثابتة وتحتمل تطورات الحياة بصورة اعجازية، وأيضا تلعب دورا أساسيا في معالجة تزاحم القيم في الخارج كالتعارض بين قيمة الأمن والحرية. بينما تلاحظون ان الموضوعات السائدة في البحث الفقهي هي من فقه الثابت.

الثانية: بالإضافة إلى ذلك ثمة عقد متناثرة في جزئيات فقه الثابت، وهي لم تزل بعد غير محلولة وأعتقد ان منهج التشريع الإسلامي لديه القدرة على معالجتها. وفي أجزاء التشريع الأولى بينا في أماكن مختلفة أهمية قيم التشريع في الاستنباط.

فقيم التشريع تشكل قاعدة فكرية للفقيه تكون بمثابة موجهات، والتي يعبر عنها الفقهاء رحمهم الله بـ(شم الفقاهة، أو ذوق الفقاهة). وهي ترفع أحيانا إجمال النص حين يحتمل أكثر من معنى، وتساهم في رفع التعارض بين النصوص، وتوفر للفقيه القدرة على معالجة إشكاليات مستحدثة، مثل بلوغ المرأة الزمني ومفارقته للبلوغ الطبيعي، وإشكالية تفاوت العمر الزمني والعقلي حال ضمور الدماغ، وموضوع الاستنساخ مثال صارخ. ومن الغريب معالجة مثل موضوع الاستنساخ المعقد البالغ التأثير على الأجيال القادمة بالإرجاع للأصول العملية.

الثالثة: إننا في التشريع وسعنا نطاق الأدلة، فآيات الأحكام لم تقتصر على 300 أو 500 آية على اختلاف أنظار الفقهاء. ومراجعة الأجزاء المطبوعة تبين ذلك. ومن جهة أخرى أعدنا النظر في الدلالة القرآنية للمفردات، حيث نعتمد على ان القرآن والرواية تصنع دلالاتها غالبا. هذا وأمور أخرى تساهم في الاستنباط.

الرابعة: بالنسبة إلى توافق النتائج في الجملة يمكن تفسيره بأمور:

* البحث الفقهي عند العلماء (ره) متين لم يخرج عن إطار الروايات، فالفقهاء لما وصلوا إلى الرواية، تركوا الأصول جانبا وتمسكوا بها بطريقة أو بأخرى. لوجود الالتزام النفسي بالروايات. وكدليل على ذلك، بالرغم من اختلاف وتطور وتوسع الأصول من يومنا هذا إلى أيام الشيخ الطوسي[12] لم ينعكس هذا المقدار من التضخم على البحث الفقهي، فالشيخ الطوسي ما زالت آرائه ذات قيمة وتعرض في بساط البحث بل والشيخ يوسف[13] الذي ينتمي لمدرسة الأخبار، لم يزل كتابه الحدائق الناظرة على منضدة البحث الفقهي. إذ ان الفقيه يحتاج مثلا إلى حجية الخبر سواء كان دليله واحد أو أكثر وذاك الدليل أو غيره، وتكون النتيجة حجية خبر الواحد.

* فقهاءنا كانوا حافظين للقرآن ومفسرين له، كما كانوا عارفين بروايات المعارف، ولم يقتصروا على الأحكام. فالقاعدة الفكرية القرآنية والقيم كانوا يعرفونها، وقد تبلورت لديهم من خلال معايشة النصوص. وهو المتعارف بـ(ذوق الفقاهة).

ومن خلال هذين الأمرين نفهم توافق النتائج في الجملة. وهذا يلفت النظر إلى خطورة الاجتهاد المنغلق على ظاهر النص وعلى الآليات اللغوية، مع قاعدة ثقافية مختلطة، أنا أخشى من نتيجة هؤلاء. ولاحظوا ان فقيها محققا (ره) تبنى منهجا في الرواية، وتبنى بعض ممن تتلمذ على يديه منهجه كيف تباينت النتائج، مع ان التلميذ اعتمد على مباني الأستاذ، والسر يكمن في القاعدة الفكرية. وتجدر الإشارة ان بعض المثقفين يريدون بواسطة الأدوات اللغوية البحتة باعتبار القرآن نصا لغويا تأسيس نتائج غريبة وبعيدة عن هذا الدين.

الرابعة: تهذيب الأصول من الزوائد التي يستغني عنها استنباط الأحكام، وهذا مسلك درج في كثير من الأبحاث الفقهية المعاصرة، لكن ينبغي إضافة التوسع فيما يحتاج له. ولكن لا يخفى ان عملية التهذيب معقدة، وتحتاج لتراكم الأنظار والتجارب. وأستطيع القول ان تفاعل اعادة النظر في تفسير القرآن والسنة والانفتاح على مشكلات العصر وتقييم تجارب السلف الصالح يمهد لعملية تهذيب مستمرة، وهذا أحد الأمور التي سعينا لها في التشريع. فالبحث الأصولي اليوم نتيجة جهود وأبحاث العشرات من العلماء الأجلاء تطويرا وتهذيبا، وإنما ادعو لمواصلة هذا الجهاد العلمي. وبجانب التهذيب تبقى مسألة الزمن. حيث أصبح مألوفا ان الفقاهة تستغرق من الإنسان وقتا مبالغا فيه، لم يعد تسارع الحياة يتحمله. أنتم درستم المناهج الحوزوية المتعارفة، ورأيتم ما تستغرقه من عمر الإنسان. ولاحظوا منهجية التشريع، وقارنوا. نعم نحن وأنتم أبناء المنهج التقليدي، وبالتالي التجربة غير مكتملة. لكن بتصوري إنني مثل إنسان يعترضه جبل فيقرر حفر نفق، التأسيس بحاجة لزمن، والنتيجة اختصار الزمان، ونحن بأمس الحاجة له.

على ان هناك نواقص في كتاب التشريع ولقد أشرت إلى جزء منها في مقدمة الجزء التاسع، والتي تتمثل في بحوث الأصول العملية.

سيدنا: هل ترون أنكم أحدثتم انقلابا؟

المسألة ليست قلب الأشياء بل تطويرا يحدث تبدلات. ولابد ان نلاحظ ان صيرورة التطويرات واقعا يتطلب شرطين، أولا استكمال الرؤية والمشروع، ثانيا مرور الزمن الكافي. المشروع طموح، ويتطلب لجان دراسات، وعبر نهضة فقهية شاملة يقوم بها مختلف أساتذة الحوزة العلمية. ولاحظوا ان أبواب الفقه تربوا على العشرين، وتعرضنا لليسير منها، وركزنا على القيم الأساسية للفقه، ولم ندخل في التفاصيل. وبالتالي المشروع في بداياته وبحاجة للمزيد.

سيدنا: ما دمتم تقولون بأن هذه النظرية تبحث في فقه المتغيرات، فلماذا لا نبقي الثوابت على حالها، أقول ما دمنا نتفق مع نتائج المنهج القديم في النتيجة للوصول إلى الحكم الشرعي فلماذا لا نرسخ وجهتنا في فقه المتغيرات؟

سماحة السيد: تعلمون ان السلف من علمائنا رضوان الله عليهم، قد شقوا طريقا في الاستنباط، وعرفوا بالمحدثين[14]، ولاحقا بالأخباريين[15]، في مقابل التيار الأصولي[16] السائد. ونحن اليوم قد لا نوافقهم في كل شيء، لكن ثمة مقاربة (رأي ثالث) تجمع بين مميزات المدرستين.

ثانيا مع ان حصة الأسد للمتغيرات، إلا ان إعادة البناء تهذيبا وإغناءا واختصارا لا يقل أهمية.

سيدنا في مناخ مقولة (يؤسسون في الأصول نظريات وفي البحث الفقهي يتجاوزونها) ثمة تساؤل، هل التزم بحثكم الفقهي بهذه النظرية الجديدة بقدر الطريقة المتعارف عليها؟

سماحة السيد: لا بأس، هذا صحيح، قد توجد مباينة في الممارسة الشخصية. أنا لست ابن هذا المنهج، بل من أبناء المنهج القديم. والبحث الذي القيه في طهران هو المنهج القديم، نعم الرؤية الجديدة تلقي بظلالها على بحثييني بلا ريب. ولكن فيما يتصل بكتاب التشريع أعتبره صدمة وصعقة في محيط هادئ نحن بحاجة إليه، حتى تتفتح العيون على أفق جديد.

سيدنا ولذلك أن أفضل طريقة لتفسير هذه النظرية، ان تتناولون موضوعا بمنهج هذه النظرية الجديدة.

سماحة السيد: صحيح، ولقد أشرت إلى هذا الأمر في مقدمة الجزء التاسع وبينت ان هناك عدة بحوث لم أبحثها بعد أرجو من الله ان يوفقني لبحثها وهي إنزال هذه القيم التي تناولناها في كتاب التشريع على أرض الواقع كدراسة المجتمع الإسلامي ضمن هذه القيم وكذلك فقه القضاء والولاية الإسلامية ضمن هذه القيم التي تعتبر بمثابة قواعد للفقه ينبغي ان يبنى عليها، وهذا لا يعني بالطبع عدم وجود بحوث عندنا من هذا القبيل فلقد تناولنا جزء منها في ثنايا كتاب التشريع الجزء التاسع، وأيضا ينطبق على الجزئين السابع والثامن. وكذلك كتاب (الوجيز في فقه الحياة الطيبة) وهو عبارة عن إستفادة من نظرية التشريع الإسلامي في الفقه العملي. ففي الجزء التاسع على سبيل المثال تحدثنا عن ركائز الكرامةالتي منحها الرب للناس. ومنها فرعنا الحديث إلى (العقود)، إذ كرامة الإنسان تقتضي كلمة الشرف أي (كلمة الصدق) بحسب التعبير القرآني. فيلتزم الإنسان بعقده، بميثاقه، بعهده، بوعده، بكفالته، بنذره، بيمينه. ثم انتقلت للحديث عن العقود وملابساتها ضمن إطار فلسفة المال المستوحاة من القرآن. وفصلت الحديث في جزئياتها مثل (ضبط العقود)، وتوقفت مليا عند آية (الدين) وهي أطول آية قرآنية. كما توقفت عند الربا وتشابكه والتضخم والمشاكل والإشكاليات المتعلقة بالربا.

سيدنا من خلال حديثكم المتقدم فهمنا ان هذا المنهج هو منهج مكمل للمنهج الأصولي أي يمكن الفقيه من معالجة الكثير من الإشكالات الفقهية الموجودة، ومن ثم فأنتم أشرتم في البداية إلى صعوبة هذا المنهج باعتبار أنكم أضفتم آليات جديدة، فكيف نجمع بين هذا القول وبين قولكم ان هذا المنهج هو الأنسب لعصر السرعة لأنه يمتاز باختصار الزمن؟

سماحة السيد: أشير في الجواب إلى ملاحظتين:

الأولى: لقد بينت أنني ربما عقدت المسألة من جهة وليس من كل الجهات.

ثانيا: اعتقد ان اقحام المناهج والنظريات الفلسفية في علم الأصول يتحمل وزر التعقيد. وثمة أمور فنية تتعلق باللغة المختزلة وأسلوب المتون بدلا من التركيز على المضمون. قبل بحوث الخارج[17]. وأسلوب (إن قلتم قلنا) وغير ذلك يسهم تجاوزها في حلحلة العقد المصطنعة والتي تستهلك وقتا بلا مبرر عقلائي. وبتقديري ان تهذيب الأصول من الزوائد يوازي ما ينبغي ان يضم على أقل تقدير.

ثم لابد من ملاحظة مرحلة التعليم والتعلم، حيث ان تنظيم البحوث وفق الكليات بدلا من ملاحقة الجزئيات يسهل العملية التعليمية فهما للنظريات الفقهية وتماسكها المنطقي، وينفع في الاستغناء عن التكرار في عرض المباني بسبب ملاحقة الجزئيات.

سيدنا: نود ان نسمع رأيكم في مسألة، هل ان كتاب التشريع هو كل الأصول أو هو رأي فيما تناولتموه من أبحاث أما البقية فنظرتكم إيجابية لها، وإنما سكتم ولم تذكروها لأنها من الواضحات أو ربما تبحثوها لاحقا؟

سماحة السيد: بدءا أشير ان البحوث الأصولية توجد في الأجزاء الثلاثة الأولى. وواضح إني لم أتعرض للمباحث الأصولية كلها، كما أنه من الواضح عدم الاستغناء عن كثير من المباحث الأصولية التقليدية. لقد سجلت ما رأيته ضروري أو لدي فيه جديد. نعم توجد إشارات في مطاوي الكتاب تصلح لالتقاط الخطوط العريضة لدينا في البحوث اللفظية، أو تعارض الأحاديث وغيرها. وعلى كل حال حاليا أجدد النظر التفصيلي فيها أثناء بحث الخارج.

وهنا استطرد لأبين بتبسيط شديد بصيرة في البحث، تعتمد على الرجوع فيها للواضحات، ومآلها الرجوع للواضحات العقلية الفطرية، فمثلا الأدوات اللغوية (الخاص والعام والاستثناء والمطلق والمقيد..) مرجعيتها للظهور، ومرجعية الظهور للعرف. واكتشاف العرف يتطلب دراسة العرف اللغوي الاجتماعي، ولو اختلف العرب، فدراسة الدلالة القرآنية هي المخرج. فالقرآن الكريم كتاب كامل لا ينقصه شيء ولا يحتاج إلى أداة أخرى ـ خارج حدود الوحي ـ لفهمه، وان تكاملية وتمامية وبيانية القرآن نقطة جوهرية، انطلق منها في التأسيس النظري لكل المناهج والآليات، ومن تجليات التمامية أهمية استكشاف الأساليب الخاصة بالنص الديني وعدم التوقف عند الأليات اللغوية العامة، فـ(المحكم والمتشابه والتأويل) لا يقتصر على القرآن الكريم، إذ هو في كلمات النبي وأهل البيت عليهم جميعا صلوات الله كذلك، واعتقد ان ذلك يصنع أرضية فهم معاريض كلامهم (ع). ومن معاني تكامله ان معاني الكلمات في القرآن واضحة من خلال القرآن نفسه. وأضرب لكم مثلا حول (الحزن) في مورد ان من الفضائل عدم الحزن والخوف عند الموت (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فما هو معنى الحزن الذي لا يصيب الإنسان في تلك الحالة هل هو الكآبة، أم الإنقباض أم الندم أم ماذا، فكيف نفهم من الناحية الشرعية ان هذه الحالة حزن أم لا، وما هو مصدر هذا الفهم؟

أتصور أن بإمكاننا ان نعرف ذلك من خلال الآية المباركة على لسان النبي يعقوب (ع) (قال اني ليحزنني ان تذهبوا به وأخاف ان يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون) ـ يوسف 13 ـ فهذه الحياة مليئة بالآباء الذين لديهم أبناء واذا غاب هؤلاء الأبناء عن أباءهم أو ضاعوا تصيبهم حالة عبر عنها القرآن بالحزن، ورغم ان الحزن ليس مفهوما غامضا وإنما هو من المفاهيم الواضحة، إلا ان في القرآن دائما ما يمكن ان تستنبط منه المعاني حتى في الأمور الواضحة، فعلاقة الإنسان بإبنه علاقة فطرية وغياب الإبن عن أبيه يسبب شيئا ما في نفسه هذا الشيء يطلق عليه القرآن (الحزن) فمن هنا نفهم ان هذا الحالة التي تحصل لدى الأب هنا لا تصيب المؤمنين يوم لقاء ربهم إذ (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ـ الاحقاف 13 ـ وهذه هي طريقة القرآن في كثير من الألفاظ إذ هو يوضحها في الأمور الحياتية اليومية التي يعيشها الناس حتى نفهمها في الأمور المعقدة.

وتكفي هذه الإشارة لاستيضاح أهمية تجاوز الدلالات الصناعية المحدثة بسبب تداخل الثقافات. هذه دلالة المفردات، أما الأدوات فهي كذلك تكتشف بسبرها في القرآن الكريم. بالإضافة إلى ذلك هناك أسلوب التحقق وقد اتبعه الفقهاء بصورة أساسية وهو يعتمد اختبار صحة النظرية من خلال نتائجها وتوافقها مع نتائج النصوص، فمثلا الروايات اعتمدت على مفهوم الجملة الشرطية وهو دليل صحة الرأي القائل بمفهوم الجملة الشرطية. وأسلوب ثالث وهو أساسي ويعتمد على حذف الوسائط مع النص حتى أفهام الفقهاء، وتكون الرواية بمثابة النور الذي يستضيء به العقل، ومن ثم استنطق الرواية، ثم أرجع للعقل اذا بقي غموض. وبعبارة أخرى أنظر للنص بأنه تعبير عن الحقيقة، فعليه استنطق سائر النصوص في ذات السياق، وسائر القواعد العقلية ذات الصلة. ثم أبحث لاحقا في نظرات الفقهاء بنور الرواية. وتلاحظون ان مرد هذه الأمور دمج العقل بالنص أو عملية تذكير العقل بالنص، وأيضا تثبيت مرجعية نحتكم لها، مما يسمح بتقليل الخلافات.

سيدنا: يعود مجددا بقوة الحديث عن التطبيع والمقاطعة في القضية الفلسطينية. ألا ترى أنه يمكن استثمار (المقاطعة) أبعد من الزواية السياسية إلى البعد التنموي، حيث يمكن توظيف التقبل الجماهيري للمقاطعة في تكريس (الاكتفاء الذاتي) وإضعاف الثقافة الاستهلاكية وما إلى ذلك؟

سماحة السيد: قضية التنمية ـ التي هي من أهداف الأمم والتي أصبحت بعد العولمة وتطور العالم ضرورية ـ قد تصطدم مع المقاطعة، أو بعض خيارات ثقافة الأمة بطريقة أو بأخرى، فماذا نعمل في هذا المجال ولمن الأولوية، هل هي للتنمية أم المقاطعة؟

في نظري ان الأولوية ليست لهذا أو ذاك، وإنما هي للمصلحة العليا للأمة من غير إلغاء لأحدهما، مع ان هنالك خيارات عدة في البين منها خيار سياسة الاعتدال.

من جهة ثانية اذا كان هناك خيار الرفض المطلق الذي قد يتسبب في تخلف الأمة للأبد، فإنه يجب علينا والحال هذه ان نضحي بهذا الجزء من أجل ذاك. ولدينا تجارب متنوعة، فجورباتشوف في البريوستريكا لم يحافظ على عزة الدولة السوفيتية لصالح اللحاق بأمريكا وبخطوات متسارعة فجرت الدولة من الداخل، وفي المقابل القيادة الصينية مثلا نجدها وبخطوات وئيدة استطاعت ان تحصل على التنمية في مقابل تنازلات جزئية عن الشيوعية لمصلحة اقتضتها الظروف، وهكذا حافظت الصين على تماسكها الداخلي واستطاعت في زمن وجيز ان تتحول إلى عملاق اقتصادي وكذا الأمة الألمانية واليابانية اللتين استطاعتا ان تقفزا من الصفر إلى قمة التنمية بفضل سلم الأوليات. حيث فقدا الاستقلال فكان الهدف التنموي هو المتبقي.

أما الدول التي تضع التنمية كهدف دون اعتبار للكرامة الإنسانية وعزة الأمة وشرفها، فهي فشلت أيما فشل في هذه التجربة، وأمثلة ذلك إيران ما قبل الثورة وتركيا المعاصرة وغيرها من التجارب المتشابهة لدول ارتمت في احضان الغرب دون أدنى تفكير في العواقب..

إذن الهدف ليس التنمية وليس العزة الوطنية، إنما هي المصلحة العليا التي قد تمر عبر التنمية أو العزة الوطنية.

وأهم من ذلك هو أن الأمم تحتاج إلى روح طموحة وسامية كي تحقق أهدافها ومشاريعها الكبرى، وهذه الروح ما زالت كامنة في أمتنا العربية والإسلامية تستنطقها وتستجلبها الأحداث التي تهز ضمير الأمة، وأوضحها حدث احتلال اسرائيل لفلسطين بما فيها من مقدسات واستهانتها بالإرادة العربية والأمة والإسلامية وقيامها بأعمال عدوانية.

هذا كله يجعل الأمة العربية تكتشف من جهة مدى الوهدة التي سقطت فيها، ومن جهة أخرى تكتشف روحها الكبيرة والتي هي كامنة وتحاول ان تظهر في نقطة التحدي.

وهنالك قضية من الأهمية بمكان في معادلة التحدي والإستجابة، وهي أنه حينما يكون التحدي أكبر بكثير من قدرة الأمة على احتماله فإن الأمة تضعف بالطبع، فيجب ان يكون دائما هناك توازنا ولو نسبيا بين التحدي وقدرات الأمة، وفي تصوري ان الأمة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في وضع يمكنها ان تستجيب لهذا التحدي الإسرائيلي، فإسرائيل ليست تلك الدولة التي لن تقهر، والدول العربية ليست تلك الدول الضعيفة المستضعفة المختلفة كما كانت عليه إبان الحرب العالمية الثانية بعكس اليوم فهي نوعا ما قوية اقتصاديا وسياسيا.

أما دعم أمريكا لإسرائيل فإنه لن يدوم، ليس لأن أمريكا لن تستطيع ان تدعم إسرائيل يوما، بل ان أمريكا لن تجد دوما وإلى الأبد المبرر الكافي لدعم إسرائيل إلى حد الإضرار بمصالحها الوطنية العليا، ونحن رأينا ان أمريكا بالنسبة إلى بعض المناطق الأخرى تعاملت بالأمر الواقع، فهي كانت تريد ان تسحق الإتحاد السوفيتي ولكنها حينما لم تستطع اشتركت معه في مباحثات سالت 2، إذ ان عماد الفلسفة السياسية الأمريكية هو الواقعية النفعية (البراجمتية)، بل هو عماد المدنية الأمريكية. وبناءا على ذلك فإننا نظريا لا نستطيع ان نحسم مسألة الرفض المطلق أو مسألة التنمية، ولكن على الأرض نحن نرى اليوم ان الدول العربية وبحسب تقديرنا وبإمكاناتها الحالية قادرة بان تستجيب للتحديات الإسرائيلية بشرط توفر الإرادة السياسية الجادة، وقادرة كذلك بأن تقنع دول العالم بأن مصالحها معها وليست مع إسرائيل، وبالتالي فإن إسرائيل ستصبح كيانا غير مرغوب فيه في عالم اليوم. وهي ستلحق بجنوب أفريقيا قريبا. فكلتيهما دويلة عنصرية وغريبة على الأرض متقومة على مرتزقة من شعوب مختلفة. بل هي من إفرازات الحرب العالمية الثانية فهي محكومة بالتفكك ضمن تبدل الظروف التي سمحت لها بالتسرطن.

سيدنا: اذا أردنا تحويل المسألة إلى الواقع أكثر من التنظير، ومن هذه اللحظة المعاصرة بالذات، ماذا ترون؟

سماحة السيد: ان المقاطعة اذا كانت تضر بالمصالح العليا للأمة، فإن ذلك ـ مما لاشك فيه ـ خيار لن يذهب إليه أحد. فعالمنا اليوم قلما يلجأ إلى سياسات قطعية، بل ان كل سياسات اليوم إنما هي سياسات تستهدف الضغط لا الحسم، إلا في حالات محدودة جدا وبمستويات معينة. أما على المستوى الشعبي فالمقاطعة مطلوبة، ذلك لأنها نوع من القيام بالواجب والمشاركة السياسية الأهلية، وهي أيضا تربية للذات، ولها تأثير ضاغط في سياسات الدول والجماعات. والتعبئة الثقافية نحو المقاطعة نوع تحصين للأمة. لكن من المهم أن نقاطع الجهل والرشوة والإرادة الفاسدة، ان نقاطع الكسل والخلافات والنزاعات الطائفية التافهة، أن نقاطع الظلم الذاتي بأن ننظم أنفسنا ونطور قدراتنا. إن مقاطعة الاخرين لن تخلق التنمية إن لم نقاطع سلبياتنا.

سيدنا: تعذر المقاطعة الرسمية والشمولية مبرر لتحويلها إلى حالة شعبية، فهل يمكن أن تنحو الدول والمجتمعات المسلمة نحو التطبيع مع إسرائيل بسبب الهيمنة الصهيونية، بحيث اصبح التطبيع معها شرط للمقبولية السياسية الدولية؟

سماحة السيد: إن الأمم تريد كل شيء من أجل مصالحها، وتريد مصالحها من أجل قيمها. فالتطبيع مع إسرائيل حتى ولو افترضنا أنه مع مصالح الأمة. وهو غير صحيح استراتيجيا، فلا ريب أنه ضد قيمها، ولا يمكن للأمة أن تقبل بالتنازل عن قيمها من أجل مصالحها. إن التطبيع مع اسرائيل لا يعني إلا الذل والهوان وان تقدم الأمة العربية هدية لإسرائيل على مائدة من الذهب لكي تفعل بها ما تشاء. إن فكرة إسرائيل عن شرق أوسط موحد وجديد تحت إشراف إسرائيل، إنما هو ضد القيم وضد مصالح أمتنا، ذلك لأن أمتنا بمقدورها أن تنهض بنفسها وتتحول إلى قوة ربما تكون القوة الفاعلة في العالم.

فإذا كانت أوروبا وأمريكا قوة والصين واليابان قوة وروسيا قوة، فما أن تكون أمتنا العربية والإسلامية قوة وهي المؤهلة أكثر من غيرها لأن تكون كذلك.

وهناك إرهاصات لهذه القوة العربية والإسلامية ابتداء من الجامعة العربية، وانتهاء ببعض مشاريع الوحدة التي أجهضت وغيرها من محاولات تصب في هذا الاتجاه. إن تطبيعا ضمن هكذا قراءة إنما هو عملية شاذة. والهدف منه تحطيم هذه الأطروحات الوحدوية والتنموية الواعدة والقضاء عليها في مهدها، وأبرز دليل على ذلك التطبيع الإسرائيلي مع تركيا بضغط من أمريكا وطمعا من تركيا أن تدخل في اتحاد دول أوروبا. ذلك التطبيع الذي نأى بتركيا عن دول تمثل العمق الطبيعي معها ـ مثل إيران وسوريا، ولبنان ـ. إن تطبيعا كهذا لن يجني ثماره سوى العدو، ولذلك لا يمكن لنا أن نقبل بالتطبيع سواء أكان في بعد المصالح العامة للأمة أو في بعد قيمها ومقدساتها. لهذه الأسباب وغيرها لا يمكن للدول الإسلامية القبول لإسرائيل كشريك طبيعي.

سيدنا: كيف يمكن لنا أن نصل إلى فهم التداخل ومن ثم التجاذب بين المصالح والقيم وبين الواقع في بعض الأحيان، ولأيها الأولوية في خضم واقع معقد كالذي نعيشه في وقتنا الراهن؟

سماحة السيد: إن المصالح هي أيضا ضمن دائرة القيم، فنحن حينما نذكر هنا المصلحة لا نعني بها شيئا ضد القيم بل إن المصلحة هي قيمة بذاتها، فالأمن القومي إنما هو قيمة من القيم وهو بدوره مصلحة. ولكن ما هي الأولويات في القيم، وأية قيم هي التي يجب أن نقدم؟

الإجابة تكمن في وجود عدة سياسات للقيم الأولى[18]، بالنظر العقلي (أولوية القيم بذاتها، ثم أولوية القيمة بالنظر إلى شمولها وسعة رقعة تطبيقاتها)، ثم بالنظر الشرعي (أولوية القيمة بالنص)، وأولوية التدرج في النظام الهرمي للقيم.

وتتمثل أولوية القيمة بذاتها في قيمة الأمن وهي أولى القيم التي يجب العمل على إيجادها، أما القيمة من حيث انتشارها وشموليتها فإن التعدد في تطبيقها وممارستها يكشف أولوية تقاس كما، وايضا الأهمية المستكشفة من النص (مثل القتال لدرأ الفتنة، وقتل المسلمين الذين تمترس بهم الكفار) الناظرة إلى تقديم القيمة وتأخيرها حسب المصلحة والأهمية.

هذه ثلاثة معايير لأولوية قيمة على أخرى، أما المصالح فإنها داخلة ضمن هذه الأولويات، فمثلا إذا تم التنازل عن قيمة معينة كالحرية مثلا، وكان الهدف من ذلك لأسباب طارئة كأن تكون الأمة في حالة حرب مثلا فإن المصلحة والحال هذه أكثر أهمية من قيمة الحرية، إلا أن الأهم من ذلك كله علينا أن نفهم بان الضرورة، أيا كانت هذه الضرورة، فإنها تقدر بقدرها، وهذا لا يعني أن نلغي قيمة من القيم والى الأبد، وإنما يجب أن يكون لدينا دائما حالة من التوازن.

ذلك لأن القيم في حالة اتصال وتفاعل مع بعضها البعض في سلم الهرم إلى أن تصل إلى قيمة عليا. فالتنازل عن قيمة لصالح أخرى ينضبط ضمن الهرم القيمي، والاختلال في التوازن يهدم مع الأيام كل بنيان هذا الهرم القيمي.

هذا من الناحية النظرية، أما من ناحية التطبيق العملي فإننا بحاجة إلى دراسات مستفيضة لمعرفة الأولويات. إذ قد يكون بعضها محطا للاختلاف والتباين. ولتأويل هذه النظرية وتطبيقها في الخارج فإننا بحاجة إلى معيارين أولاهما الإفتاء التي مرجعها إلى الفقهاء وذلك فيما يرتبط بالأحكام والثاني رأي الخبراء وذلك فيما يرتبط بالموضوعات حيث ان علينا ان نسأل رأيهم فان إتفقوا وإلا نرجع إلى الشورى، وإلى شورى الأمة وذلك في استفتاء عام.

خلاصة الأمر ينبغي القبول بالمصلحة إن كانت هي بنفسها تمثل قيمة، وإلا أرجعنا الأمر إلى تعارض القيم حسب الأولوية.

سيدنا: أليس المصلحة من القضايا الموضوعية وليست من قضايا الأحكام، فعليه قد يحدث التمايز بين رأي السياسي مثلا وبين رأي الفقيه، وبين رأي عامة الجماهير، هنا يعود السؤال إلى محددات هذه المصلحة بذاتها بين هذه التمايزات، لأن السياسي قد يقول بأن المصلحة في هذه المسألة والفقيه يقول بأن المصلحة في تلك المسألة، وهكذا .. والمصلحة هي موضوعية وليست حكمية؟

سماحة السيد: بالطبع، وهنا يتجلى مكانة الأمة ودورها إذ ان وعي الأمة يختزل نظريات العلماء والفقهاء وعامة الناس. ونحن حينما نؤصل العقل، فلابد ان نؤصل العاقل أيضا بالتبع. لذلك فإن الشارع المقدس في آيات وروايات كثيرة يتناول مفردتي العرف والعقل، والفرق بينهما أن العقل هو رأي كل على حدة، أما العرف فهو رأي المجموع، ولابد ان الإخوة طالعوا نظرية العرف عندنا[19].

سيدنا: فيما يرتبط بعلاقة المصلحة بالقيم وكونها قيمة أو غير ذلك، هذا الأمر، يرجع إلى أساس تشخيص المصلحة، لأن كثيرا من الناس قد يرون ان مصلحتهم مثلا في هذا العمل، لكن هذا العمل من نظرة دينية قد لا يكون في مصلحتهم، لأن النظرة الدينية ليست مقتصرة على الحياة الدنيا وإنما تنظر إلى المصالح التي هي أيضا في سياق الآخرة، فمن الناحية النظرية اذا قلنا ان المصلحة هي من ضمن القيم. فما هو الحل الذي يجب ان يتبع في هذه الحال؟

سماحة السيد: أمامنا أحد أمرين، إما أن نحمل السيف لاخضاع الأمة، أو نحمل القلم لرفع مستوى وعيها حتى تعرف المصلحة الواقعية. ولا ريب ان الأساس هو حمل القلم لأن الإسلام وفي قضية أساسية كقضية عبادة الله، لا يرى الإكراه فكيف يرى في غيرها. ولأن هدفنا تنمية الإنسان واحترام عقله وحقوقه، فالخيار الوحيد أمامنا هو توعية الناس، أما دعوى إدراك مصالح الناس مع عدم قدرة هؤلاء الناس على فهم مصالحهم الأخروية، فهذا شبيه بالحكومات المستبدة التي تدعي فهمها لمصلحة الجماهير، إلا ان الواقع يكون دائما على النقيض من ادعاءتهم.

ومن جهة أخرى ان مقتضى قبول الأمة بالإسلام دينا وما ينشأ عنه من دستور ونظام سياسي، فإن ولادة القرار تتبع هذا الدستور. فالبداية برضا الأمة بالدستور.

سيدنا: على هذا ماذا تقولون في نظرية ولاية الفقيه على الأمة، وما هو الفارق بين نظركم وأوحدية سيادة الأمة، وما موقعه في البناء الدستوري؟

سماحة السيد: ان الله لا يكره الناس على الإيمان كما لا يرضى منهم الشرك، وإنما يترك لهم ان يختاروا طريقهم بمحض إرادتهم، غاية الأمر أنه سبحانه وتعالى أوجب عليهم تشريعيا الإيمان ولم يوجب عليهم تكوينيا. إن ولاية الفقيه واجب شرعي على الأمة الرشيدة من الناحية العقلية والشرعية وأن يكون لهم نظام هرمه الفقيه، إلا ان ولاية الفقيه لا تفرض عليهم فرضا تكوينيا وأساسا ليست هي قوة قاهرة على الأمة. نحن ندعو إلى ولاية الفقيه كقوة منبعثة من ضمير الأمة نفسها تماما كظاهرة التقليد (الرجوع للفقيه في معرفة الأحكام)، هذا هو الفرق بين الأمرين.

فالمرجعية العليا، تمثل الأمة ذاتها. ان على الأمة من الناحية التشريعية (وليست التكوينية أو السلطوية) يجب عليها ان تؤمن بالله وبدينه وتسلم لشرعته. ومن شرعته اتباع الأنبياء والأئمة والعلماء الربانيين وشرعة الدين عندنا بمثابة. وعي الديمقراطية أو ثقافتها عند الأمم المتمدنة اليوم حيت يقولون بضرورة ان تكون الأمة ذات ثقافة ديمقراطية. والأمة الإسلامية حينما اختارت الطريق والمنهج الديني بتفاصيله. فإنها قد اختارت المرجعية كقيادة لنفسها. باعتبار ان كل أمة تتجسد قيمها في قيادتها وفي علاقاتها الاجتماعية، في نظامها الأسري في منهجمها الثقافي وفي كل مناحي حياتها وفي اجتماعها وأسرتها وثقافتها وهو ما يسمى بروح الشعوب. ضمن هذا البناء في الأمة تنشأ ولاية الفقيه، وينشأ الدستور وهو قوام الأمة في نصوص قانونية، وفي كل الأمم ذات الحضارة والنظام السياسي المتين من هنا فإن كل الأمم المتحضرة تضع حدودا لثوابتها وحدودا لمتغيراتها، والثوابت التي هي من شأن الفقيه (هرم السلطة).

وسقف المتغيرات هو اختصاص البرلمان أو الاستفتاء، بعد هذا السقف هنالك الدستور وهو ليس من المتغيرات ما لم يتبدل دين الأمة. وبطبيعة الحال إنفاذ القوانين الزامي ضمن آليات الدستور.

سيدنا: وماذا عن الدول أو الإسلاميين الذين يفرضون السلطة الدينية على الشعوب؟

سماحة السيد: كيف يطبق الإسلام في شعب لا يريده، لابد ان يقنع الإسلاميون هذا الشعب أو ذاك بميزات الإسلام وبشتى الوسائل ثم يتعاونون معه في تطبيقه وهذا هو دور العلماء، وهو دور إرشادي، فإن قبلوا تكونت الدولة منهم. وواضح ان الأمة مسلمة والتحريف قسري تصنعه السلطة السياسية.

سيدنا: هذا مع أن كثيرا من الدول هي في الأصل إسلامية، فهل يلزم ذلك. وهذا يرجعنا للسياق التاريخي، فهل كان الإمام المعصوم علي بن ابيطالب (ع) سيحكم الناس ان وجد له أنصارا مثلا؟

سماحة السيد: ان أمير المؤمنين عليا (ع) ما كان ليحكم الناس بالقوة العسكرية ولو أراد لفعل، أن أمير المؤمنين كان آنذاك حاكما وإنما ذهب الحكم عن يده لأنه لم يجبر الناس. وفي ثورة الإمام الحسين (ع) كان الناس بقلوبهم معه كما يقول الفرزدق، ولكن توانوا عن نصرته (ع) لافتقادهم الشجاعة.

سيدنا: شهدت الأمة متغيرات وتطورات، هذه التغيرات سببت الكثير من المنعطفات في تاريخ ومسار الحركات من انكفاء على الذات وتغير للأساليب أو مشاركة السلطة وما إلى ذلك. هل مكان الإشكالية في المسألة الفكرية والثقافية، وكيف يتسنى لها الحفاظ على توازنها، وما هو المعيار، وبأي ميزان يمكن ان نزن حركة ما بالميوعة أو التطرف و..؟

سماحة السيد: في ميزان الحركات يكثر استخدام هذه المصطلحات، خصوصا اذا كان هنالك اعلاما خارجيا داخلا على الخط. فما هو المعيار وحينئذ والى من المرجعية ومن يحددها؟. هذه مسألة حساسة ويجب ان تعالج بشكل دقيق وبعيدا عن الأحداث الساخنة. وهو ما يشبه هيئة المحلفين، وهم الأفراد الذين يختارون بحيث أنهم لم يشهدوا الجريمة أو لم يتأثروا بالصحف والإعلام.. الخ.

هؤلاء يتم اختيارهم ثم تعرض عليهم الوقائع ليقولوا قولهم فيها، ونحن باعتبارنا قد نكون ممن تأثر ببعض ردود الأفعال والظواهر فإنه قد يصعب علينا البت في هكذا أحكام.

إن الحركة هي تجمع فئة الناس حول فكرة معينة، وقبل ان نسمي هذه الحركة بالإسلامية أو غير إسلامية أو رسالية أو نهضوية.. الخ. ينبغي ان ندرس أدبياتها وخطها الفكري قبل رصد سياستها، إذ الحركة إنما تصير في خلل عندما تخون مبادئها التي رسمتها لنفسها من اول يوم. ثم ان تقييم الحركات وغيرها من المواضيع يتطلب معايير موضوعية تتناسب مع موضوع التقييم. من هنا أستطيع إيجاز مقياسين أساسيين لدراسة الحركات الموسومة بالإسلامية:

الأول: أحكام الشرع.

والثاني: ان تكون مع الناس لتطوير وتنمية الروح الإيمانية في الأمة لتقوم الأمة بواجبها، فإن كانت الأمة لديها نشاط وحيوية فبمقدور الحركة ان تحملها أهدافا كبيرة، أما اذا كانت الأمة ضعيفة في نفسها أو خائرة العزيمة فيفترض على الحركة ان تخفف من وطأة نشاطها على الأمة، فالحركة والأمة كالإنسان مع نفسه ان أقبلت أخذها بالنوافل وإلا أخذها بالفرائض فقط. اذن ليس ثمة معيار واحد، فلدينا داخل الحركة معاييرا للأهداف.

وكما قال أمير المؤمنين (ع): (فأسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا)، وفي هذا السياق نفهم مصالحة الإمام الحسن (ع)، وثورة الإمام الحسين (ع).

سيدنا: لكن ثمة تساؤلا يفرض نفسه لدى التأمل في علاقة الحركات بالأنظمة السياسية. إذ نلاحظ ظاهرة في خطابها التباس المخاطب. أي في خطابها الداخلي وخطاب الأمة وخطاب السلطان. المبررات السياسية كانت تقتضي نوع من الليونة الإعلامية ونوع من الخطاب السياسي المعلن، وانسحب لدى بعضهم حتى في خطابها الداخلي فضلا عن الأمة، فلم تقم بعملية حصانة، بل ربما مارست عملية تأصيل ثقافي للعناوين الثانوية بوصفها أولية وحدثت عملية استبدال.

سماحة السيد: إن الحركات الإسلامية مختلفة وتتعايش مع أنظمة مختلفة ومفاهيم مختلفة، ولا يمكن لنا أن نسوقها كلها بعصا واحدة أو نحكم عليها كافة حكما واحدا. إنما علينا ان ندرس كل حركة ضمن ظروفها، ووفق المتغيرات السياسية والاجتماعية التي تمر بها. إلا ان هنالك مجموعة من القواعد العامة التي يمكن تعميمها بالنسبة إلى كل الحركات ضمن الظروف.

* من القواعد العامة الأساسية ان الحركات الإسلامية تتصل مبدئيا بالتاريخ والتراث وبتأصيل القيم التي كانت الأمة تهتم بها وتصدر منها وتعود إليها. هذا الاتباع تحول في بعض الأحيان الى نوع من النظرة الاستاتيكية الجامدة، بلى للتاريخ عبره ودروسه، ولكن ينبغي ان نتحاشى سيادته وهيمنته على المسيرة. المطلوب العبرة، أي لماذا فعل فلان العمل الكذائي أو اتخذ الموقف المعين؟ ما هو السبب أو الحكمة؟ ما هي الظروف وما هي المقتضيات؟

فيجب ان نفرق دائما بين التراث وبين القيم.. التراث له دروسه وعبره ولكن ليست له القدسية، إنما القيم هي التي تتعالى فوق المتغيرات.

* القاعدة الثانية: ان الحركات الإسلامية باعتبارها تواجه عادة التيارات أو الحكومات العصرية والحداثية، فهي أحيانا تصاب بحالة من التجافي فيما بينها وبين الحداثة والتغيير، حتى ان بعضها اعتبر ان عليه ان يتجنب كل جديد إلا ما ثبت بالدليل صحته. وهذا مما جعل هذه الحركات متخلفة عن العصر. وهذا التخلف أنتج تأثيرا سلبيا. بينما الحداثة والتطور ينبغي ان تكون أداة بيد الحركات الإسلامية. نعم المرفوض من الحداثة التغيير في القيم، وأما التغيير في الأدوات فمطلوب جدا، وبتعبير أخر الحركات الإسلامية قسمت الجديد بين ما هو مرفوض وبين ما مقبول بينما الصحيح ان منها ما هو واجب.

فلا يمكن ان نجري اصالة النهي وان كل محدث بدعة وان شر الأمور محدثاتها ذلك لأننا اذا طبقنا قاعدة البدعة على الأمور الحياتية فإنها البدعة ذاتها.

* أما القاعدة الثالثة: الوعي السياسي والواقعية السياسية تفتقدهما بعض الحركات. فنلاحظ في نظام الحركات الإسلامية (الصراحة والصداقة والعلنية والصرامة والصدامة) مبني على (حسن النية).. لكن هذا البناء في العلاقة بالآخر على (حسن النية) خطأ يتسم بالبساطة، ويورث شللا في امتدادات الحركة. الأعداء يستخدمون وسائل مختلفة للقضاء على الحركات الإسلامية، مما يتطلب توفر القدرة على إبطال مكر العدو. وفي المقابل من الضروري فهم جبهة العداء، لأن الحركات في بعض الأحيان تلجأ إلى جهات متعددة، وللأسف فإن هذه الجهات قد لا تشكل ملجا آمن، مما يحتم على هذه الحركة معرفة العدو من الصديق.

وبالنسبة لسؤالكم المباشر لا يمكن ان يكون الخطاب موحدا إلا اذا كان الخطاب لفئات في صف واحد. نعم مع وصول المواجهة لنهاياتها يكون توحيد الخطاب ممكنا وبشروط، لكن غالبا يكون توحيد الخطاب (ثقافة خارجية وداخلية) بغية تعبئة. اذا كان هناك تحولا في الأساليب والخيارات. حتى يكون الخيار السياسي (الانفتاح على السلطة) مقبولا.

ومن زاوية أخرى ان التعبئة لصالح أولويات المرحلة ضرورة، إلا ان الأولويات متغيرة بحسب الظروف وفق معايير (الأهم والمهم) ووفق الظروف الخارجية، فمن هنا ينبغي إيجاد التوازن ثم تكريس الأولوية الآنية يقلص دائرة المرونة المتاحة والضرورية للحركة بين التعبئة وبين التربية. ان ظاهرة تأصيل المتغير لها تداعيات وجذور. فتداعياتها ابتعاد مسار تلك الفئة عن الجادة، وجذور الظاهرة هو تغليب السياسي على الديني، وعموما هو نموذج لتأثير الواقع السلبي على الحركات.

سيدنا: المشاهد لهذه الحركات يجد أنهم يفتقدون اكتشاف المستقبل. يعتقدون ان المسيرة واحدة لذلك يكون الخلل والنقص في هذه الحركات لمواجهة المتغيرات.

سماحة السيد: قراءة المستقبل ضرورة قصوى، والتي تبنى على دراسة الواقع وفهم التاريخ، ذلك لأن الذي لا يقرأ المستقبل، سوف يرى نفسه واقعا في أخطاء استراتيجية كبرى. وهذه جزأ المشكلة، أي مشكلة نقص الدراسات الاجتماعية والسياسية العميقة التي تجعلهم يستشرفون المستقبل ويقرءون الحوادث قبل وقوعها.

ويمكن ان تكمن المشكلة في ان الإنسان يجب ان يتواصل مع الأهداف والاستراتيجيات العليا أكثر مما يتواصل مع الوسائل أو الاستراتيجيات الخاصة بمنطقة أو بأخرى.

وهنا ألفت لقراءة إيجابية وحركية لـ(النية)، وهي ان تستوضح بواعثك إلى العمل، وبتعبير الفقهاء بالنسبة للنية يقولون، إنها معرفة الداعي أي التساؤل عما الذي دعاك إلى القيام بالعمل، وبعبارة (ان كثرة النظرة في الأهداف تصلح الوسائل).

فممارسة عمل ما يسبقه معرفة الهدف، وإلا أدى إلى كون الوسيلة في حالة تضاد تام مع الهدف.

فالإنسان الذي يقدس الوسيلة، وسيلة العمل السري، والإنسان الذي يقدس وسيلة العمل العلني. هذا الإنسان يصاب بإحباط حينما تتبدل الوسائل أو تتبدل الظروف.. ولا تكون له القدرة على التحول السريع مع الظروف المتطورة. فلنفترض ان يكون لشخص صحيفة والظروف تبدلت وأغلقت الصحيفة كم يستغرق من الوقت حتى يتحول من الصحيفة إلى عمل آخر؟

النظر للأهداف توفر القدرة على مرونة أكبر في الوسائل، والثبات في الأهداف. في مقابل تقديس الوسيلة على حساب الأهداف. وبكلمة المناهج المختلفة والبرامج المختلفة. انما هي وسائل الحركة والهدف واحد لا يختلف.

مثلا قد يكون هدف حركة معينة إقامة القسط والعدل أو تكريس الحرية الديمقراطية إن هذا الهدف يبقى واحدا وثابتا لا يتغير ولكن لتحقيق هذا الهدف لابد ان تتشكل جمعيات وأحزاب مختلفة كل واحد منها يتحرك ضمن منهج معين.. لكنها تتجه إلى هدف واحد مما يربك العدو لأن قصارى ما يفعله ان يوقف مسيرة تجمع أو تجمعين أو يستوعب بعض الوسائل.

أما مع كثرة الوسائل وتنوعها يرتبك الخصم. فالحركة التي تمتلك أهدافا واضحة تستطيع الاستفادة من تنوع قدرات الأمة في تنوع الوسائل..

فنحن في مواجهة التغيرات نلاحظ أنماطا في التعامل معها، نمط الانغلاق على الذات ورفض تبديل الاستراتيجية السابقة، بحجة الاستمرار على ذات الثوابت الموضوعة سلفا. ونمط الانفتاح على الأحداث الجديدة بصورة تنسي الذات والمنطلقات والأهداف. ومخاطر هذا الإفراط ان الحركة سوف تصبح جزء من الواقع عديمة الفاعلية. وعلى ذلك يصبح الحل الأصوب والأقوم للتعامل مع المتغيرات الموضوعية، هو ان نقوم بعملية دراسة متوازنة للذات، من أجل إعادة مراجعة للأهداف والمنطلقات والمبادئ والتطلعات التي على أساسها تشكلت هذه الحركات.

سيدنا: يطرح في هذا الإطار دوما موضوع الواقع وتأثيره على هذه الوسيلة أو تلك. سواء كان الواقع، سيدنا ما هو الميزان الأرجح إسلاميا في الإصغاء إلى موضوع الواقع في اعطاء مجالا له في تحديد نوعية الوسيلة المتخذة.

سماحة السيد: في بعض الأحيان يستخدم الواقع أو الواقعية وما شابه شعارا ضد هذا.. أو ذاك. وليس هذا هو الموضوع. وبالذات من قبل الاعضاء الذين يستسلمون وينهارون ويسمون انهيارهم نظرة واقعية. السؤال هنا ماذا نعني بالواقعية؟ فهل نعني بها انه لا يمكن التغيير، والتسليم للواقع. فهذا تماما ضد مبدأ السعي الإنساني. فأي إنسان حينما يتحرك يتغير الواقع، فالجائع يتحرك حتى يشبع نفسه، وكذلك الفلاح يتحرك حتى يزرع.. العامل يتحرك حتى يعمل، كل هؤلاء يتحركون خلاف الواقع القائم. اما اذا كان معنى الواقعية ضرورة دراسة الواقع لمعرفة الوسيلة الأفضل لتغييره والسيطرة عليه فإن هذا جزء لا يتجزأ من مبدأ الحركات الرسالية الواعية.

لأن الإنسان أمر شرعا بأن يسير في الأرض وينظر فيها ليعتبر. ان الوصايا القرآنية حاسمة وجدية في دراسة الواقع. ربما ليس الواقع الذي نحتاجه فقط وإنما أكثر من ذلك، علينا النظر في الطبيعة. واستطرادا نقول: نلاحظ ان القرآن الكريم يأمرنا بأن نعرف حقيقة الكون حينما ننظر للسماوات أو ننظر إلى الزمان.. يجعلنا قريبين من معرفة الموت والحياة.. والليل والنهار والخلق والموت والأمور العارضة وحتى استنطاق الصخور. واليوم بعد تطور علم الآثار صار بالإمكان ان تعرف من كان هنا وكيف عاش ولكن نحن نستنطق المناطق المهجورة نستنطق القصر المشيد لماذا؟ ومن أجل ماذا؟

من أجل ان نصل إلى سنن الله تعالى في الكون. إلى أسماء الله الحسنى، والى آيات الله الكبرى. وهذه العملية تجعل الإنسان دائما على مشارف الواقع، أي يقرب المسافة من ذاته، استنطاق الذات، التأمل الذاتي، الهيمنة على الذات. لماذا كل هذا؟ لماذا أمرنا بهذا. حتى نعرف الواقع لكي نغيره.

دعنا نعود بعد هذا الاستطراد إلى موضوعة الواقعية. بلى في بعض الموارد أجاز الشارع المقدس الواقعية. فالواقعية ليست على إطلاقها سلبية، حالات الاضطرار، حالات النسيان، الظرف الواقعي يترتب عليه آثار شرعية. غاية الأمر ينبغي تبيان حدود هذه الواقعيات قال الله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ان الله غفور رحيم) [البقرة 173]. نحن نعتقد ان الشريعة المقدسة تنطلق من الواقع، ولا تريد ان تعيش في عالم آخر. في عالم أفلاطوني. الأحكام واقعية ولكن الكلام في حدود هذه الواقعية.

فمن الخطأ اننا في ظرف قاسي وقاهر استسلمنا للواقع ان نجعل هذا الاستسلام شرعية إلى درجة اننا ننسى أهدافنا، ونربي أجيالا على الاستسلام والهزيمة. وهذا يشمل حتى الحالة الثورية أيضا، اذا قمنا بحالة ثورية يجب ان لا نحول الثورية أصل في عرض الأهداف الكبرى التي نحن نريدها. يجب ان تبقى الثورية أو الواقعية حتى الاستسلام نجعله خاضعا لظرفه خاضعا لوضعه وتبقى الشرعية الكبرى للأهداف. هذه النقطة أولى ان نثبتها، ولعل الآية الكريمة (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا ان يشاء الله واذكر ربك اذا نسيت وقل عسى ان يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) [الكهف 23،24] تدل على ذلك.

سيدنا: هل هناك إطلالة لفقه المتغيرات في العملية الإصلاحية، أليس من المناسب في فقه الحركات تأصيل ضوابط المتغيرات؟

سماحة السيد: فقه المتغيرات مبحوث في الفقه بنسبة لا بأس بها، مثل الإكراه والحرج، وفقه الأولويات (الأهم والمهم). نعم أضم صوتي إلى صوتكم بأننا نحتاج إلى مزيد من الدراسة لاكتشاف فقه متغيرات الحركات الإسلامية المناهضة للدول أو المشاركة في السلطات إلى آخره. ولكن كما تعلمون ان النقص ليس فقط في فقه تلك المتغيرات، حتى في فقه الثوابت. بتعبير آخران هناك قواعد ثابتة في عملية الإصلاح، ويجب ان يستنطق القرآن الكريم لمعرفتها.

فلنضرب مثالا. ان التزكية تسبق التعليم، فيجب تأسيس البناء بالتزكية. إذ ينتمي الفرد لحركة ما وهو مثقل بالرواسب الجاهلية المتجذرة في المجتمعات الجاهلية. مما يتطلب تهيئة برنامج لتربيته. ومثال آخر مسألة التعددية في إطار العمل الواحد كما قال سبحانه (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فأحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) [المائدة 48].

استنطاق هذه الآيات ليس فقط في الواقع السياسي للأمة، أيضا في الواقع الحركي والنهضوي للأمة، قوله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) [الحجرات 13].

يعني الإيمان بالتعددية والاعتراف بالبعض والتسابق نحو الخيرات (فاستبقوا الخيرات.. وسارعوا إلى مغفرة) فقه المبادرة، فقه السرعة والعمل، فقه التواضع والنصيحة وغيرها، وهذه الأمور لم تدرس بشكل كاف في بحث الحركات. واستنطاق القرآن الكريم حينما يتحدث عن الأنبياء (ع) عن حركتهم ومعاناتهم وصبرهم، وعن الاستقامة، (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير) [هود 112]. يقول أولا: فاستقم هذه مسألة. كما أمرت هذه مسألة ثانية. ومن معك هذه مسألة ثالثة. ولا تطغوا في الأرض مسألة رابعة. نحن نسأل ما هي علاقة الاستقامة بالطغيان؟ ما هي علاقة الاستقامة بالتوبة؟

في القرآن الكريم عند بيان حركة الأنبياء نجد قضايا دقيقة ينبغي ان تتحول إلى برامج حياتية لكل الحركات، حتى تصبح أكثر رشدا وأقدر على مقاومة التحديات. وهنا استطرد إلى آية قرآنية تتعلق بالمتغيرات.

(ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) [النساء 115].

سبيل المؤمنين، لها تأويلات عدة، التأويل الأول هو ان سبيل المؤمن هو سبيل الولاية يعني سبيل القيادة. وهذا هو الذي يتضح من سياق الآية ولكن له تأويل آخر قريب من هذا أيضا وهو يكمله وليس يباعد عنه. وهو ان مسيرة الأمة تصنع بحكماء الأمة، ولا ينبغي ان يشذ عنه، وهو تعبير عن الشورى.

وجوهر الشورى هو فهم المتغيرات. لأن الشورى لا ارتباط لها بالقواعد العامة للقوانين الثابتة لأن الشورى لا ارتباط لها بثوابت الأنظمة، بل ترتبط بأمورنا العامة (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) [الشورى 38]. وأمورنا هي المتغيرات.

فإذا الشورى[20] مدخل لمعرفة الواقع الخارجي. فالحركات لو استخدمت الشورى واستخدمت بعده الاجماع بمعنى الأكثرية، وهو في رأينا في المتغيرات[21]. ثم اعترفوا بالتعددية، ثم احترام كل جماعة رأي الجماعة الأخرى واطّروا التعددية ضمن أطر معينة. فالقرآن يؤطر (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) [الحجرات 13]. أي ان كل قبيلة لها فكرها.. ميزانها لها علمها لها لباسها.. لها مشخصاتها. فنحن بحاجة إلى ترسيم التعددية. فالتعددية اذا لم ترسم تتحول إلى غوغائية، فوضى مرفوضة. وان يكون هناك تسابق. ففي المسابقة يكتشف الطريق الأقرب، ونتبع وسائل جديدة في العمل. أي الإبداع. قال الله سبحانه: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم) [المائدة 48]. والإبتلاء يستخرج كنوز الإنسان وإظهار طاقاته الكامنة فمن خلال كل هذا نصل إلى تحقيق ما نريد.

سيدنا: الترسيم، هل هو ولاية الفقيه؟؟

سماحة السيد: لا.. الترسيم هو ان كل حزب وكل جماعة يكون لهم شعارهم.. لهم رأسهم، لهم قولهم.. لهم احترامهم. لهم حقهم في التصويت وهكذا.

سيدنا: كيف يمكن الجمع بين الشورى والاجماع وولاية الفقيه؟

سماحة السيد: ولاية الفقيه تمثل الثوابت كما تقوم بالحسم في حالة الخلافات كما تمثل النظام الذي يمنع المشاكل، تمثل الإطار العام الذي يمنع الخلاف ويمنع الفوضى وما أشبه.

أما الشورى فهي استكشاف الواقع. الاستفادة من العقول في تحديد الموضوعات وفي ترسيم القيم المتغيرة. أما الاجماع فيبدو واضحا أي قرار الأكثرية.

سيدنا: اذا تعارض الاجماع مع الولي الفقيه؟

سماحة السيد: لا تعارض، لأن مساراتهم مختلفة، مسار الاجماع بالمتغيرات أما مسار ولاية الفقه ففي الثوابت.

سيدنا: دعنا ننتقل إلى نقطة أخرى في ذات الموضوع (الحركات) بمناسبة تسمية الإعلام للحركات بالمتطرفة. أثمة أخطاء وقعت فيها تبرر هذه التوصيفات؟ وكيف تتجنب التيارات الإسلامية الوقوع في المزيد من الأخطاء؟

سماحة السيد: تنصب هذه التسميات على ممارسات العنف الفوضوي، ونحن هنا لا نتحدث عن المقاومة المشروعة. الجماعات التي تمارس العنف الفوضوي وتكفير المسلمين أساءت للإسلام كثيرا. ربما تسمى هذه الحركات بالإسلامية، ولكنها لم تنطلق من منطلقات إسلامية. أو انطلقت من منطلقات إسلامية، ولكن لم تنطلق من منطلق وعي صحيح لكل مفردات الإسلام. نعني الإنسان، واحترام حقوق الإنسان، احترام النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق. هذا الاحترام جزء لا يتجزأ من رؤية الإسلام.

وربما نلاحظ ردة الفعل على الظلم الاجتماعي أو الهيمنة المذلة للغرب على بلاد المسلمين بكل تداعياتها واستحقاقاتها، خصوصا في موضوع الاحتلال الصهيوني لفلسطين. إلا ان الانسياق في سياق الانفعال غير العقلاني يرتد سلبا على الأمة. كما نلاحظ الرؤية المشوهة والمبتسرة للدين والغرائبية، وخصوصا تسنم القيادة في هذه المجموعات شباب متحمسون يفتقرون للمعرفة الدينية والأسوأ أنهم يستبدون برؤاهم، كما يفتقرون للمعرفة العلمية بالظروف المحيطة.

ان هذه المعالجة الخاطئة هي مسؤولية مشتركة بين من بيده السلطة والقوة لأن علينا الظلم والجهل والاستبداد والفقر، وبين المجاميع المتدينة حيث تنفصل عن الفقهاء والأمة وتكتفي بمعارفها الناقصة، ومسؤولية الأمة حين يضعف التفافها حول الفقهاء المتصدين للقضايا العامة. بلى اننا قد نلقي باللائمة على النظام السياسي المحلي أو الدولي لفساده الذي يصنع الدافع للعنف، أو محاربته للتيارات الدينية العقلانية حيث لا يجد البعض إلا خيار العنف. وهو لوم في محله، إلا أننا نؤكد على مسؤولية الحركات الدينية حيث يجب علينا الانطواء تحت لواء الفقهاء، كما نؤكد ان مسؤولية الأمة كذلك الالتفاف حولهم.

سيدنا: ذكرتم في كثير من محاضراتكم ضرورة التقاء الأنظمة السياسية والحركات في مواجهة المخاطر التي تواجه الأمة وكنتم تركزون كمثال على مسألة المخدرات. هذه مسألة التلاقي هل هي نوع من التطبيع مع الأنظمة السياسية؟

سماحة السيد: بدءا أذكر قصة رمزية تمهد للفكرة:

حدث ان سارقا دخل بيتا يسكنه زوجان ليسرق، والزوج رجل كبير السن أصيب بنوبة قلبية والزوجة أخذت تصيح، والوقت بعد منتصف الليل. السارق تطوع لأخذ المريض للمستشفى، وعرف نفسه للزوجين وكشف عن حقيقته ونقل المريض للمستشفى.

مثل هذا الحدث قد يحدث في الأمة، الحكومة هي المسؤولة أولا، ونحن نعرف ان الحكومة عاجزة عن مقاومة المخدرات مثلا. والمخدرات سم زعاف يهدم الأسر ويهدم الاقتصاد. هذا هو مجال القيادات الحقيقية للأمة، ان تنهض وتبين ان هدفهم ليس السلطة وليس هدفهم هو الوصول إلى مراكز القوى، إنما الهدف هو خدمة الأمة فتقوم بدورها.. وهذا هو ليس من التطبيع بشيء.

لأن التطبيع هو القبول بالحكم الفاسد. الحركات مثلا تؤمن بقانون المرور، والحكومة تدير المرور، فهل تخالف أنظمة المرور بداعي رفض التطبيع.

سيدنا: هذا واضح، ولكن ننتقل إلى مكان آخر، لو كان هناك عدو خارجي يترصد النظام القائم. ما الذي ينبغي؟

سماحة السيد: الأمر منوط بمصلحة الأمة. مصلحة قد تقتضي إسقاط النظام الفساد وكانت الحركة متأكدة من ان العدو الخارجي يستهدف النظام دون الشعب وأرضه وخيراته. هنا لا بأس بالحياد. أما اذا كان الهدف يطال الشعب وثقافته وأرضه. هنا الموضوع مختلف. ويجب ان نلجأ إلى الاجتهاد، الاجتهاد يعني استنباط الحكم الشرعي في المتغير ضمن القواعد العامة والقواعد العامة هنا بالإضافة إلى القواعد الفقهية استكشاف الواقع الخارجي، أي اختيار أيهما. ومثال من التاريخ القريب قصة ثورة العشرين في العراق حيث اصطف العلماء ومن ورائهم الشعب لمقاومة الانجليز وهو دفاع عن دولة ظالمة جدا. ومثله ان نفرض ان معارضة في دولة عربية عندها تحفظ على السلطة وخلاف. ولكن جاءت إسرائيل لتحتل البلد فيجب ان تصطف في هذه الحالة مع الدولة العربية ضد الاحتلال.

سيدنا: قد تكون الحالة متأزمة لأن النظام القائم متسلط وبقسوة، والناس متململة جدا ترجو الخلاص ولو بأي شيء. فلو اصطفت الحركة الإسلامية مع النظام، يمكن في هذه الحالة ان تفقد الحركة شعبيتها وجماهيرها داخل البلد، يمكن ان الناس لا ترى هذه الرؤية ماذا تفعل الحركة في هذه الحالة؟

سماحة السيد: متسائلا: رؤية الحركة تخالف رؤية الناس؟ مما هو متوقع من حركة ما هو ان تؤثر في ثقافة الناس وترفع من مستوى الوعي، بحيث يقتربون من رؤاها.

ويضيف سماحة السيد.. في حالة التزاحم ـ والتزاحم معناه ان لكل جانب من جوانب الصورة ما يبرره ـ يجب البحث عن الأولوية التي تخضع لمنظمة كبيرة من المتغيرات وهناك قد تكون الأولى المحافظة على الجماهير أو تكون الأولوية الإبقاء على النظام بأي ثمن ورد كيد المعتدي، وقد تكون الأولى ان تقول الحركة كلمتها للتاريخ وهل الجماهير تغير رأيها، وتقف مع النظام ضد العدو الخارجي.

سيدنا: لنفرض ان في دولة ما حدث انفتاح نسبي من قبل النظام على الشعب فاعتقد غالبية الشعب ان التغيير هو حقيقي ولكن وجهة نظر الحركات مختلفة، فهل يجب ان تقف الحركات في هذه الحالة جانبا، أم تنساق مع النظام. وثمة محذور، اذا اكتشف الناس لاحقا الخطأ؟؟

سماحة السيد: انه في مثل هذه الحالات المعقدة لابد من ملاحظة عدة متغيرات وان تدخل الساحة من أبواب متفرقة فلا ينبغي للحركات ان تدخل من باب واحد، في نفس الوقت تقول كلمتها وتكون كلمتها مسموعة في الوقت الذي تلتقي فيه مع النظام، ومع الشعب تنساق بشروط معينة، حينما دخل الإمام الحسن المجتبى (ع) في الصلح، دخل بشروط. فما هي فائدة تلك الشروط؟، فائدتها أنها عرت السلطة الأموية وحافظت على الشيعة.

سيدنا: ننتقل إلى موضوع جديد. كيف يمكن ان نخلق حركة النهوض في الامة.

سماحة السيد: ان نظرية التغيير الناجحة هي النظرية الشاملة والمتكاملة والمنسجمة داخليا. وحركة النهوض تتطلب تحديد نقطة البدأ، مما يعني تحديد سلم أولويات. ويبدو لي ان العامل الأساسي في التأثير هو العامل الثقافي.

ومن التأصيل الثقافي نستطيع ان نحدد نوعية الثقافة المراد نشرها في أوساط المجتمع، ورسم رؤية كافية واضحة لمجموعة من الأمور تساهم في اعادة بناء شخصية الأمة حسب الحاجات والظروف ومواجهة الأمراض القائمة. أي معرفة المفردات الثقافية القادرة على اشعال فتيل التغيير في داخل الإنسان بهدف أحداث انقلاب جذري في شخصيته في سبيل صياغة شخصية فاعلة، إيجابية تتخذ من التراث الثقافي زاد السعي والاجتهاد والعمل الدؤوب، وليس العكس، بأن تتكل على ثقافتها في تبرير الجمود والنكوص والتواكل. وهنا أشير إلى ملاحظتين:

1/ ضرورة اخراج المجتمع من شرنقة الثقافات الفاسدة. والتي تتجلى في الثقافة (القشرية والغربية). حيث يتعذر عليها المساهمة يوما ما في بناء الأمة. وفي مواجهة الثقافات الفاسدة ينبغي القيام بإيجاد تيار ثقافي يستوعب التيارات المنحرفة، عبر توظيف نقاطها الإيجابية ومعالجة ثقافية لمكمن الخلل فيها والتحذير منها، وهنا نلفت إلى ضرورة تنقية ثقافتنا من تداخل التراث والنص، وإعادة الرؤية الإيجابية للمفردات الثقافية. إذ كثيرا ما يكون الخلل في التفسير (الرؤية) السلبي، والنماذج كثيرة.

2/ ضرورة إيجاد التفاعل بين المجتمع والثقافة الرسالية. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف هناك عاملان رئيسيان:

العامل الاول: التحدي المعقول وهو العامل الأساسي في الحضارة، حيث ان التحدي الضعيف والتحدي القاهر لا يستحثان على السعي. فالتحدي القاهر يقتضي القنوط ويبعث على اليأس، والتحدي الضعيف لا يحرك الإنسان. ومن ثم ينبغي على الحركات الإسلامية استثمار التحديات في استثارة وإشراك المجتمع في عملية النهوض.

أما العامل الثاني: التواصل الثقافي، وتتم هذه العملية بواسطة المفكرين الذين يخوضون غمار التحدي في ساحة العمل. إذ تتوالد الأفكار البناءة عندهم، وتنتشر في محيطهم، وهذه الرؤية تتمثل في نظرة جديدة إلى الثقافة.

ومن هنا فإن عملية التواصل الثقافي تساهم في إبراز عناصر القوة في الثقافة، وتعيد بناء الثقافة الإيجابية المستوعبة لهموم الإنسان المعاصر. وتجربة الاحتكاك الثقافي بين العالمين الإسلامي والغربي، وما أنبثق عنه من تيارات متنوعة شاهد على ضرورة التفاعل الثقافي لتجاوز الركود الثقافي.

سيدنا: المثقف له موقع حيوي في التبشير الثقافي، ويلاحظ غربة المثقف عن المجتمع، فكيف نعالج هذه الإشكالية، بحيث يسهم المثقف في نهوض الأمة؟

سماحة السيد: الحديث عن المثقف والثقافة هو حديث عن الهداية والضلالة، وهنا تتجلى خطورته. وهنا أكثر من بعد، يجب ان يلاحظ. البعد الأول، ما سبق ان ذكرناه وهو بعد وجهة الإنسان، والإلتصاق بحركة المجتمع. وبعبارة أخرى إن الغربة الثقافية تنشأ حين تتسع الهوة بين المثقف والمجتمع بسبب تقدمه خطوات واسعة بمفرده دون ان يرتقي بالمجتمع، وتحدث هذه الظاهرة كثيرا عند المثقف الأحادي البعد (الهموم الفكرية) دون ان يوجد بينه ومجتمعه صلات عملية، أو حين تكون همومه الفكرية نظرية لا تلامس مشاكل المجتمع. وسبب آخر يكمن في طلب العافية من تبعات المسؤولية، فيكرس جهده الفكري في قضايا ترفية لا تجلب له (صداع) الإصلاح.

البعد الثاني نوع الثقافة، فالثقافة ليست محايدة. الثقافة ذات صبغة، قد تكون تلك الصبغة صبغة الله سبحانه وتعالى (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون) [البقرة 138]، وقد تكون صبغة الشيطان واتباعه ويكون في الخاسرين.

الثقافة حينما تكون ثقافة التبرير أو الغرور، الثقافة التي تعذر الظالم. هذه الثقافات تختلف عن ثقافة تفجير الطاقات، وتحمل المسؤولية. فالرؤية تختلف، وباختلاف الرؤية تختلف النتائج. النار هي النار عابد النار يرى ان النار هي التي خلقته فيعبدها، الإنسان العاقل يرى ان النار طاقة يستفيد منها.

من هنا ليس للثقافة وحاملها قيمة ذاتية، بل قيمة ادائية فبقدر فائدة الثقافة نحترمها، فالعلم النافع هو العلم الصحيح، أما العلم غير النافع هو تماما كالماء الملوث فإنه لا يرفع العطش بل يضر من يشربه.

يقول الإمام علي (ع) كميل بن زياد، (يا كميل هذه القلوب أوعية فخيرها اوعاها.. يا كميل الناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة. وهمج رعاع اتباع كل ناعق، فالإمام علي (ع) استبدل كلمة (المثقف) بناعق. قال الله سبحانه: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون) [البقرة 171].

ومن يتأثر به من الناس ليسوا على (سبيل نجاة).

ويتبين لنا هنا البعد الثالث، أي أهمية غرس المعايير الصحيحة في المجتمع لكي يستطيعوا التمييز بين عالم رباني وبين ناعق حيث يقول الله سبحانه: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) [الزمر 18]، على الناس ان يميزوا بين العالم الرباني المتصدي لقضايا الأمة وبين طالب دين ناعق بما لا يسمع. ان مفردات الاتباع متنوعة بين التقليد (الأخذ بفتاوى فقيه معين)، وبين إمامة صلاة الجماعة، وبين الاستماع له، وهكذا.

هذه ثلاثة أمور، وجهة المثقف، طبيعة الثقافة، دور الناس تجاه المثقف.

المثقف المتدين اذا بلغ درجة من العلم فهو عالم رباني، وإلا لم يبلغ تلك الدرجة فهو يقارب (المتعلم على سبيل النجاة) أو (عدول المؤمنين) لكن بشروطها، ومن واجبات المثقف الأساسية هي ان يفتح الطريق أمام الناس لتحقيق طموحاتهم وآمالهم يبث فيهم ثقافة تتجاوز المشاكل والعقبات وتدعوهم إلى القيام بالمسؤوليات والمهام.

سيدنا: أهمية الثقافة ودور المثقف، تفتح السؤال عن مصدر الخلل. أو بعبارة أكثر تحديد مسؤولية من، أي مهمة بناء المثقف المتدين؟

سماحة السيد: مسؤولية إيجاد المثقف المتدين الرسالي متداخلة، إلا ان معرفة مهام المثقف (الإنذار والتحذير والتبشير والتعليم) يوجه قسطا من المهمة على عاتق الحوزة العلمية.

لأن الحوزات الدينية تمثل مصدر الاشعاع الفكري والديني، وتتصف بشرعية دينية واجتماعية تاريخية. فهي الأقدر على أداء هذه المهمة الحضارية.

بيد ان المشكلة الرئيسية التي حدثت في الحوزة، هو انفصالها عن مسيرة الأمة. حيث انحصرت بسبب التهميش السياسي في العلوم التقليدية أولا، ومنه ابتعدت عن التفاعل مع الواقع. لكن كانت للحوزة دائما اطلالات على الأمة في أزمات عصفت بها وكانت إطلالات مشرقة، وببركتها استمر التدين، وعجزت الاختراقات الثقافية من إلغاء الهوية أو القضاء على الفكر الأصيل. وكانت في بعضها إطلالات سياسية مكنت الأمة من مواجهة تحديات عصيبة، وما الثورة الإسلامية في إيران إلا إحداها.

واليوم الحوزة بأمس الحاجة إلى ان ترتقي إلى مستوى التحدي في الظروف الراهنة. حيث يلزم ان تعيد مناهجها وأنظمتها وأولوياتها بما يتناسب مع التحديات المعاصرة. كما ينبغي ان تعيد بناء اللحمة مع المجتمعات، وان تتصدى لمشاكلها، وان تتكامل مع الحركات النهضوية. وللحركات النهضوية مسؤولية التلاحم بالحوزة العلمية والانضواء تحت إشراف الفقيه، فبتكاملهما يصار للمثقف المتدين، أو رجل الدين المثقف.

انتهى بحمده تعالى

-----------------------------------------------------------------------

(*) نشرت المقابلة في مجلة البصائر التي تصدرها حوزة القائم (عج) في سوريا

[1]- تفسير من هدى القرآن تفسير يقع في ثمانية عشر مجلدا.

[2]- مثل كتاب البعث الإسلامي والمجتمع الإسلامي والمنطق الإسلامي والتمدن الإسلامي والنهج الإسلامي.

[3]- هو الميرزا محمد مهدي الاصفهاني، ت 1365 هـ ق.

[4]- هو آية الله السيد محمد كاظم المدرسي (قده).

[5]- اي الوقوف عند ظاهر النص مع قطع النظر عن الحكمة التي تقف خلفه، ومع قطع النظر عن توضعه ضمن نسق القيم بوصفه قيمة او فرعا عنها، ومثال توضيحي روايات الاحتكار، حيث قد يفهم منها ظاهرها فيقع التعارض بينها.

[6]- لزيادة التوضيح ينبغي مراجعة (التشريع الإسلامي) ج2، الباب الثالث، الفصلان الثالث والرابع. وج1، الباب الثاني، الفصل الثاني.

[7]- قال السيد المدرسي في التشريع ج1 تحت عنوان (خلاصة الأفكار) ص101، ما مفاده: انه ثمة محاولة جادة من بعض الفقهاء للتوفيق بين منهجين متباينين، منهج يقتضي النهي عن القياس، وآخر يستعير أدوات المنطق الأرسطي. ويبدو ان الحلقة المفقودة تتمثل في اختلاط تحديد (العقل). فمن جهة ترشد النصوص لحجيته، ومن جهة أخرى تنهى عن القياس ـ بناء على تحديد المناهج الفلسفية عقلا هو ثقافة (المكون). ومع تسليم التناسب بين المنهج وموضوع البحث المعرفي يكون للدين مناهجه الخاصة، التي ترشد النصوص العقل لها. واشتراط السماع عن المعصوم (ع) لا تلغي حجية العقل، وذلك لعدم وجود موضوع يستقل العقل به لم يرد في الشرع، وخصوصا ان النص يثير العقل في عملية تذكير ليعبر به للحقائق وليس قامعا له.

[8]- ثمة تصنيف آخر دارج هو (علة، حكمة) والحكمة ترادف علة التشريع هنا.

[9]- أشار سماحة السيد للتعارض في التشريع ج2 ص288.

[10]- أشار سماحة السيد لذلك في التشريع ج2 ص54.

[11]- قد تم فعلا كتابة مختصر من الأجزاء الستة (4ـ9) وألحق بالجزء الثالث. كما كتب مختصر لكل الأجزاء وعلى ان يكون ملحقا وإنشاء الله للموسوعة في الجزء الأخير (العاشر) الذي يضم أيضا الفهارس.

[12]- محمد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ).

[13]- الشيخ يوسف الماحوزي البحراني (ت 1121 هـ).

[14]- عرف حملة الحديث المشتغلين بجمعه ورواياته وضبطه، واشتهرت مدرسة قم المعاصرة للغيبة الصغرى بذلك، ومن أعلامها الشيخ الصدوق (قده). وقال الشيخ المفيد في شرح عقائد الصدوق او تصحيح الاعتقاد (فأما أصحاب الحديث من أصحابنا لإنهم رووا ما سمعوا، وحدثوا، ونقلوا عن أسلافهم..) ص 38.

[15]- منشأ تسمية (الإخباريين) لعنايتهم بالحديث اي الخبر المروي، وتركيزهم في الأدلة (علم الأصول) على الأخبار. ويعرف المولى الاستر ابادي (ت 1023هـ) وهو علم المدرسة الإخبارية البارز وعلى يديه انتظمت أفكارها في مقابل المدرسة الأصولية: بأن الإخباري هو الفقيه المستنبط للأحكام الشرعية من الكتاب والسنة فقط. وتجدر الإشارة ان التسمية بالإخباري تشير للمرحلة الثانية وما يليها من المدرسة والتي تبلورت على يد المولى الاستر ابادي. والبعض يرى ان الشيخ يوسف البحراني مؤلف كتاب الحدائق الناظرة يمثل مرحلة ثالثة ومعتدلة، وقد أوضح نظراته في مقدمة الحدائق.

[16]- الأصل بمعنى الدليل والمدرك في مقام الاستنباط للحكم الشرعي، وأطلق على من يعتمد على الأدلة الأربعة، فمضافا للقرآن والسنة دليلي الاجماع والعقل. يلاحظ ان الاجماع المعتبر هو الكاشف عن رأي المعصوم (ع) ومن ثم فهو ملحق بها، وعلى دليل العقل، ليس ثمة حكم أنتجه ولم يرد فيها نص.

[17]- البحث الفقهي لفقيه، ويسمى بالخارج لأنه لا يتقيد بمتن كتاب، بل تنتظم أبحاثه وفق الفهرس المنطقي للأبحاث، ورؤية الفقيه.

[18] التشريع الإسلامي ج3، ص365.

[19]- التشريع الإسلامي ج2، الباب الرابع 2و4. ج3، الباب الثالث، ف3و5.

[20]- تطرق للموضوع في التشريع الإسلامي، ج2 الباب الرابع، الفصل الرابع.

[21]- تطرق سماحة السيد لذلك في التشريع الإسلامي، ج2 ص 138.

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

قال أمير المؤمنين علي (ع):أَيّما أَفضل: العدل، أَو الجود؟ فقال: الْعَدْلُ يَضَعُ الاُْمُورَ مَوَاضِعَهَا، والْجُودُ يُخْرِجُهَا عَنْ جِهَتِهَا، وَالْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌّ، وَالْجُودُ عَارضٌ خَاصٌّ، فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا

مواقف وآراء

12w3e3r4

حوار ورؤى في التغيير والانفتاح

اجرت مجلة الشهيد حواراً مفصلا مع سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي…

Aludaa oudiu

Passaer

Modarresi

Alhudaa

أعلى الصفحة

إبحث