header basmaleh

معوقات التغيير الإجتماعي

منذ قديم الزمن كان من بين البشر من يعتقد أنّ الثبات وعدم التغيّر هو الصورة الفعلية للوجود والمجتمع، ومن بينهم أيضاً من اقتنع أنّ التغيّر والتحول هو الصورة الفعلية الكامنة في الفرد والجماعة والمجتمع.

ومن الواقفين على الطرف الأول الفيلسوف اليوناني بارمنيدس الذي ذهب إلى أنّ «الوجود هو الحقيقة الأزلية، وأنّ الحقيقة كائن ثابت غير متغيّر، أما التغيّر فهو عبارة عن وهم من الأوهام»[1].

ومن الواقفين على الطرف المقابل الفيلسوف اليوناني هيرقليطس صاحب المقولة الشهيرة: «إنّ من المستحيل على الشخص أن يلج النهر مرتين»[2]، فأنت لستَ أنت، والنهر ليس النهر!!. إشارة إلى التغيّر الكامن في البشر والوجود.

ويرى علم الاجتماع المعاصر أنّ التغيّر سمة فعلية في المجتمعات ترتقي إلى حدّ كونها ظاهرة شائعة لا تقبل الشك والريب، وغدا موضوع التغيّر الاجتماعي أحد أهم الموضوعات في علم الاجتماع الذي راح يصبّ كثيراً من دراساته لتأمل هذه الظاهرة ودراستها[3].

وتواشجت علوم كثيرة -كعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ- لتثبت أنّ التغيّر ظاهرة اجتماعية (Social phenomenon)، جلية.. راسخة رسوخ قدم الإنسان في أرض التاريخ وعمق الزمن، فقد مرت البشرية بمراحل ارتقت فيها من النطق إلى اكتشاف النار، فاستئناس الحيوان، فالزراعة، ثم التنظيم الاجتماعي، فالأخلاق، فالآلات، فالصناعة، فالعلوم، فالتربية، فالكتابة. وانتقلت من المجتمع البدائي إلى المجتمع المتحضر والمتمدن. والتقطت عدسة الشمس مجتمعات كثيرة مرت على المعمورة، من لدن المجتمع الصغير الذي مثله آدم وذريته الأولى، مروراً بمجتمع نوح وإبراهيم ولوط وهود وصالح وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وختاماً بالبشرية المعاصرة، وانتصبت في وجه قامة الزمن مجتمعات كثيرة وحضارات عتيدة كالمجتمع البابلي والصيني والهندي والفارسي والفرعوني واليوناني والروماني وغيرهم، ونمت مجتمعات كثيرة على بعضها نمواً رأسيًّا..

وهكذا.. فالمجتمع متغيّر بطبيعته.

والقرآن الكريم يؤمن بأنّ الاختلاف سمة أصيلة في المجتمع البشري: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾[4].

وتتفرّع من سمة الاختلاف سمة التدافع والصراع والتنافس بين الأشخاص والمجتمعات والثقافات والقيم المختلفة، والصدام بين بعضها والبعض الآخر، وفناء مجتمعات على يد أخرى تحلّ محلها: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾[5]، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾[6].

وهذا التدافع يُنشئ سمة أخرى هي سمة التغيّر، فالمجتمعات تتغيّر، والأيام تُتداول، والحكم ينتقل، فيوماً حكمت الإمبراطورية الفارسية، ويوماً آخر الحضارة الإسلامية (الخلافة، الأمويون، العباسيون، الدول المتتابعة، ومنها الخلافة العثمانية)، وفي يوم ظهر اليونان، وآخر الرومان، وثالث الحكم الكنسي، ورابع بريطانيا العظمى التي كانت لا تغيب عنها الشمس، ثم خذلتها الشمس وأسلمتها للمغيب!!، وخامس الاتحاد السوفيتي الذي مزقته عواصف التغيير كما تمزّق الرياح سحابة صيف هشة، واليوم تتربع على عرش القوة والجبروت الولايات المتحدة الأمريكية: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى﴾[7]، ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾[8].

التغيّر الاجتماعي: وقفة مفهومية

قبل أن نلج إلى ردهة البحث نريد أن نقف وقفة إجمالية عند مصطلح (التغيّر)؛ لنتعرّف على مدلوله اللغوي والاصطلاحي.

1- المدلول اللغوي:

ترد مادة (التغيّر) في المعاجم العربية بمعنى التحول والتبدل، والانتقال من حالة إلى حالة أخرى.

يقول ابن منظور [630 - 711هـ]، [1232 - 1311م]: «تغيّرَ الشيء عن حاله: تحوّل. وغيّره: حوله وبدّله، كأنّه جعله غير ما كان، وفي التنزيل العزيز: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[9]، قال ثعلب: معناه حتى يبدلوا ما أمرهم الله، ....، وغِيَر الدهر: أحواله المتغيّرة»[10].

ويقول الفيروزأبادي [729 - 817هـ]، [1329 - 1415م]: «تغيّر عن حاله: تحوّل. وغيّره: جعله غير ما كان، وحوّله وبدّله»[11].

فالتغيّر «يشير إلى الاختلاف الكمي أو الكيفي ما بين الحالة الجديدة والحالة القديمة، أو اختلاف الشيء عما كان عليه، في خلال فترة محددة من الزمن»[12].

أما (الاجتماعي) فهي نسبة إلى (الاجتماع)، أي الشيء المنتسب إلى المجتمع.

ومن ثمّ فـ(التغيّر الاجتماعي) هو التحول والتبدل المتصل بالمجتمع أو الحاصل فيه.

2- المدلول الاصطلاحي:

من الناحية الاصطلاحية هناك الكثير من التعريفات المقدمة على بساط البحث لمدلول (التغيّر الاجتماعي) (Social change)، نقتنص منها:

أ - هو «التغيّر الذي يحدث داخل المجتمع أو التحول الذي يطرأ على أيّ من جوانب المجتمع خلال فترة زمنية محددة»[13].

ب- هو «كلّ تحول يقع في التنظيم الاجتماعي، سواء في بنائه أو في وظائفه خلال فترة زمنية معيّنة، والتغيّر الاجتماعي على هذا النحو ينصبّ على كلّ تغيير يقع في التركيب السكاني للمجتمع، أو في بنائه الطبقي، أو نظمه الاجتماعية، أو في أنماط العلاقات الاجتماعية، أو في القيم والمعايير التي تؤثر في سلوك الأفراد والتي تحدد مكاناتهم وأدوارهم في مختلف التنظيمات الاجتماعية التي ينتمون إليها»[14].

ج- هو «كلّ تحول يطرأ على البناء الاجتماعي خلال فترة من الزمن، فيحدُث تغيّر في الوظائف والأدوار والقيم والأعراف وأنماط العلاقات السائدة في المجتمع»[15].

د - هو «كلّ ما يطرأ على المجتمع في سياق الزمن على الأدوار والمؤسسات والأنظمة التي تحتوي على البناء الاجتماعي من حيث النشأة والنمو والاندثار»[16].

هـ- «هو الانتقال من نظام اجتماعي إلى آخر»[17].

التغيّر الاجتماعي والمصطلحات الأخرى

من التعميمات السابقة الواردة في تعريف (التغيّر الاجتماعي) نصل إلى أنّه كلّ تحول في البناء الاجتماعي يحصل في فترة من الزمن، سواء أكان تحولاً كليًّا أم جزئيًّا، إيجابيًّا أم سلبيًّا، مقصوداً أم تلقائيًّا، مخططاً أم عشوائيًّا، سريعاً فجائيًّا أم بطيئاً تدريجيًّا، زيادة أم نقصاناً، ارتقاء أم انحداراً، علوًّا أم هبوطاً، تقدماً أم تأخراً..

وبعبارة مختصرة هو أيّ نحو من التحول يحصل في بناء المجتمع.

وهذا يعني أنّ (التغيّر الاجتماعي) مصطلح لا يمدّ الظلال ذاتها التي تمدها مصطلحات أخرى مثل: التقدم، التطور، التحديث، التحضر، النمو، التنمية، الثورة، الإصلاح، التخلف، التراجع، التردي.

1- التقدم الاجتماعي (Social Progress):

التقدم الاجتماعي هو تغيّر المجتمع من حالة إلى حالة أفضل سواء في الجوانب المادية أو المعنوية، ويشير إلى عملية مستمرة بمقتضاها ينتقل المجتمع الإنساني من حالة إلى حالة أفضل، أو يسير في اتجاه مرغوب[18].

«ويُعرّف بأنّه العملية التي تأخذ شكلاً محدداً واتجاهاً واحداً مستقيماً يتضمن توجيهاً واعيًّا مخططاً ومقصوداً لتوجيه عملية التغيّر نحو الأمام؛ بهدف تحقيق بعض الأهداف المرسومة والمنشودة المقبولة، أو الأهداف الموضوعية التي تنشد خيراً أو تنتهي إلى نفع»[19]، كما يشير إلى التحسّن الإيجابي المستمر الصاعد نحو الأمام، وينطوي على مراحل ارتقائية، أي أنّ كلّ مرحلة تالية أفضل من سابقتها من حيث الثقافة والقدرة الإنتاجية والسيطرة على الطبيعة، بينما (التغيّر الاجتماعي) قد يكون إيجابيًّا أو سلبيًّا، أي تقدماً وازدهاراً أو تخلفاً وتأخراً ونكوصاً[20].

2- التطور الاجتماعي (Social Evolution):

التطور يعني النمو والتقدم المتدرّج البطيء من الناحية الكمية أو الكيفية وفقاً لمراحل محددة ومتوقعة (دون طفرات)، ويؤدي إلى تحولات منتظمة ومتلاحقة ومترابطة، فهو «العملية التي بموجبها تحقق المجتمعات الإنسانية نمواً مستمراً مروراً بمراحل متلاحقة مترابطة»[21]، بينما التغيّر الاجتماعي قد يكون تدريجيًّا مرحليًّا بطيئاً هادئاً، وقد يكون ثوريًّا انقلابيًّا فجائيًّا طفريًّا سريعاً شاملاً عنيفاً، وقد يكون تغييراً مخططاً (بطيئاً أو سريعاً) أو تلقائيًّا، بحسب المنهج التغييري الذي يسير عليه ويتملاه.

و«إذا كان مفهوم التغيّر يشير إلى أيّ تحول أو تعديل يطرأ على أساليب الناس في التعامل وعلى المؤسسات الاجتماعية والبناء الاجتماعي، فإنّ مفهوم التطور يقوم على أساس العلاقة بين عامل الزمن وبين نشأة أنواع أو فصائل أكثر تركيباً وأشد تنوعاً أو اختلافاً، إنّ الأكثر تطوراً لابدّ أن يظهر متأخراً عن الأقل تطوراً نتيجة للتغيّرات التي تطرأ عليه»[22].

وهذا يعني أنّ التطور حالة من حالات التغيّر.

3- التحديث (Modernization):

التحديث هو «استبدال الأسلوب التقني التقليدي وما يرتبط به من أنماط تتصل بحياة الأشخاص أو الجماعات أو المجتمعات، وذلك بأسلوب أكثر حداثة ومعاصرة»[23]، بينما التغيّر أعم من ذلك، ويشمل الأخذ بالأسلوب التقني الحديث، أو العكوف على الأسلوب التقني القديم، أو النكوص إلى الأسلوب التقني القديم، فهو مفهوم عام يشمل التحديث والتقليد والتبعية وغير ذلك..[24].

4- التحضر (Urbanization):

يشير مفهوم التحضر «إلى عملية من عمليات التغيّر الاجتماعي، وهي انتقال الريفيين إلى المدن، واكتسابهم تدريجيًّا القيم الحضرية وما يرتبط بها من أنماط السلوك الحضري إلى أن تنتهي هذه العملية إلى ما يُسمّى بـ(التكيّف الاجتماعي)»[25].

ويشير مفهوم (الحضرية) «إلى اكتساب الناس -وخاصة في الريف- لأساليب الحضر دون الانتقال إلى المدن»[26]، أي التحول القيمي والثقافي دون التحول المكاني الجغرافي.

أما التغيّر الاجتماعي فهو يشمل انتقال الريفيين إلى المدن والعكس، واكتساب الناس لأساليب الحضر والعكس، «وهكذا، فالتحضر يصف جزءاً من عملية التغيير الاجتماعي»[27].

5- النمو الاجتماعي (Social Grouth):

يشير مفهوم (النمو) إلى الزيادة في جانب واحد من جوانب الحياة، ويتصف بالثبات المستمر نسبيًّا، ويكون بطيئاً وتدريجيًّا، ويشير إلى الجوانب الكمية، ويتعلق غالباً بالجانب المادي من المجتمع، ويسير في خط مستقيم نحو الأمام (الزيادة)، بحيث يمكن التنبؤ بما سيؤول إليه، وهو إرادي[28].

بينما التغيّر يشمل البناء الاجتماعي والنظام والأدوار والقيم وقواعد الضبط الاجتماعي، وقد يتصف بالثبات النسبي أو العكس، وقد يكون فجائيًّا سريعاً أو تدريجيًّا بطيئاً، ويتعلق بالجوانب الكمية أو الكيفية أو كلتيهما، ويتصل بالجانب المادي أو المعنوي أو كليهما، ويشير إلى الجوانب الكمية أو الكيفية أو كلتيهما، ولا يكون سيره مستقيماً -بالضرورة-، فقد يكون تصاعديًّا إلى الأمام أو نكوصيًّا إلى الخلف، وقد يكون تلقائيًّا عفويًّا أو إراديًّا مخططاً[29].

فالنمو حالة من حالات التغيّر.

6- التنمية الاجتماعية (Development Social):

هي «الجهود المنظمة التي تُبذل وفق تخطيط مرسوم للتنسيق بين الإمكانات البشرية والمادية المتاحة في وسط اجتماعي معيّن؛ بقصد تحقيق مستويات أعلى للدخل القومي والدخول الفردية، ومستويات أعلى للمعيشة والحياة الاجتماعية في نواحيها المختلفة كالتعليم والصحة والأسرة والشباب، ومن ثمّ الوصول إلى تحقيق أعلى مستوى ممكن من الرفاهية الاجتماعية»[30]، أي «هي نوع من التغيّر المقصود أو المخطط له؛ بغرض الانتقال من حال غير مرغوبة إلى حال أفضل، فهي السير في اتجاه موجب ومرغوب، إذاً.. هي نوع من التغيير الناتج عن التحكم في عوامل التغيّر واتجاهاته، بينما التغيّر يعني الحال المتغيّرة التي تحدث بفعل عمليات مخططة، وفي اتجاه مرغوب وموجب أو العكس»[31].

وبذلك فالتنمية نوع من أنواع التغيّر يختصّ بالتغيّر المنظم المقصود والمخطط له، دون التغيّر العشوائي العبثي أو العفوي التلقائي..

7- الثورة الاجتماعية (Social Revolution):

الثورة هي: «التغيير المفاجئ السريع بعيد الأثر في الكيان الاجتماعي لتحطيم استمرار الأحوال القائمة في المجتمع، وذلك بإعادة تنظيم وبناء النظام الاجتماعي جذريًّا»[32].

أما التغيّر الاجتماعي فقد يأخذ بالمنهج المفاجئ أو التدريجي، وقد يكون جذريًّا أو ترميميًّا، ومن ثمّ فالثورة نوع من أنواع التغيّر الاجتماعي.

8- الإصلاح الاجتماعي (Social Reform):

وقد شاع في الأدبيات الحديثة تسمية التغيير الجزئي بـ(الإصلاح)، و(الإصلاح الاجتماعي)، و(العمل الإصلاحي)، و(العملية الإصلاحية)، وتسمية التغيير الكلي الشامل بـ (التغيير)، أو (التغيير الجذري) أو (التغيير الشمولي)، ومن ثمّ فالفرق بينهما يكمن في المساحة التي يحتلها فعل التحويل والتبديل (كلية/ جزئية)، وفي عمق عملية التحويل (جذرية/ ترميمية).

9- التخلف الاجتماعي (Retrogression (Social:

هو حركة المجتمع السلبية نحو الوراء، وسيره نحو الأسوأ، بينما التغيّر الاجتماعي قد يكون نحو الأسوأ، وقد يكون نحو الأفضل، ومن ثمّ فهو مفهوم أكثر شمولية وتعميماً، وبذلك يغدو التخلف نوعاً من أنواع التغيّر الاجتماعي.

10- التراجع الاجتماعي (Retardation (Social:

وهي عملية سير اجتماعي نحو الوراء، وتتضمن عملية الحركة القهقرية إلى صور نكوصية سابقة كان عليها المجتمع في زمن سابق، فهي عملية مقابلة للتقدم، وبذاك يكون التراجع -شأنه شأن التقدم- صورة من صور التغيّر الاجتماعي.

11- التردي الاجتماعي (Regression (Social:

وهي عملية هوي وسقوط وهبوط وانحدار من أعلى إلى أسفل، وهي تفترض كون المجتمع في صورة (أعلى)، ثم الانحدار والتدهور والانحطاط، ولا تعني كلمة (أعلى) بالضرورة كونه في مستوى إيجابي، وإنّما هي مقارنة ونسبة تحكي التفاضل بين مستويين، يشهد المجتمع في الصورة السابقة له مستوى أفضل مما يؤول إليه حاله، وقد تكون تلك الصورة السابقة (عالية فاضلة)، يتردى المجتمع بعدها إلى أسفل، أو تكون صورة (سافلة متردية)، ثم يتردى إلى ما هو أشدّ منها.

أما التغيّر الاجتماعي فقد يكون ترديًّا وانحداراً، وقد يكون تساميًّا وارتفاعاً، أي أنّه أعم من التردي.

وهكذا.. فكلّ واحد من هذه المصطلحات الأحد عشر يرسم حالة وشكلاً من أشكال التغيّر الاجتماعي، لكنّه ليس مصطلحاً عاماً شاملاً يساوق معنى (التغيّر الاجتماعي)، ويحكي سعته وشموله.

خصائص التغيّر الاجتماعي

ومما سبق نستطيع أن نتعرّف على أهم خصائص التغيّر الاجتماعي، ومنها:

1- ظاهرة عامة:

فالتغيّر الاجتماعي ظاهرة تحدث في قطاع عريض من أفراد المجتمع، ولدى فئات واسعة منه، وتتصف بالانتشار والتوسع، ولا تقتصر على حالات محدودة في بعض الأفراد أو الجماعات.

2- يصيب البناء الاجتماعي:

فهو تحول في بنية المجتمع، لا بنية فرد، ولا يُقال لتحول حصل لدى شخص أو أشخاص قلة أنّه تغيّر اجتماعي.

3- يقاس بفترة زمنية، حتى يمكن معرفته وتقويم آثاره:

فعنصر (الزمن) معيار هام في كشف ما يحصل في المجتمع، فقد نشهد مجتمعاً ما.. وهو مجتمع أمي، أو زراعي، أو تستفحل فيه ظاهرة القتل، أو لا يعرف (الإنترنت)، ونشهده في فترة زمنية أخرى متعلماً يتأبط أبناؤه شهاداتهم الجامعية، تسكنه الصناعة، وينشر عليه التسامح جناحه، وتستقر (الإنترنيت) في عمق تقاناته التواصلية والمعرفية.

4- الثبات النسبي (الديمومة والاستمرار):

أي أنّ التغير الحاصل فيه ليس مؤقتاً أو عرضيًّا أو سريع الزوال، وإنّما يستقر مدة من الزمن بحيث يبدو ذلك فيه ملمحاً بارزاً.

5- الإيجاب والسلب:

ومن خصائص التغيّر الاجتماعي أنّه قد يكون إيجابيًّا (تقدماً وازدهاراً)، وقد يكون سلبيًّا (نكوصاً وانحداراً)، ولا يختصّ التغيّر الاجتماعي بالإيجاب فقط، أو بالسلب فقط.

6- التلقائية والقصد:

فالتغيّر الاجتماعي قد يحدث بشكل تلقائي وعفوي، أو بشكل مقصود ومخطط.

التغيّر والتغيير

تشير الهيئة اللغوية (تغيّر) الواردة على وزن (تفعّل) إلى تبدل وتحول وتحرّك (وانتقال ذاتي)، فحين نقول: (التغيّر الاجتماعي)، فإنّ هذا المركب الوصفي يومئ إلى تحقق أمر حصولي قد يكون عفويًّا أو تلقائيًّا، بينما الهيئة اللغوية (تغيير) على وزن (تفعيل) تشير إلى صورة غيرية، فحين نقول: (التغيير الاجتماعي)، فإنّ هذا المركب الوصفي يتحدث عن أمر عملي تحصيلي، أي يستحضر في وعيه فعلاً يقوم به أحد أو جماعة لإحداث التبدل والتحول والنقل من حالة إلى حالة، فهو تبديل وتحويل وتحريك (ونقل غيري)، فهو عملية قصدية، وليست عملية عفوية أو تلقائية، ويظهر فيها طرفان أحدهما القائم بالفعل والتغيير (الفاعل، المغيِّر)، وثانيهما: الجهة التي تجري عليها عملية التغيير (المنفعل، المغيَّر).

ولعلّ هذا أهم المبررات لعنونة هذه الدراسة بـ(معوّقات التغيير الاجتماعي)، بدلاً من (معوّقات التغيّر الاجتماعي)؛ لأنّنا نريد أن نقول: إنّ المجتمع قد يشهد عملية تغيير قصدية تسعى لإحداث التبدل والتحول فيه، لكن تقف في سبيلها أحجار تصد تلك العملية، تمثل معوّقات لها.

مواقف الناس تجاه التغيير الاجتماعي

يمكن أن نصنّف مواقف الناس تجاه التغيير إلى ثلاثة:

1ـ الموقف المؤيد (الإيجابي):

وهو موقف يؤمن بالتغيير، ويتقبّله، ويدعمه، ويقوم بالإسهام الفعلي فيه، وتمثله المجتمعات التي تتقبل التغيير قيمةً وفكراً وثقافةً ومنهجاً وطريقةَ حياة، وتقوم بإحلال سبل التغيير فيها، وإعادة ترتيب أوراقها وفق الشكل المناسب للتغيير الجديد.

2ـ الموقف المعارض (السلبي):

وهو موقف يؤمن بعدم التغيير، أو لا يؤمن بالتغيير، ومن ثمّ يعارضه، ويواجهه، ويشحذ قواه للوقوف في وجهه، وإعاقة العملية التغييرية، أو إجهاضها أو قتلها. وتمثله المجتمعات التي تعادي التغيير سواء في الجانب القيمي، أو التقني، أو غير ذلك..

كما عارض البعض القطار في أول ابتكاره؛ مدعياً أنّه يفسد الطبيعة، وبسرعته يحرم الإنسان من فرصة التأمل فيها، والتفاعل مع جمالها الأخاذ.

3ـ الموقف اللامبالي (السكوني):

وهو موقف من لا يعنيه تحقيق التغيير ونجاحه، ولا بقاء الصورة المجتمعية المتحققة أو زوالها، ومن ثمّ يقف موقف المتفرج الذي يحمل شعار (الوقوف على التلّ أسلم!!).

وتمثله القطاعات الاجتماعية التي لا تحمل همّ المسؤولية والتغيير.

المواقف الثلاثة في القرآن الكريم

يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾[33].

فقد طلب نبي الله موسى (عليه السلام) من بني إسرائيل تغيير وضعهم الذي يقتات الشتات والضياع في الأرض بالدخول إلى الأرض المقدسة، فانقسموا إلى ثلاث فئات تجسد المواقف الثلاثة تجاه التغيير:

1- فئة تريد تحقيق التغيير الاجتماعي لمجتمع بني إسرائيل، والانتقال به إلى مرحلة الاستقرار في الأرض المقدسة، وهذه الفئة يقودها النبي موسى (عليه السلام)، وأخوه هارون (عليه السلام)، ويشاركهما فيها رجلان واعيان لمستلزمات التغيير ومتطلباته، ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾.

2- وفئة تقف ضد التغيير، وتفضل العيش في الشتات على المواجهة المسلحة للقوم الجبارين، المواجهة التي قد تكلفها خوض غمار الحرب وتقديم القتلى، وتريد أكل ثمرات التغيير دون الإسهام في عمليته واجتراح مشاقها وآلامها ﴿وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾.

3- وفي الختام تحولت الفئة المعارضة للتغيير إلى فئة سكونية خاملة، يطيب لها مشاهدة المسرح دون السعي لتقديم أيّ فعل فيه، ومع أنّها تتوق إلى التغيير، لكنّها تكل عملية الحراك الاجتماعي إلى الغيب، بدلاً من الفعل البشري الشهودي ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾.

وإذا تحوّلت هذه المواقف الثلاثة إلى عمل، فإنّ الموقف الأول (المؤيد) سيأخذ بسبل الدعم لإحداث التغيير، بينما سيشرع الموقف الثاني (المعارض) إلى التسلح بسبل الصدّ والمواجهة والإعاقة (صنع المعوقات لعملية التغيير)؛ لإبقاء المتحقق المجتمعي، ووأد عملية التغيير، في حين سيكتفي الثالث (اللامبالي) بمشاهدة الأحداث والمجريات!!

وضمن وجهة النظر القرآنية فإنّ مآل هذه المواقف الثلاثة يصبّ في خندقين فحسب: إما الوقوف مع التغيير، وإما ضده؛ لأنّ الموقف السكوني يخذل عملية التغيير، ويصبّ في خدمة المعارض لها، ويترك (المؤيد) في حلبة الصراع مع (المعارض) دون أن يقدم له أيّ معونة، مكتفياً بالتفرّج على عملية المصارعة، وهذا يفسّر لنا النهاية الدقيقة التي خُتمت بها الآيات التي تكلمت عن قصة تحريم الصيد على بني إسرائيل في يوم السبت:

﴿واسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾[34].

ففي خاتمة المطاف هناك نهايتان فقط:

ألف- النجاة للذين ينهون.

بــاء- العذاب البئيس للذين ظلموا.

فأين توارى أصحاب الموقف الثالث (السكونيون) عن المسرح؟!

لا شكّ في أنّ هؤلاء انخرطوا نتيجة ضمن الذين صُب عليهم العذاب البئيس، أو ما هو أشدّ منه!!

ويفسّر انتهاء المواقف الثلاثة إلى موقفين حديث آخر عن تجربة أخرى في المسرح النبوي، حصلت هذه المرة في قوم شعيب (عليه السلام)، حيث «أوحى الله -عزّ وجلّ- إلى شعيب النبي (عليه السلام): إنّي معذب من قومك مئة ألف: أربعين ألفاً من شرارهم، وستين ألفاً من خيارهم!!، فقال (عليه السلام): يا ربّ، هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟!، فأوحى الله -عزّ وجلّ-: إليه: داهنوا أهل المعاصي، ولم يغضبوا لغضبي»[35].

معوّقات التغيير الاجتماعي

هناك معوقات كثيرة تقف في وجه حركة التغيير الاجتماعي، منها:

1- رفض قيم التغيير:

فالتغيير يحمل في طياته قيماً وأخلاقيات منها: تجاوز القديم المتحقق، والمجيء بالجديد.

وإلى جانب وجود أشخاص ومجتمعات يتقبلون عملية التغيير والحركة (المجتمعات الديناميكية)، وينزعون إلى الجديد، يقف أشخاص آخرون ومجتمعات أخرى ترغب في الثبات والاستقرار، وتخاف من الجديد، وتنزع إلى العكوف على القديم المألوف، وتقف في وجه التغيير وتحاربه، أو تقف في وجه المغيّر وتقاومه، وتلك طبيعة (المجتمعات الاستاتيكية).

والقاعدة العامة للسلوك الاجتماعي الذي واجه حركة التغيير التي قادها الأنبياء والمرسلون هي رفض التغيير ومواجهته: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾[36].

وإلى جانب كونها القاعدة العامة، فقد انحلت إلى مصاديق تطبيقية كثيرة وتوالت ظهوراتها في حلقات التغيير النبوي، واقفة كسد منيع في سبيل التغيير الذي يستهدفه:

فقد رفض قوم نوح فكره التغيير، و﴿قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[37].

كما رفض قوم هود دعوته، وفضَّلوا أن يعضوا بنواجذهم على انتمائهم العقدي للمحافظة عليه: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالأحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[38].

ومن لدن نوح أول الأنبياء إلى خاتمهم الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يستمر هذا السلوك الرافض للتغيير الاجتماعي -لاسيما في الصورة العقدية-، فتعود الكرّة من جديد في مجتمع قريش الذي تغطرس، ورفض الإسلام وكتابه المنزل، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾[39].

ويطلق البعض على البقاء على القيم القديمة ورفض الجديدة -ولو كانت سماوية أو متجانسة مع العقل والفطرة- اسم (الرجعية)؛ لأنّها دعوة للرجوع إلى الخلف، وعدم التطلع والإقدام إلى الأمام، والتهيّب من الخطو نحوه.

2- النمطية:

تمثل العادات الجارية والمستحكمة في المجتمع دور المألوف الاجتماعي الذي يرتكن إليه في مواجهة الجديد النابت، والتغيير المرتجى، فالفعل التكراري خلق له قبولاً عاماً في الذهنية الاجتماعية، وأمسى معهوداً غير مستنكر لديها، ومن ثمّ تتمسك كثير من المجتمعات بالفكر والفعل السائدين، وتتجمد عليهما؛ للحيلولة دون التغيير بالجديد، وتميل هذه المجتمعات إلى دفء المألوف.

وتزداد ضراوة هذه النمطية والجمود كلما استهدفت عملية التغيير الاجتماعي العادات التكرارية المتصلة بالوشائج القريبة التي تمثل شيئاً من الذات، فالآباء الذين يمثل الأبناء الامتداد النسبي والاجتماعي لهم تستطيل عاداتهم إلى أطواد شاهقة ينافح الأبناء دون اجتثاثها من المجتمع، فيما يخلق (الألفة الآبائية) لما كانوا عليه، والرفض لحركة التغيير التي تستهدف إبداله، وإحلال آخر مكانه.

وتتبدى هذه النمطية في صورتين بارزتين، هما:

ألف- نمطية الفكر (اتباع الفكر السائد):

وفي هذه الصورة يتم اعتناق الفكر المألوف السائد في المجتمع، ورفض الفكر الجديد ومفاهيمه ورؤاه، الأمر الذي حدا بمجتمعات الأنبياء أن تعانق مألوفها الفكري الذي استقرّ في العقلية العامة لها وفي عقلها العام ومخيالها الجمعي، ورفض الفكر الداعي إلى التجديد والتغيير، ولو كان آتياً من الله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾[40]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾[41].

وبهذا تكون السلطة المعرفية والقيمية الراكزة في المجتمع ولدى الآباء هي المرجعية التي يتم الاحتكام لها لتقييم الجديد والحكم عليه: قبولاً أو رفضاً، وحيث إنّه جديد مخالف للنسق المألوف، فسيكون نصيبه الرفض، لا لشيء إلا لأنّه مختلف عن الفكر المرجعي.

بينما تسعى روح الرسالات السماوية إلى الاحتكام إلى الحقّ واتباعه ولو خالف المألوف الاجتماعي والأبوي (سلطة المجتمع والآباء): ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾[42]، ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾[43].

بــاء- نمطية الفعل (اتباع الفعل السائد):

وهنا يتم اعتناق الفعل المألوف السائد، ويتم تبني السلوك العملي المعهود في المجتمع.

وفي المشهد التاريخي كانت هذه النمطية في الفعل سلوكاً راسخاً في مجتمعات الأنبياء واجهت به مساعيهم التغييرية: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾[44]، ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾[45].

وحين جاء النبي إبراهيم (عليه السلام) بالحجج والبراهين الدامغة على بطلان عبادة الأصنام، لم يكن لسان الرد لديهم قادراً على المواجهة البرهانية، فكان المبرر المحرّك للرفض لديهم هو العكوف على الفعل الأبوي وتقديسه، وتقديمه على الحجة والبرهان والمنطق العلمي: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إلا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾[46].

وتصل درجة الاقتناع بالفعل المألوف إلى حدّ إلصاق تهمة الكذب بمن يعارضه؛ لأنّ تجذر الفعل في السلوك الاجتماعي أعطاه صفة الصدق والتقديس التي تنظر إليه بوصفه ثابتاً لا يمكن مناقشته، فضلاً عن استبداله: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[47].

يقول السيّد محمد الشيرازي: «التغيير قد يوجب تحطيم امتياز أصحاب الامتيازات؛ لذا يخاف الراكدون من إجازة الجديد؛ لأنّه يفتح الباب على جديد آخر مما يؤدي إلى تحطيم المجتمع -حسب زعمهم-، فيقف الإنسان أمام التجديد أحياناً خوفاً من تحطم ما اعتاده»[48].

3- رهن التغيير بمثالية المخلص:

تتبنى الحكمة الإلهية انتماء عملية التغيير الاجتماعي إلى البشر، وانطلاقها من البشر، بدلاً من إشادة أركانها على عناصر غيبية أو قيام عناصر فوق بشرية بها (كالملائكة)، وهذا لا يعني القطيعة بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وعدم تعاضده معه، وتقديمه الخدمات والضمانات له، لكنّه -ضمن الحكمة الإلهية- ليس بديلاً عنه، وإنّما هو داعم ومساند.

غير أنّ بعضاً من المجتمعات تقف في وجه هذا الشرط الموضوعي في السنة الإلهية الاجتماعية، وتتطلب انتماء عملية التغيير الاجتماعي إلى الخارق الإنساني، أو إلى الخارق فوق الإنساني، وعدم قبول قيام البشر العاديين بها.

ومن ثمّ يرهن هؤلاء عملية التغيير الاجتماعية المقبولة لديهم بالمغيّر المثالي، لا المغيّر العادي، ويجعلون ذاك شرطاً أساسيًّا في قبول عملية التغيير.

ومن شروط المخلص المثالي التي أبدتها بعض المجتمعات:

ألف- الوفرة المالية:

فالمغيّر لابدّ أن يكون ذا مال وفير، ويسجد بريق الذهب والفضة تحت أقدامه، ولا يصح أن يكون المغيّر الاجتماعي ممن يرتدي الفقر جلباباً: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾[49].

وفي هذه الآية يتعانق في المنطق الفرعوني شرطان للمغيّر المثالي هما: الوفرة المالية، وإسهام ما فوق البشري (الملائكة) معه في العملية التغييرية!!

وكم تاق بنو إسرائيل في الشتات إلى إلقاء عبئه عن كاهلهم، وطلبوا من أحد أنبيائهم أن يختار لهم ملكاً يقاتلون بين يديه، لكنّهم حين وجدوا ذلك الملك المصطفى فقيراً ماليًّا، تضاءلت كلّ مميزاته القيادية كالعلم والقوة البدنية في أعينهم، وشعّ فيها وهج المال وبريق النضار: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾[50].

بــاء- القدرة البيانية:

والقدرة البيانية لدى المغيّر لابدّ أن تكون خارقة، فهو يحتاج إلى الكلام الدبلوماسي الآخذ بمجامع القلوب لتأييده، والحذر من خلق الخصوم، وفوق ذلك يحتاج إلى الكلام السحري الذي يستبي قلب سامعه، ويشلّ إرادة الممانعة عنده، فلا يجد في نفسه إلا الإذعان والتسليم والانقياد: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾.

جيم- الجاه والمكانة:

وإذا انتمى المال إلى شرط مادي مطلوب لدى هؤلاء في المغيّر الاجتماعي، فهناك شرط آخر معنوي مطلوب إلى جانبه، هو الوجاهة والمكانة الاجتماعية المرموقة، وحين اختار الله نبيّه محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) من وسط الفقراء والرعاة لحمل أمانة الرسالة، وأنزل عليه خاتمة كتبه المقدسة، ولم يختره من بين أغنياء العرب ووجهائهم، زمجر عند الجاهليين دوي هائل، وطفقوا يتساءلون: لماذا اختاره الله من بين الناس العاديين ولم يختره من بين عظماء مكة أو الطائف؟!، ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾[51].

وينقل الإمام علي الهادي (عليه السلام) أنّ أبا جهل طلب من عبد الله بن أبي أمية المخزومي أن يجادل النبي محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأتى إليه، وقال له: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، فأجابه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «وأما قولك: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾: الوليد بن المغيرة بمكة، أو عروة بن مسعود بالطائف، فإنّ الله -تعالى- ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت، ولا خطر له عنده كما كان له عندك، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافراً به مخالفاً له شربة ماء، وليس قسمة رحمة الله إليك، بل الله القاسم للرحمة، والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه، وليس هو -عزّ وجلّ- ممن يخاف أحداً كما تخافه لماله أو لحاله؛ فتعرفه بالنبوة لذلك، ولا ممن يطمع في أحد في ماله وحاله كما تطمع؛ فتخصّه بالنبوة لذلك، ولا ممن يحبّ أحداً محبة الهوى كما تحبّ؛ فتقدّم من لا يستحق التقديم، وإنّما معاملته بالعدل، فلا يؤثر بأفضل مراتب الدين وخلاله إلا الأفضل في طاعته، والآخذ في خدمته، وكذلك لا يؤخر في مراتب الدين وخلاله إلا أشدهم تباطؤاً عن طاعته، وإذا كان هذا صفته لم ينظر إلى مال ولا إلى حال، بل هذا المال والحال من فضله، وليس لأحد من عباده عليه ضربة لازب»[52].

دال- القدرات الخارقة:

كثيراً ما رُهنت عملية التغيير لدى المجتمعات بالقدرات الخارقة لدى المغيّر (شخص استثنائي)، والقدرة على حشد المعجزات وتكديسها، وخرق عالم الأسباب الظاهرية، ورفض التغيير إن كان خلفه بشر غير خارق.

إنّهم باختصار يطلبون شخصاً أسطوريًّا قادماً من عالم الأسطرة والميثة، شخصاً أشبه بأبناء (زيوس) في لسان الأساطير اليونانية عن آلهة الأولمب، لا شخصاً معجوناً من لحم ودم!!

ومن هذا المنطلق قال قوم النبي صالح (عليه السلام) له: ﴿مَا أَنتَ إلا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[53].

وأسرف مجتمع النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في المبالغات والشروط التعجيزية في المخلص المثالي وقدراته الخارقة: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً﴾[54].

ولقد أبلغ الله الناس أنّ الرسل لا يملكون بأيديهم صنع المعجزات، وإنّما ذاك مدد إلهي؛ لإنجاح الرسالة وإثبات صدق مدعيها، وليست للفرجة حتى تأتي (حسب الطلب)، ومتى ما أُريدت: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾[55].

هاء- ليس من دائرة البشر:

ووصلت درجات السلم المبالغ أقصاها حين تجاوزا عتبة البشري الأسطوري الخارق إلى المطالبة بالمغيّر المنتمي لدائرة غير البشر، وطالبوا أن توكل عملية التغيير الاجتماعي البشري إلى ملائكة، وكأنّ البشرية -أساساً- شرط كافٍ لرفض التغيير، والإيمان بعدم قدرتها على التغيير والحراك الذي يتطلبه؛ لما تحمله البشرية من سمات المحدودية والعجز: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَّسُولاً * قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً﴾[56].

وتعجب قوم نوح (عليه السلام) من مغيّر اجتماعي ينتمي إلى دائرتهم البشرية ويأكل ويشرب -كما يفعل سائر الناس-:

﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ * فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * وَقَالَ الْملأ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾[57].

وأعيد إنتاج وتدوير الفكرة نفسها في زمان النبي شعيب (عليه السلام)، فقال له قومه: ﴿وَمَا أَنتَ إلا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾[58].

يحصل هذا مع أنّ الأنبياء -من الناحية النظرية والمعرفية- أخبروا مجتمعاتهم أنّ النبي -أيّ نبي- يحمل في داخله جنبتين: جنبة بشرية مثلهم، وجنبة اتصال بالوحي تميّزه عنهم، وأنّ الاستثناء إنّما جاء بالاستمداد من نمير السماء، لا من ناحية التركيب البشري، إلا أنّ ذلك لم يخفف من غلواء المبالغات الاجتماعية المجنحة التي لا تكتفي باشتراط العمل الخارق (المعجزة)، بل تتطلب العامل الخارق أيضاً: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾[59].

وأعلم الله الجميع أنّ الرسل -كغيرهم من الناس- يتزوجون، ويشكلون أسراً وذرية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾[60]، وأنّهم يموتون كغيرهم ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾[61]، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾[62].

وقد أمر الله نبيّه محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يوضح لقومه حقيقة كونه بشراً مثلهم، وأنّ ما يميّزه عليهم هو الوحي الإلهي: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾[63]، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾[64].

ويحصل -كذلك- مع أنّ الله -من الناحية التطبيقية والعملية- جعل جميع أنبيائه ورسله للبشر من دائرة البشر، وتسري عليهم طبيعة البشر العامة: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾[65].

ويحصل -أيضاً- مع أنّ الله أخبر الناس بالسُّنة العامة لديه، وهي أنّه يختار الرسل من جنس المرسل إليهم؛ ليكون أسهل في التواصل، وأتمّ في الحجة: فيبعث للبشر رسلاً من أبناء جلدتهم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ﴾[66]، و﴿لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً﴾.

4- طاعة القيادات الضالة:

من العوامل القوية التي تقف عائقاً في وجه التغيير الاجتماعي الرموز الاجتماعية الراسخة في المجتمع، والقيادات التي تتولى تحريك عجلته؛ لأنّهم يعتقدون أنّ عملية التغيير الاجتماعي كما تستهدف تغيير المجتمع فإنّها تستهدف تغيير الأدوار والمواقع الاجتماعية، وذاك يؤدي إلى الإطاحة بهم، وخسرانهم مناصبهم ووجاهتهم، كما يرون أنّهم صمام الأمان للمجتمع، الصمام الذي عليه أن يحافظ على سلامة المجتمع وصلابته في وجه رياح التغيير.

وتتواشج تلك المقولات الصادرة ممن يعيش في قمة الهرم الاجتماعي (الرموز، القيادات) مع مقولات أخرى تصدر من النخب الاجتماعية (الملا) تصبّ في ضرورة العكوف على النموذج المجتمعي المتحقق وعدم تغييره، كما تتعانق مع مقولات ثالثة تصدر من قاعدة الهرم الاجتماعي (الناس)، منها ضرورة طاعة الكبراء والرؤساء، وتعطيل عملية الفكر لصالح منتجهم الفكري؛ لأنّهم الأعلم والأدرى والأنضج!!، وبهذا تكون الزوايا الثلاث للمجتمع (الرمز، النخبة، القاعدة) قد تعاضدت لتقف معاً ضد التغيير.

ومن الرموز الاجتماعية التي تقف في سدة الهرم: الحاكم السياسي -كفرعون- الذي وقف ضد عملية التغيير التي قادها النبي موسى (عليه السلام)، وسوّق لهم أنّه يهديهم سبيل الرشاد: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾[67].

وظهر دور النخبة الاجتماعية (الملأ) كثيراً في وجه حركة الأنبياء، ومن ذلك: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾[68]، ﴿وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾[69].

وأما القاعدة ففي كثير من صورها تمثل التابع الساذج المطيع دون وعي:

- ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾[70].

- ﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾[71].

- ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[72].

وهذا يعني أنّ المثلث الاجتماعي اشترك في مواجهة التغيير، مع فروق في سبب المواجهة: هل هو سبب واع يريد الاحتفاظ بالمصالح (كما يظهر لدى القيادات والنخب)، أم هو سبب غير واع عملت فيه معاول الجهل والتجهيل والتفكير السطحي، وقادته التبعية العمياء، لكنّ الأسباب سواء أكانت واعية أم غير واعية؛ فإنّها تمثل عقبة كأداء في طريق التغيير الاجتماعي.

5- الخشية من فقدان المواقع:

أشرنا قبل قليل إلى وجود اعتقاد اجتماعي راسخ أنّ عملية التغيير الاجتماعي كما تطال المجتمع، تسعى لخلخلة مكانة الرموز فيه، وتغيير المواقع والوجاهات، وخسران الامتيازات، وبناء ذلك كلّه على قاعدة جديدة تتوافق مع حركة التغيير القادمة.

وقد عمل هذا الشعور والاعتقاد على إذكاء الحرص على المصلحة الخاصة، وتقديم الفكر النفعي والشخصي، ومواجهة قوى التغيير بوصفها قوى تريد (التفضل على المجتمع)، وتسنم مركز القيادة فيه، وإزاحة الأعمدة الراسخة:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللهُ لأنزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ﴾[73].

ممن تصدر خشية فقدان المواقع:

وقد فصّل القرآن الكريم الأشخاص والجهات التي تصدر منها هذه الخشية على فقدان الموقع، ومنها:

ألف- الحاكم (الرمز):

فالحاكم السياسي يخاف من عملية التغيير الاجتماعي؛ لأنّه يرى أنّها تستهدف اقتلاعه من كرسيّه، وإجلاس آخر عليه، وسلب الامتيازات المالية والمعنوية منه (السلطة والنفوذ)، ومن طرف آخر يملك الكثير من مقومات المواجهة وإعاقة التغيير، ومنها المال والإعلام والعسكر: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾[74].

بــاء- الفئة المتنفذة (الملأ):

والفئة المتنفذة في المجتمع تستفيد من بقاء الصورة الاجتماعية التي تحافظ على مكانتها، وتقوم بعملية التنميط الاجتماعي والتصنيف الطبقي لمكونات المجتمع، وتفرزه بين (ملأ أعلى)، و(أراذل أسفلين)، وتقف ضد التحول الاجتماعي الذي يبدل المواقع، وهكذا تندلق المقولة من لسان قوم نوح (عليه السلام)، ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾[75]، و﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾[76].

كما تندلق من قوم شعيب الذين ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾[77].

جيم- الفئة المترفة:

وإلى جانب الفئة المتنفذة (فيما ينتمي إلى جانب السلطة والصلاحيات) هناك فئة المترفين (المنتمية إلى التميّز الاقتصادي والامتيازات)، وهي -أيضاً- تعادي عملية التغيير، وتقف ضدها؛ لأنّها قد تجرّدها من حظوتها المالية التي قد تكون مال الناس والشعب حصلت عليه بالأثرة والسلب والجشع: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾[78].

دال- المجتمع:

والمجتمع نفسه قد يخاف على فقدان شيء من موقعه، فيعتقد أنّ عملية التغيير الاجتماعي قد تأتي بخلخلة أمنية تؤدي إلى ملاحقة أبناء المجتمع إن اعتنقوا قيم التغيير ومقولاته، وقد صدح بهذا أناس في قوم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ﴿وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾[79].

الأمور والمواقع المخشي على فقداها:

وإذا كان ما سبق يمثل الجهات التي تقف ضد عملية التغيير خشية من فقدان المواقع والامتيازات، فإنّ القرآن الكريم سجّل الأمور التي يخشى أولئك عليها، ومنها:

ألف- المال:

فهناك من يقف ضد عملية التغيير الاجتماعي؛ لخوفه أن تجرّده من الأموال التي حصل عليها، أو سرقها من خزينة الأمة، والترف المادي الذي يتقلب في بحبوحته.

وهذا يصدر من الحكام والمحيطين بهم (كالوزراء والأمراء والبطانة)، الذين سرقوا أوفر خيرات المجتمع، ويخافون أن تعيد عملية التغيير الحقّ إلى نصابه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾[80].

كما يصدر من المترفين في المجتمع: ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لأنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾[81].

بــاء- الجاه:

وكما يقلق البعض على المال والحظوة المادية، هناك من يقلق على الجاه والحظوة المعنوية التي سيخسرها حينما يتساوى مع غيره، أو حين يقلّ مكانة عن غيره، ويتقلد المكانة السامية من كان يصنفهم بـ(الدون) و(الأراذل)، ويسمهم بالضعة: ﴿يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾.

وقد جابه فرعون وملؤه نبيّ الله موسى وأخاه هارون، وفسّروا عملية التغيير بأنّها صراع زعامة ووجاهة، ورغبة من موسى وهارون في التزعم، و﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾[82].

جيم- الدين:

ويخاف البعض من التغيّر الاجتماعي في جانبه العقدي، وانتقال المجتمع إلى عقيدة جديدة مغايرة لعقيدة الأسلاف: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾[83]، ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إلا إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾[84].

ولعلّ خوف التبدل العقدي هو الموقع الأكبر الذي يُخشى عليه، ومن ثمّ كان السبب الأكثر حضوراً في الآيات التي تحكي المواجهة بين المجتمعات وأنبيائها -كالآيات السابقة-، وكانت بعض المجتمعات تدخل في مساومات مادية ووجاهية مع المغيّرين فيها لتقدم لهم شيئاً من (المحفزات المادية والمعنوية) في سبيل الكفّ عن التغيير العقدي، كما فعل مجتمع النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حين عرضوا عليه المال والسلطة والزواج من أجمل فتياتهم في سبيل ترك دعوته التغييرية.

دال- الأرض:

ومن المواقع التي يخشى البعض فقدانها خسران الأرض -كمكون اجتماعي-؛ لأن لا مجتمع من دون أرض يسكنها، وتراب يقيم عليه، ومن ثمّ قال فرعون للنبي موسى (عليه السلام): ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾[85]، وألب فرعون ملأه، وعبّأهم قائلاً: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾[86].

أي أنّ فرعون يريد أن يقول: «إنّنا نعلم أنّ مسألة النبوة والدعوة إلى التوحيد، وإظهار هذه المعجزات تشكل بمجموعها خطة منسقة للانتصار علينا، وبالتالي إخراجنا مع الأقباط من أرض آبائنا وأجدادنا، فليس هدفك الدعوة إلى التوحيد، ولا نجاة وتخليص بني إسرائيل، بل هدفك الوصول إلى الحكم والسيطرة على هذه الأرض وإخراج المعارضين...

إنّ إثارة المشاعر الوطنية وحبّ الوطن في مثل هذه المواضع أمر مدروس بدقة كاملة؛ لأنّ أغلب الناس يحبّون أرضهم ووطنهم كحبّهم أنفسهم وأرواحهم، ولذلك جعلوا هذين الأمرين في مرتبة واحدة كما في بعض آيات القرآن: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾[87]»[88].

6- سيادة فكر الشلل:

ومن العوائق أمام التغيير الاجتماعي سيادة فكر الشلل في المجتمع.

إنّ المجتمع الذي تسكنه ثقافة الفعل والحيوية (الثقافة الحية)، يصبح مجتمعاً فاعلاً ديناميكيًّا، دأبه الحركة والفعل، والمجتمع الذي تخيّم عليه ثقافة السكون (الثقافة الميتة) أو ثقافة الشلل (الثقافة المميتة) لا تبرح تزرّقه بإبر التخدير والموت حتى تشله أو تقضي عليه!!

ومن ثمّ يرى القرآن الكريم أنّ منطلق عملية التغيير الاجتماعي منطلق إنساني، أي أنّها عملية تبدأ من الإنسان، ومن فكر إنساني فاعل، وحراك إنساني فاعل، وما لم تبدأ العملية من التغيير الداخلي المنطلق من الإنسان نفسه، فلن تتم عملية التغيير الخارجي، أي أنّ هناك عملية شرطية طرفها الفعلي الأول هو الإنسان، وطرفها الآخر هو الخارج الغيبي: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[89].

وقد عرض القرآن الكريم لأنواع كثيرة من فكر الشلل والموت التي تعيق التغيير الاجتماعي نحو الأفضل، وتركس رأس المجتمع في مستنقع التخلف، ومنها:

ألف- الفكر النمطي:

تقدم أنّ هناك فكراً نمطيًّا لا يرى إلا الصورة المتحققة والنسق القائم حلًّا وملاذاً، ولا يقبل تغيير السائد والمألوف الاجتماعي؛ إما لقداسة المتحقق، وإما لدنس المتوقع، وهي ما جعلت جان جاك روسو [1712 - 1778م] الناقد للوضع السياسي الفرنسي زمن الحكم الملكي، والداعي لتطويره، وصاحب نظرية (العقد الاجتماعي)؛ يرعبه مجرّد تصور فرنسا من دون ملك، لا لشيء إلا لأنّه ولد وترعرع والحكم الملكي مخيّم هناك!![90].

والفكر النمطي يرى أنّ التغيير ممكن، لكنّه لا يريده، ولا يرحب به، ويقف ضده.

بــاء- الفكر التعجيزي:

تقدم في فقرة (مثالية المخلص) كيف أنّ هناك من يرهن التغيير بمغيّر مثالي معجز: بشري خارق، أو فوق بشري، ومن ثمّ يرى أنّ التغيير ضمن دائرته البشرية العادية غير ممكن، وبالأولى غير واقع، ونفي الإمكان يستلزم نفي الوقوع، وحتى يكون ممكناً ويقع يحتاج إلى مغيّر معجز.

وهنا أصبح مؤشر البوصلة يتذبذب بين طرفين متضادين: فالتغيير غير ممكن من البشر العاديين، لكنّه ممكن من البشر الخارقين، أو من كائنات فوق البشر.

جيم- الفكر الغيبي:

الفكر الغيبي يرى أنّ التغيير ممكن، لكنّه ليس قادماً من عالم البشر، عالم الفعل الإنساني والأسباب والشهود، وإنّما هو قادم من عالم الغيب والفعل الإلهي واللطف الرباني.

ويسعى هذا الفكر إلى تضخيم الأمور، ومتطلبات القيام بالعملية التغييرية؛ لتبرير النكوص، وتسلية الذات:

لقد طالب فرعون نبي الله موسى (عليه السلام) أن تعينه الملائكة على إنجاح عمليته ورسالته: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾[91].

وهذا ما تجلى مع قوم موسى (عليه السلام)، وحرّضهم على رفض دخول الأرض المقدسة المستلزم للحرب، ودفعهم إلى إيكال ذلك إلى الله وقدرته، فـ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾[92].

وهكذا يمنّي بعض الناس نفوسهم أن يُنجح الله عملية التغيير وإزالة الطغاة والظالمين وحكمهم الجائر -مثلاً- بسكتة قلبية تعتصر قلبهم، أو تحطم طائرة يحيل أجسامهم إلى رماد أو دخان تذرؤه الرياح، أو ضربة ناجزة من جناح جبريل، أو صيحة صاعقة ماحقة من إسرافيل!!

دال- الفكر القدري:

يقرّر القرآن أنّ الإنسان يملك الحرية والاختيار في الفعل: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾[93]، بينما يصرّ فكر الخنوع على غرس الفكر القدري الذي يتيح له قتل تأنيب الضمير الذي لا يفتر يسأله عن سبب التخلف، ويحثه على ضرورة الفعل والحراك، وبذاك يطمس وجدانه الذي لا ينفك عن مساءلته: لماذا لا تتحرّك؟، لماذا لا تفعل؟؛ فالفعل غير ممكن، والله -جلّ جلاله- شاء، ووفق هذا مضى علمه وحكمته ومشيئته!!: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ﴾[94]، ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ﴾[95].

فالفكر القدري لا يؤمن بالتغيير الاجتماعي عملاً -حتى لو آمن بقيم التغيير وأفكاره-؛ لأنّه يرى أنّ ذاك التغيير غير ممكن التحقيق على أرض الواقع، وأنّه (ليس في الإمكان أبدع مما كان)[96]، و:

فسيّانَ: التحركُ والسكونُ

جرى قلمُ القضاءِ بما يكونُ

ويُرزقُ في غشاوتِهِ الجنينُ

جنونٌ منكَ أن تسعى لرزقٍ[97]

ممن تصدر العوائق؟

حين نتساءل: ممن تصدر العوائق التي تقف حجر عثرة في طريق تدفق نهر التغيير الاجتماعي، فإنّنا يمكن أن نقف قرآنيًّا، على العوائق التالية:

- الفرد:

فالإنسان -كفرد- سواء أكان رجلاً أم امرأة قد يقف سدًّا منيعاً دون التغيير الاجتماعي، وقد اشترك النموذج الذكوري والأنوثي حائلين دون بلوغ التغيير كما في سورة المسد: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾[98].

وذات يوم جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقرأ النبي عليه شيئاً من القرآن، فتذوق بفطرته اللغوية جماله الأخاذ، واهتزّ لعذوبته، ورقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فألحّ عليه أن يقول في القرآن قولاً يُعلِم قومه أنّه منكر كاره له، فقال الوليد: «ما أقول فيه، فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه مني، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إنّ لقوله لحلاوة، وإنّه ليحطم ما تحته، وإنّه ليعلو ولا يُعلى. قال [أبو جهل]: والله، لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكّر فيه، فلما فكّر قال: هذا سحر يؤثره عن غيره»[99]، فأنزل الله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾[100].

2- الجماعة (النخبة):

وكما يصدر العائق التغييري من الفرد، يصدر -أيضاً- من الجماعة التي قد تتمثل في دوائر منها:

ألف- النخبة السياسية (الوزراء، المستشارون، الحاشية):

وصدور العائق من النخبة السياسية يترك أثراً بالغاً في إعاقة التغيير لاسيما في المسار السياسي، وأمور الحكم والدولة.

يقول الله تعالى عن الملكة بلقيس وما دار بينها وبين بطانتها السياسية: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾[101].

فهذا الملأ السياسي في دولة بلقيس كاد يقود خطى الدولة إلى الحرب بسعيه الحثيث لبيان الجاهزية لخوض معترك الحرب، وإعاقة التغيير النبوي القادم مع نبي الله سليمان (عليه السلام)، لولا حنكة الحاكم الذي لم يصغ لقرع طبول الحرب، بل.. أصغى لحكمة العقل.

بــاء- النخبة الاجتماعية (الملأ، عليّة القوم):

لقد وقف الملأ على الدوام ضد عملية التغيير الاجتماعي والتغيير النبوي:

- فقال الله تعالى عن قوم النبي نوح (عليه السلام): ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾[102].

- وقال عن قوم النبي صالح (عليه السلام): ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾[103].

- وقال عن قوم النبي شعيب (عليه السلام): ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * .... * وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾[104].

- وقال عن قوم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إلا اخْتلاقٌ * أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾[105].

جيم- النخبة الدينية (أرباب المصالح الدينية، علية الهرم الديني):

وإذا كان الملأ ذوي مصالح سياسية واجتماعية فذاك لا يعني أنّ العائق التغييري لا يصدر إلا عن المصالح السياسية والاجتماعية، فقد يصدر من بعض ذوي المصالح الدينية أيضاً.

فكما يمكن المتاجرة بالسلطة السياسية والوجاهة الاجتماعية يمكن المتاجرة بالقيم الدينية والتكسب على البسطاء من خلالها، الأمر الذي يستفحل حين تجتمع عقلية دينية انتهازية ماكرة، مع عقلية اجتماعية ساذجة، فتبتكر الأولى طرق الخداع، وتتقبل الثانية ذلك بوصفه ديناً يُدان الله به!!

ومن هنا يقول الله تعالى عن الأحبار والرهبان، ودورهم في الصدود الاجتماعي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[106].

3- المجتمع:

والمجتمع -كذلك- يمكن أن يلعب دوراً هامًّا في إعاقة التغيير الاجتماعي؛ بما يقوم به من أمور تعيق الحراك الاجتماعي، ومن ذلك:

ألف- التكذيب والرفض:

تبدأ أولى خطوات الإعاقة المجتمعية للتغيير برفض التغيير وقيمه، وقد تجلت هذه الإعاقة في نموذجها التاريخي في تكذيب المغيّرين (كالأنبياء)، يقول الله عن قوم نوح (عليه السلام): ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * .... * قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾[107].

ويقول عن قوم لوط: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾[108].

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾[109].

فهنا يضحي الصدود شخصيًّا..

بــاء- صدّ الناس عن اتباع التغيير وقيمه:

ثم ترتقي وتصل في الخطوة الثانية إلى الوقوف حائلاً بين القيم التغييرية وبين الناس، وتحول دون إيمانهم بها، واعتناقها.

فالكافرون -مثلاً- لا يكتفون بعدم الإيمان، ورفض اعتناق قيم الدين والتغيير، بل.. يصدون الناس عن اعتناقها والإيمان بها، أي أنّهم لا يكتفون بالصدود الشخصي الذي يطالهم كذوات وأفراد، بل يلجؤون إلى الصدّ الاجتماعي الذي يطأ بميسمه رقاب المجتمع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[110]، ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾[111].

جيم- مقاومة المغيّرين ومواجهتهم:

وتصل في الدرجة الثالثة إلى الحظر على المغيّر نفسه، ومواجهته.

ينقل الله -سبحانه وتعالى- تهديد مجتمعات الأنبياء لأنبيائها، واستعمالها (سياسية التلويح بالعصا الغليظة) في وجوههم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾[112].

ويقول عن قوم إبراهيم (عليه السلام): ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾[113].

ويقول على لسان فرعون مهدداً السحرة بعد إيمانهم: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾[114].

كما ينقل -سبحانه- تنفيذ تلك التهديدات التي تصل إلى حدّ القتل والتصفية: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾[115]، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾[116].

4- الدولة:

وإذا صدر ذلك المنع والتعويق من الفرد والجهة والمجتمع، فإنّ الدول -وهي تعد نفسها الراعية للمجتمع- قد تقف حائلاً دون التغيير.

قد يبدأ ذلك من رأس أركان الدولة (الحاكم) الذي يخاف على منصبه، ويجيّش ملأه (النخبة) كالوزراء والمتنفذين، وآلته الإعلامية، وقوته وبطشه، ضد المغيّر: ﴿قَالَ كَلا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ * فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * .... * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * .... * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * .... * قَالَ لِلْمَلأ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾[117].

وقد تبدأ المبادرة من الملأ مستغلة قربها من رأس الهرم (الحاكم)؛ لتحرّضه على اتخاذ قرار استئصالي حاسم ضد المغيّرين بذريعة (وأد الفتنة، واجتثاث الفساد)، ومن الإجراءات المراد اتخاذها (الإذلال، النفي، السجن، التمثيل، القتل): ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * .... * قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * .... * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ * وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾[118].

من المجموعتين السابقتين من الآيات تبرز مجموعة من السبل التي تقوم بها الدولة لمواجهة التغيير، منها:

ألف- المنّ:

فهي تمنّ على أبنائها أنّها ربتهم، وأطعمتهم، ودرّستهم، ووظفتهم، متجاهلة أنّ ذاك إنّما هو بعض خيراتهم التي سرقتها منهم، واستأثرت بها وتقلبت في بذخ نعيمها، وكأنّها تنفق عليهم من خزينتها الشخصية، ومن المال الشخصي الذي اكتسبه الحاكم وذووه عبر اشتغالهم في الأعمال الشاقة وكدح الجبين:

- ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾.

بــاء- التهديد والوعيد:

والدولة وأجهزتها تشرع سلاح التهديد بالإذلال والسجن والنفي والتمثيل والقتل لمن يختلف معها:

- ﴿لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.

- ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.

- ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾.

جيم- التعبئة الإعلامية:

وهنا تقوم الدولة بالتعبئة الإعلامية، وصبّ آلتها الإعلامية لتشويه سمعة الخصوم، وتصفيتهم معنويًّا (قتل الشخصية)، في سعي منها لمسخ شخصيتهم ودعوتهم، وإقامة الحواجز النفسية المانعة من التأثر بهم:

- ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.

- ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾.

- ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.

- ﴿إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾.

- ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾.

- ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾.

دال- التعبئة الاجتماعية:

وتقوم الدولة بتعبئة الرأي العام الاجتماعي ضد المغيّرين، عبر استثارة وجدانهم، والإيحاء لهم بأنّهم أمام خطر داهم يستهدفهم:

- ﴿أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.

- ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.

هاء- المواجهة والصدام:

وإذا فشلت الدولة وأجهزة أعلامها وقمعها من التهديد النفسي ومسخ الشخصية؛ تلجأ إلى ممارسة العنف ضد أبنائها عبر تنفيذ السجن، والتنكيل، والقتل (التصفية الجسدية):

- ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾[119].

- ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ﴾[120].

وهكذا عوقب النبي إبراهيم بالحرق، كما حُرق أصحاب الأخدود، ولبث النبي يوسف في السجن سنين، وتمت تصفية الكثير من الأنبياء والمرسلين.

--------------------------------------------------------------------------------

المصدر: موقع مجلة البصائر

[1] الدكتور الفاروق زكي يونس، الخدمة الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي. ط2. القاهرة/ مصر: عالم الكتب، دت/ 334.

[2] المصدر/ 334.

[3] المصدر/ 335.

[4] سورة هود/ 118 - 119.

[5] سورة البقرة/ 251.

[6] سورة الأحزاب/ 27.

[7] سورة طـه/ 128.

[8] سورة آل عمران/ 140.

[9] سورة الأنفال/ 53.

[10] ابن منظور، محمد بن مكرّم بن علي الأنصاري (ت 711هـ/ 1311م). لسان العرب. تنسيق: علي شيري. ط1. بيروت/ لبنان: دار إحياء التراث العربي، 1408هـ/ 1988م، 10/ 155 مادة (غير).

[11] مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزأبادي(ت 817هـ/ 1415م). القاموس المحيط. ط1. بيروت/ لبنان: دار إحياء التراث العربي، 1412هـ/ 1991م، 2/ 151 مادة (غير).

[12] الدكتور شائم بن لافي الهمزاني، التغير الاجتماعي في منطقة حائل: دراسة علمية، 1410هـ/1990م. الإنترنيت، موقع: (المعرفة): (WWW.Marefa.Org).

[13] المصدر.

[14] الدكتور أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية. ط 2. بيروت/ لبنان: مكتبة لبنان، 1406هـ/ 1986م/ 382.

[15] الدكتور إبراهيم بن محمد آل عبد الله، والدكتور عبد الله بن حمد الدليمي، علم الاجتماع للصف الثالث الثانوي. قسم العلوم الشرعية والعربية (بنين). المملكة العربية السعودية، 1430ـ 1431هـ/ 2009م - 2010م، ص 91.

[16] الخدمة الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي/ 343.

[17] دون كاتب (تغير اجتماعي)، الإنترنيت، موقع: ويكيبيديا (الموسوعة الحرة).

[18] الخدمة الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي/ 350، 352.

[19] التغير الاجتماعي في منطقة حائل، الإنترنيت، موقع: (المعرفة): (WWW.Marefa.Org)

[20] المصدر.

[21] المصدر.

[22] الخدمة الاجتماعية والتغيّر الاجتماعي/ 349 - 350.

[23] التغير الاجتماعي في منطقة حائل، الإنترنيت، موقع: (المعرفة): (WWW.Marefa.Org).

[24] المصدر.

[25] المصدر.

[26] المصدر.

[27] المصدر.

[28] المصدر.

[29] المصدر.

[30] الدكتور حسن سعفان، (اتجاهات التنمية في المجتمع العربي). مقال في كتاب (حلقة النهوض بعلم الاجتماع في الوطن العربي). ط1. الجزائر: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. إدارة الثقافة، 1393هـ/ 1973م، ص 225.

[31] التغير الاجتماعي في منطقة حائل، الإنترنيت، موقع: (المعرفة): (WWW.Marefa.Org).

[32] جابر السكران، مقال (الثورة: تعريفها، مفهومها، نظرياتها). الإنترنيت. موقع: (الجريدة): (WWW.Aljaredah.Com).

[33] سورة المائدة/ 20 - 24.

[34] سورة الأعراف/ 163 - 165.

[35] الشيخ محمد بن يعقوب الكليني(ت 329هـ/ 941م). أصول الكافي. تحق: محمد جعفر شمس الدين. د ط. بيروت/ لبنان: دار التعارف للمطبوعات، 1411هـ/ 1990م 5/ 56، الباب 55، ح 1 (عن الإمام الباقر (عليه السلام)).

[36] سورة سبأ/ 34.

[37] سورة هود/ 32.

[38] سورة الأحقاف/ 21 - 22.

[39] سورة سبأ/ 31.

[40] سورة البقرة/ 170.

[41] سورة المائدة/ 104.

[42] سورة القصص/ 49.

[43] سورة الزمر/ 17 - 18.

[44] سورة الزخرف/ 23 - 25.

[45] سورة الزخرف/ 22.

[46] سورة الشعراء/ 69 - 77.

[47] سورة الأعراف/ 70.

[48] السيّد محمد الشيرازي، الفقه الاجتماع/ 415.

[49] سورة الزخرف/ 51 - 53.

[50] سورة البقرة/ 246 - 247.

[51] سورة الزخرف/ 31.

[52] السيّد هاشم البحراني(ت 1107هـ/ 1696م). البرهان في تفسير القرآن. تقديم: الشيخ محمد مهدي الآصفي. تحق: قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة. ط1. بيروت/ لبنان: مؤسسة البعثة، 1419هـ / 1999م 8/ 554.

[53] سورة الشعراء/ 154.

[54] سورة الإسراء/ 90ـ 93.

[55] سورة الرعد/ 38.

[56] سورة الإسراء/ 94 - 95.

[57] سورة المؤمنون/ 31 - 34.

[58] سورة الشعراء/ 186.

[59] سورة إبراهيم/ 11.

[60] سورة الرعد/ 38.

[61] سورة الزمر/ 30.

[62] سورة الأنبياء/ 34.

[63] سورة الكهف/ 110.

[64] سورة الجمعة/ 2.

[65] سورة الفرقان/ 20.

[66] سورة الروم/ 47.

[67] سورة غافر/ 29.

[68] سورة الأعراف/ 90.

[69] سورة ص/ 6.

[70] سورة الزخرف/ 54 - 55.

[71] سورة الأحزاب/ 64 - 67.

[72] سورة سبأ/ 31 - 33.

[73] سورة المؤمنون/ 23 - 24.

[74] سورة غافر/ 26.

[75] سورة هود/ 27.

[76] سورة الشعراء/ 111.

[77] سورة هود/ 91.

[78] سورة سبأ/ 34 - 35.

[79] سورة القصص/ 57.

[80] سورة يونس/ 88.

[81] سورة هود/ 87.

[82] سورة يونس/ 78.

[83] سورة غافر/ 26.

[84] سورة سبأ/ 43.

[85] سورة طـه/ 57.

[86] سورة الأعراف/ 110.

[87] سورة النساء/ 66.

[88] الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل. ط1. بيروت/ لبنان: مؤسسة البعثة للطباعة والنشر والتوزيع، 1413هـ/ 1992م، 10/ 21 - 22.

[89] سورة الرعد/ 11.

[90] السيّد الشهيد محمد باقر الصدر، (ت 1400هـ/ 1980م). بحوث إسلامية: بحث حول المهدي. ط4. بيروت/ لبنان: دار الزهراء (عليها السلام)، 1412هـ/ 1991م/ 89.

[91] سورة الزخرف/ 53.

[92] سورة المائدة/ 24.

[93] سورة الشمس/ 7ـ 10.

[94] سورة الزخرف/ 20.

[95] سورة الأنعام/ 148.

[96] ألف جلال الدين السيوطي كتاباً أسماه (تشييد الأركان في أن ليس في الإمكان أبدع مما كان)، نسب فيه هذه الجملة للشيخ أبي حامد الغزالي، وقد سطر السيوطي كتابه هذا للدفاع عن هذه المقولة، وقال في بدايته: «فقد نُقل عن الإمام حجة الإسلام ولي الله أبي حامد الغزال (رضي الله عنه) أنّه قال: (ليس في الإمكان أبدع مما كان)»، انظر: تشييد الأركان في أن ليس في الإمكان أبدع مما كان/ 474، الملحق بكتاب (إحياء علوم الدين للغزالي)، انظر موقع: الغزالي، الإنترنيت (WWW.Ghazali.Org).

[97] أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين. ضبط الشيخ محمد الدالي بلطة. دط. بيروت وصيدا/ لبنان: المكتبة العصرية، 1423هـ/ 2002م، 4/ 363. ويُنسب هذان البيتان لأبي الخير الواسطي، ولابن الرومي.

[98] سورة المسد/ 1 - 5.

[99] محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آيّ القرآن (تفسير الطبري). ضبط وتعليق: محمود شاكر. ط1. بيروت/ لبنان: دار إحياء التراث العربي، 1421هـ/ 2001م، 29/ 186.

[100] سورة المدثر/ 11 - 25.

[101] سورة النمل/ 29 - 33.

[102] سورة هود/ 25 - 27.

[103] سورة الأعراف/ 75 - 76.

[104] سورة الأعراف/ 88 - 90.

[105] سورة ص/ 4ـ 8.

[106] سورة التوبة/ 34.

[107] سورة الشعراء/ 105، 116.

[108] سورة الشعراء/ 160.

[109] سورة النساء/ 61.

[110] سورة الحـج/ 25.

[111] سورة هود/ 19

[112] سورة إبراهيم/ 13.

[113] سورة العنكبوت/ 24.

[114] سورة طـه/ 71.

[115] سورة الأنبياء/ 69.

[116] سورة النساء/ 155.

[117] سورة الشعراء/ 15 - 18، 27، 29، 34 - 37، 53 - 56.

[118] سورة الأعراف/ 104 - 105، 109 - 112، 120 - 127.

[119] سورة القصص/ 4.

[120] سورة الفجر/ 10.

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

قال أمير المؤمنين علي (ع):الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَينِ مِنَ الْقُرْآنِ: قَالَ اللهُ عزّوجلّ: (لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)، فَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي، وَلَمْ يَفْ

مواقف وآراء

12w3e3r4

حوار ورؤى في التغيير والانفتاح

اجرت مجلة الشهيد حواراً مفصلا مع سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي…

Aludaa oudiu

Passaer

Modarresi

Alhudaa

أعلى الصفحة

إبحث