header basmaleh

السيد جعفر العلوي

منذ أن بدأت نشرة رسالة الحسين (عليه السلام) بالصدور، وهي في متابعة متواصلة لآفاق المشروع الشيعي، إسهاماً في تحليل الوقائع، واستشراف المستقبل وتحدياته، لا سيما والتشيع اليوم يمثل أمة ناهضة، وحراكاً سياسياً فكرياً اجتماعياً فاعلاً، والملاحظ أننا في كل مرحلة نطرح فيها أسئلة على المشروع تأتي التجربة بتطورات لاحقة تفرض أسئلة جديدة، وها نحن نتابع في هذا العدد زوايا أخرى من واقع التجربة المتنامية، لتناول هامشاً من القضايا المستجدة عبر هذا الحوار، الذي يحمل عنوان: "مستقبل المشروع الشيعي" .

ضيفنا سماحة السيد جعفر العلوي وهو أستاذ الدراسات العليا والمدير السابق لحوزة القائم (عج) في سوريا ورئيس التحري الحالي لمجلة (البصائر) الصادرة عن الحوزة نتطرق إلى نظرات في المستقبل الثقافي والسياسي الشيعي ، وكان هذا الحوار :

رسالة الحسين: ما هي الآليات التي يمكن من خلالها قراءة المشروع الشيعي بحيث تعكس لنا واقع المشروع وتمكننا من استشراف مستقبله؟

السيد العلوي : من المناسب بدءا التوقف عند مفردة المشروع الشيعي. حيث ربما تثير تساؤلات وقلق نعتقد أنه غير مبرر. فالشيعة مكون أساس في الأمة الإسلامية يتفاعلون مع سائر مكونات الأمة، ويحملون تطلعات الأمة ويعانون من التحديات التي تكتنفها. والمشروع هو تعبير عن إرادة جماعة بشرية والتي هي جزء من الأمة تسعى للخروج من حالة سلبية تكرست بفعل عوامل مختلفة هي حالة الإقصاء والتهميش، مما أوجد حالة من شدة في المعاناة أكثر من المكونات الأخرى، وبالتالي وضع عراقيل أمام الإسهام في بناء الأمة. فالمشروع هو إرادة الخروج من الهامشية إلى رحابة الفاعلية والمشاركة في الحياة العامة لتحقيق التقدم والرفاه وبسط العدالة الاجتماعية والحرية والمشاركة السياسية، وبالتالي مشروع المشاركة والفاعلية لن يكون إلا إسهاما لصالح الأمة، ومن هذا القبيل نلاحظ انتصار تموز 2006 والذي كان محل إجماع الأمة برمتها.

ومن هنا يمكن التأكيد على أمرين:

أولا: إن الظروف الجديدة التي توالت بعد انتصار الثورة الإسلامية، وتطور الوعي السياسي في الأمة عموما، ووفرة التواصل والتعارف نتيجة تطور أدوات الاتصال وما شابه سمح بانتقال الشيعة من الحالة الهامشية إلى آفاق التفكير بل والسعي الجدي في المشاركة.

ثانيا: إن المشروع الشيعي خياره المشاركة والتشارك مع مكونات الأمة لا الإقصاء، ويرتضي الصيغة الحديثة في الدولة حيث يتشارك الجميع، ومن ثم أدواته وفاعليته تلتزم العقلانية وقيم الدين التي هي قيم الخير والعدل والرحمة.

من جهة أخرى يفضل كثير من الباحثين في سبر آفاق سيرورة المشروع بالخوض في المتغيرات السياسية الخارجية وتحولها إلى رياح تارة وعواصف تارة أخرى، سواء معاكسة أو خادمة.

ولا ننكر أهمية هذا إلا إن الأساس هو صناعة التحول الداخلي في المجتمع والذي يقتضي تبدل في ثقافاته وأنماط السلوك العام. فمشاكل الجسد السياسية والاقتصادية هي في الروح وهي علة ثقافية اعتمادا على أن الإنسان كائن حر ينتخب سلوكه من خلال ثقافته بصورة إرادية أو تلقائية.

ومن خلال هذا التحديد يبدو إن التحولات الإيجابية بطيئة نوعا ما في مجتمعاتنا الخليجية بالخصوص. نعم بفعل المؤثرات الخارجية يمكن افتراض التخفيف من ثقل التباطؤ. ويمكن رصد تأثير عاملين في تسريع النمو الداخلي هما نمو حالة من التقارب بين مكونات مجتمعاتنا وتفاعلها في قضايا مشتركة، كنتيجة للثقة المتزايدة والحضور. وعودة الاستقرار للمنطقة السياسي والأمني.

رسالة الحسين: تتربص بالمشروع الشيعي حزمة من التحديات نذكر على سبيل المثال منها تيار التطرف المعادي الذي يضع التشيع على قائمة الخطر الأساسي ويمارس القتل على الهوية، والمحيط الذي يطل على التشيع عبر هواجس وقطيعة. فكيف ترون المستقبل وسط هذه التحديات ؟

السيد العلوي : ينبغي الالتفات إلى سنة الابتلاء وإدالة الأيام التي قضاها الله على العباد، ومن ثم التحديات ليست سدودا منيعة، كما إن اختفاء تحدٍ ما إنما هو ليفسح مكانا لنوع جديد من التحديات. والتحديات هي حوافز للتطور والتكامل للتغلب عليها، وهكذا تنشأ المدنيات البشرية، وهكذا تتقدم أي بتحدي الصعاب وطرد التشاؤمية. إن مبرر التفاؤل له مستنده الواقعي اعتمادا على تنامي الوعي بحيث يكون التطرف إلى أفول.

من جهة أخرى مع أن خطر التطرف وهو ليس محصورا في الديني فيشمل القبلي والعلماني، هو حاضر بضراوة إلا أنه واحد من جملة كما أشرتم، فثمة تحديات عديدة مثل عقبة البنية الثقافية الجامدة والإشكالية السياسية، إذ الشيعة جزء من هذه الأمة التي تكتنفها تحديات متعددة ومتداخلة. بل إن خطر التطرف هو وليد تفاعل الإشكال الثقافي والسياسي.

فالبنية الثقافية هي أساس التخلف والذي تمتد مفاعيله في سائر أنحاء الحياة، ويمكن اختزال المرض الثقافي في عناوين مثل "التبرير والنفاق، العقلية العاطفية الانفعالية، وربما سبيل التجاوز هو ضخ الأفكار الحية ضمن موج من التحديات يعايشها المجتمع مع الانفتاح على العصر وتياراته ليشكل أحد التحديات وليشكل أحد الكواشف عن نواقصنا.

والإشكالية السياسية خصوصا المتمثلة في انحياز الدولة لبعض المكونات على حساب أخرى وابتعادها عن الحياد والوقوف في مسافة واحدة؛ هي مصدر للتوتر، وهي إحدى معوقات المشاركة.

وللأسف الشديد إن التوتر بين مكونات الأمة والذي يكتسي الثوب الديني خرج من أيدي المثقفين بل ومن رجال الدين إلى الساسة، والأسف لأن الديني أصبح أداة توظيف سياسي.

وهنا ينبغي لكل من الشيعة والسنة التوقف مليا عند إسهام القوى الغربية في خلق بؤر التوتر العرقي والطائفي لإبقائها أوراقا قابلة للاستثمار في دهاليز السياسة وفقا لمصالحها.

وعموما في المجتمعات الخليجية يوجد هذا القلق فهو خطر يهدد البنية الاجتماعية والتي اعتادت العيش بسلام. والمخرج هو بإدخال جملة من الإصلاحات في المشاركة السياسية، وفي مناهج التعليم، فمن طبيعة الحياة المدنية التخفيف من التعصب، وخصوصا إذا وجدت أجواء الحوار والتنافس السلمي.

لكن لا ينبغي تحول القلق إلى هاجس إلا بمقدار ما يفتح العين على خطر التطرف، فالمراهنة على نمو الوعي وحرص البشر على تسيير مصالحهم ومعاشهم كبير وهو مرتبط بالاستقرار. وأيضا بمقدار نمو التطرف فالمجتمع تزايد فيه الوعي، وأصبح إدراكه لخطورة التطرف أكثر.

رسالة الحسين: سجل التشيع وأتباعه نموذجاً متقدماً كحركات معارضة وكمشروع مقاومة، بينما لا زال يعاني من تعثر على مستوى إدارة الدولة مقارنة بالدولة الحديثة. هل تكمن الأزمة في قصور التنظير الفقهي لمشروع الدولة أم هو غياب رجال دولة أكفاء أم هو سياق طبيعي في أطار تراكم التجربة؟

السيد العلوي : ربما يكون هنا مبالغة في التشاؤم أو القسوة، فالكلام عن الشيعة في مختلف مناطقهم لا يستقيم مع هذا الحكم، فتجربة الدولة في إيران بالرغم من أنها ليست الطموح لكنها متقدمة جدا بمراحل في تجارب الأمة وكأنما هي تنتمي لسياق آخر. وتجربة الحزب والمقاومة في لبنان فريدة بشكل تعتبر انجازات المقاومة فخر الأمة في العصر الحديث، وفي الخليج فإن التموج الثقافي والحراك الاجتماعي وتقدم الوعي -المصنف في الأدبيات بالصحوة- هو من الإنجازات الكبيرة. أما العراق الذي يتجلى التعثر كما يشير السؤال فإن المغالطة أن تحتسب التجربة على الشيعة والتشيع، فالحاكم الفعلي هو الاحتلال وهو الذي يمسك بمفاصل الأمور، والدولة في جوهرها وشكلها ليست دينية، نعم قسما كبيرا من المتدينين وبعضهم محسوب على الحركة الإسلامية وهذا يجعل مساحة من عوامل التعثر خارج اليد من الناحية الواقعية.

نعم لا ينبغي الغض عن أوجه القصور أو التقصير، ويمكن القول أن الثلاثة المفروضة تتآزر، إلا إن المشكلة أعم فهي مرتبطة بالمجتمع بكافة شرائحه.. فنحن نلاحظ وجود تنظير فقهي، ونلاحظ وجود رجالات، نعم ليس ذلك في الاثنين بالوفرة الوافرة، أما التراكم فالبطء فيه والتسارع هو محصلة استيعاب المجتمع لتجاربه وتجارب الآخرين، والمحصلة إن التحليل بتحديد أماكن القصور لا بأس به، لكن ثمة حلقة مفقودة في البين.

ومن باب الافتراض سأزعم بأن الأخلاقيات الحضارية التي تتيح التعاون والشورى والعلمية والمؤسسية هي المفقودة، وبالتالي تكون النتيجة نحن نفتقد لإطار يجمع وينظم الاختلاف، ويبلور الرؤى الجمعية، ويحدد الأولويات، وبالتالي تتوجه الجهود والإمكانات في البناء والمعالجات بصورة فعالة.

ويصح القول إن الوعي المكتسب في السنوات المتعارف عليها بالصحوة بقي معارف نظرية لم يتحول إلى سلوك، أو أن مكامن التخريب الثقافي وعوامل الإحباط كانت قوية أكثر مما نتوقع.

ورجوعا إلى الثلاثية المفترضة، فإن المؤسسة الدينية، والرجالات الذين يشكلون النخبة كانوا مسهمين في هذا الإحباط عبر تباطؤهم في المزيد من الخطوات إلى الأمام. وخصوصا إن الموج الثقافي في سنوات الصحوة كان روحا أكثر منه برامج وأكثر منه أطر، فتحول الروح إلى برامج وأطر فاعلة هو رهن مبادرات النخبة.

رسالة الحسين: تخلل التاريخ الشيعي مشاريع إصلاح تستهدف النهضة، لا زالت لم تصل إلى تحقيق الأمل المنشود، ومع الرحيل الملحوظ للزعامات على مستوى الفكر والقيادة ما هو مستقبل المشروع الإصلاحي؟

السيد العلوي : التشاؤمية لا معنى لها، والمستقبل في رحم الغيب، وسنة الحياة هو إدالة الأيام، وذهاب رجال ومجيء رجال، وهكذا هي الحياة، ففي الواقع ليست المشكلة نقص الرجالات، فلكل زمان رجاله.

وإذا افترضنا جدلا إشكالية غياب الرجالات، ألن يستدعي هذا التسارع تعويضا لفقد الرجال الكبار بالتسارع في التكتل ولو في محليات ابتداءً. وبعبارة أكثر تحديدا فإن الاستعداد للمستقبل هو بالتحول إلى المؤسسة الاجتماعية، فالحالة المؤسسية هي التعويض، بل هي النقص الحاصل الآن.

من جهة أخرى؛ الكلام في الرجال التي لها حضور متميز يثير تساؤلات تتعلق عن التباطؤ في صناعة الرجال، بل عن أنه بالرغم من وجود الرجال فلماذا نحن بعد في عنق الزجاجة؟.

بالنسبة للجزء الأول؛ فإن هناك أكثر من رأي، فثمة تحليل يقول نحن لا نشكو من القلة في الرجال، لكن نتعرف عليهم بعد أن ينتقلوا إلى رحمة الله، أي مجتمعاتنا لا تتعرف على رجالاتها الا بعد فوات الأوان. وربما مرد هذه الحالة السلبية هو انفصام الشخصية، فنحن نعشق القيم ونتحاور بشأنها كثيرا ونتخاصم، لكن في الحياة العملية تشوب المواقف حالة من العاطفية تصيب الوعي بالشلل ونعود لا نطمئن إلا بالمقاييس التي ورثناها من الجيل السابق. وعلى هذا إزالة الحجب والتحرر من العقد والثقة بالذات يجعلنا لا نترك الوعي لصالح المألوف أو الموروث، وحينها سنجد إن مجتمعنا لا يخلو من الرجال.

وفي الجزء الثاني، فيمكن استعارة التحليل القائل أن المشكلة ليست في فقد الرجال وما شاكل، ولكن العقدة في مكانين، الأول هو افتقاد الحلقات الوسيطة التي تشكل روابط بين الهرم والمجتمع. وبعبارة إن المجتمع يفتقد إلى الأطر والمؤسسات الأهلية المحلية التي تجعله متكتلا متعاونا، وهذه المؤسسات تتعاون وتشكل حلقات تواصل وفاعلية في المجتمع. وبعبارة إنه من الخطأ توجيه اللائمة إلى الرجالات واعتماد منطق (إذهب أنت وربك)، إذ أن التحولات الاجتماعية تحدث في الناس وبالناس ووظيفة النخبة خلق المبادرات والترشيد..

رسالة الحسين: كان المشروع الشيعي ـ على أقلّ التقادير ـ جزءً مهمّاً من المشروع الإسلامي الحضاري ـ إن لم نقل أنّه المشروع الأبرز ـ ، كيف تقرؤون علاقة المشروع الشيعي اليوم بالمشروع الإسلامي الحضاري، خصوصاً عند ملاحظة حجم التحوّلات التي نعيشها اليوم بشكل عام وفي المشروع الشيعي بشكل خاص؟

السيد العلوي : المشروع الشيعي هو مشروع جماعة من مكونات الأمة، ففاعليتها جزء من فاعلية الأمة وهو تعبير عن مشاركتها في بناء الأمة. وهذه الأمة ضمن مكونها الثقافي الواحد وتشابك مصالحها وتاريخها فالمد والجزر في فاعليتها تشمل مجمل مكوناتها، نعم قد يكون بنسب متفاوتة تبعا لعوامل مختلفة، وفي خصوص المشروع الشيعي يمكن التوقف عند السدود وعند الآفاق.

وفي السدود ومعوقات الفاعلية نلحظ بصورة بارزة السدود السياسية التي تمايز بين مكونات المجتمع فتحجب عنهم إمكانية الفاعلية والمشاركة، كما إن سدود المذهبية والتطرف والذي ابتدئ مطلع الثمانينات، نعم مفاعيله أخذت بالظهور عبر التراكم. ولسنا متشائمين للإيمان -كما تبرهن الوقائع- بالمقدرة على تجاوز الشيعة مشكلة رد الفعل على التطرف والمحافظة على المناقبية الأخلاقية السياسية والسلوكية، بل إن التقدم في الإنجازات هو أحد معاول تحطيم السدود بدلالة تموز 2006.

وفي الآفاق يمكن الإشارة إلى رسالة التشيع كما نعتقد بأنه رسالة العدالة والرحمة، حيث حوى التشيع على امتيازات فريدة تشكل رافدا للأمة؛ فالتشيع يحوي ثروة روحية من تراث أهل البيت (عليهم السلام) متناغمة مع العقلانية وروح المشاركة والمسئولية فلم يقع في خطيئة العزلة والتصوف ولا جفاف الصحراء وغلظتها. والتشيع يمتلك ثروة معرفية كلامية وأخلاقية وقانونية جعلته فريدا بين المدارس الإسلامية وتؤهله لمواجهة إشكاليات الحياة الحديثة باقتدار. خصوصا مع اصطباغ المدرسة الشيعية بالعقلانية واستمرار الاجتهاد مما أثرى التجربة الشيعية. والمقارنة في مفردتي الجهاد والمعالجات القانونية أو الكلامية للمسائل المستجدة يكشف عن هذا الثراء وهذا الامتياز. وهو بالتالي ثراء لصالح الأمة، ينبغي أن يحرص الشيعة على تفعيله.

ولا يخفى إن الريادة هي فعل وجهد وإبداع بحاجة إلى روح وثابة ومتطلعة، والروح حتى تكون فاعلة بحاجة لقنوات تركزها في إنجازات، فما حدث في ثمانينات القرن الماضي كان أشبه بالروح المتوقدة لكن تفتقد لعوامل الديمومة أي الحالة المؤسسية والعلمية. فالآن نحن بحاجة إلى الاستفادة من تلك التجربة والتحول إلى العقلانية التي توفر شروط النجاح.

رسالة الحسين: يتمثل الحضور الشيعي على خريطة الواقع على صورة مدارس، لكل مدرسة معالمها ورموزها وفكرها، فهل يمكن أن تتحول هذه المدارس مع الزمن إلى مذاهب كما حدث في واقع العامة؟

السيد العلوي : من الناحية النظرية؛ الإمكانية واردة لكن ذلك بملاحظة الواقع بعيد ومستبعد. فمن خلال دراسة الواقع، ومن خلال فهم طريقة نشئة المذاهب يمكن احتمال ذلك ولو احتمالا نظريا.

فمن جهة طبيعة نشئة المذاهب في هذه الأمة سنلاحظ إن تفاعل النص وفهمه مع إشكاليات الاجتماع السياسي والثقافي أوجد بذور الأفكار الجديدة وتواتر نموها إلى أن ترتسم كمذهب. ويمكن مراجعة إشكالية "مرتكب الكبيرة" كيف تفاعلت في الوسط الإسلامي واختلف النظر فيها، فالخوارج حكموا بالكفر تبريرا للخروج على السلطان الفاسق، والمرجئة اعتبروا الإيمان اعتقاد في القلب لا يضره معصية لذا قالوا بأن السلطان الفاسق أمره مرجئ إلى الله فلم يجيزوا الخروج، واتخذ المعتزلة موقفا وسطا وهو ما يوصف بالمنزلة بين المنزلتين، ونتيجته أن لا يخرجوا ولا يضفوا الشرعية. وبحسب بعض المؤرخين من هنا انطلق الاعتزال. والحال نفسه في المذاهب الفقهية فإشكالية معالجة المستجدات مع محدودية النصوص جعلت ابو حنيفة يبتكر القياس وبدأ المذهب الحنفي كمدرسة في الاستنباط.

ومن جهة الواقع؛ فيمكن ملاحظة ثلاثة مسارات، الأول مسار الاستنباط ضمن المعالم الأساسية للفقه الموجود حاليا، فلربما يتبلور اختلاف المدارس الاستنباطية وتتحدد المعالم أكثر ونجد أنفسنا بين مدرستين إحداهما نعتمد ما يصفه البعض بالنصوصية لا من حيث المعالجة لتوثيق الروايات وإنما طريقة الفهم وحدوده والكلام داخل المدرسة الأصولية، ومدرسة مع إيمانها بالنص ترى انقسامه لمحكم ومتشابه ويتحول الانقسام إلى ما يعرف الآن بمقاصد الشريعة وقيمها.

لكن هذا الاختلاف يبقى داخل المجتمع العلمي الحوزوي، ويخفف من حدته إن التداخل كبير والامتزاج يجعل الفصل من الصعوبة بمكان، فهو يبقى مدرسة استنباطية وداخل المجتمع العلمي.

والمسار الثاني التفاعل السياسي بشأن الإصلاح والحكم وهكذا، وهذا يبقى ظاهرا في تيارات اجتماعية، وتطوره يجعله أشبه بالأحزاب ذات المضمون الفكري.

المسار الثالث، وهو مسار خارج النسق بمعنى أنه ليس خاصية شيعية وإنما متجاوزة للتشيع وللتسنن؛ ويتعلق بالموج الجديد في دراسة الدين ومن خارج الأطر المعهودة.

والتقدير الشخصي أن هذا الأقرب لكن ليس في المستقبل المنظور في التحول إلى مدرسة مستقلة تتبلور معالمها تدريجيا، وذلك لأسباب متنوعة، منها شمولية أبعادها الكلامية والاستنباطية والسياسية، وتمايزها عن مجمل المدرسة الشيعية والسنية على حد سواء في بعض المعالم، وتوافق التيارات الضمني على بعض القضايا الذي يسمح بالتشكل المتقارب مثل النسبية المعرفية، والليبرالية الديمقراطية في الحكم. مضافا لحيويتها المستمدة من كونها وليد جديد، وتناغمها مع روح المدنية المعاصر وأحيانا والقوى السياسية الغربية. لكن هذا التحول غير متوقع له الانتشار وإنما يبقى نخبويا، ويتطلب مخاضا فكريا تتقارب فيه التيارات الليبرالية النسبوية، وتتحرر فيه من أثقال تاريخ كل فئة منها، وهنا تكمن صعوبة التحول إلى مدرسة تجتمع فيه الأطياف المتباينة كثيرا الآن.

رسالة الحسين: رغم التقدم في المشروع الشيعي وأمام التحديات الماثلة نرى غياباً لمراكز الدراسات الإستراتيجية والمستقبلية، فما تفسيركم لهذه المفارقة؟ وعلى من تقع المسئولية في ذلك؟

السيد العلوي : ثمة مفارقة نعاني منها؛ وهي أن النخبة تمتلك وعيا متقدما ومتميزا، لكنها تفتقد أدوات الفاعلية والفعل في الخارج.

وهذا النقص يصيب النخبة بالشلل. فالنخبة تدرك أهمية المراكز العلمية، لكن تحول القناعة إلى واقع يتطلب تغييرا في البيئة الاجتماعية لتشق القناعات طريقها في الخارج. وطبعا فقدان المثقف للفاعلية يتحمل هو قسما من التبعات، فغربة المثقف عن المجتمع يجعل اهتماماته المعرفية منفصلة عن الواقع، ولا يشكل الواقع حينها بما يحوي من سلبيات حافز للاشتغال المعرفي بصورة علمية مركزة..

وإذا أردنا الحديث بصورة محسوسة لنلاحظ المجلات الفكرية، فهي متكاثرة، وذلك لسهولة صدورها نسبيا بالقياس للمراكز، فمجموعة صغيرة تتوافق على رؤية وتوفر بعض الإمكانات وتشق المجلة طريقها. الفارق لا ينحصر في المال الذي هو أحد العوائق، بل في انتظام مجموعة على عمل يتطلب اقتطاع مساحة من الوقت، والاستمرار هو بحاجة إلى ثقافة جديدة تتعلق بالمثقفين، وبالمجتمع، فمن جهة المجتمع أن يكون دوره إسنادي بصورة منتجة، ونحن مجتمعات كما يعبر البعض تحترم الحجر لا البشر، أي تحبذ بناء المساجد وبصورة أكثر من حاجة البلد الكذائي مثلا ولا تنفق إلا قليلا على تنمية الإنسان. ومن جهة المثقف يتطلب شيء من التواضع ليتواصل مع غيره، وروح الانضباط والالتزام، والصبر والتفاعل مع مجتمعه.

الطريقة السهلة هو رعاية جهات حكومية أو شبه حكومية ذلك ونحن لا تتوافر لنا هذه الإمكانية أقلا في الخليج، وهذا ليس سيئا إذ يفترض بنا أن نمتلك القدرة الذاتية على التسيير الذاتي لجملة من شئوننا والتي تصنف في دائرة المجتمع الأهلي، وعموما تكاثر المجلات الفكرية يجعلنا على مسافة قريبة من المراكز العلمية.

------------------

- المصدر : نشرة (رسالة الحسين) محرم 1430 هـ - وهي نشرة تصدر عن منتدى القرآن الكريم في الكويت خلال شهر محرم الحرام

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

أعلى الصفحة

إبحث