header basmaleh

التعارض بين العقل والنقلهل يمكن أن يقع تعارض بين العقل والنقل؟ وبأيِّهما نأخذ حينئذ؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي:

أولاً: تحديد المصطلحات والمقصود منها.

ثانياً: التعرُّف على رتب الحكم.

ثالثاً: التعرُّف على مستويات البناء المعرفي.

أولاً: تحديد المصطلحات:

لعلَّ واحدة من أهم المشاكل المعرفية التي تخلق تبايناً في الأفكار والأعمال هي عدم تحديد المقصود من المصطلح بدقة، فطالما اتفق جماعة في المضمون، لكنَّ عدم اتفاقهم على المصطلح دفعها للتباين والنزاع، وطالما صفق أناس لمصطلح دون أن يفهموا معناه وإيحاءاته.

 

ومن هنا كان تحديد المصطلحات عملية هامة قبل الدخول في أطراف النقاش؛ لنعلم منطقة الاختلاف بين المتنازعين: هل هي خلاف لفظي؟ أم فكري مضموني؟، وهل هما متفقين على معنى المصطلح أم أنَّ كلاً منهما يقصد منه غير ما يقصده الآخر؟

ماذا نعني بالتعارض؟

وماذا نعني بالعقل؟

وماذا نعني بالنقل؟

1ـ التعارض:

«التعارض بين دليلين محرزين معناه: التنافي بين مدلوليهما»[1]، أي «أنَّ كلاً منهما ـ إذا تمت مقوِّمات حجيته ـ يبطل الآخر ويكذِّبه»[2].

وضابط التعارض: «تكاذب الدليلين على وجه يمتنع اجتماع صدق أحدهما مع صدق الآخر»[3].

إنَّه يعني: التباين والتضاد والتنافي التام والاختلاف الكلِّيّ بين أمرين: كالإيجاب والسلب.

ولا نقصد به التنافي الجزئي؛ لأنَّه يكفي في صحة الحكم انطباقه على الأغلب، و(ما من عام إلا وقد خُصَّ)، و(الاستثناء لا يلغي من القاعدة العامة عمومها)، و«القواعد الكلية لا تقدح فيها العوارض الجزئية»[4].

فوجود افتراق جزئي وموارد لا تخضع للقاعدة العامة لا يشكِّل خللاً فيها بمقدار ما يمثِّل تخصيصاً يستند إلى دليل آخر، وكذلك الحال مع وجود قاعدتين مختلفتين تحكم كلٌّ منهما موارد معيَّنة مختلفة عن الأخرى.

فقد يقول شخص: ذوات الريش قادرة على الطيران. ولا يضير هذه القاعدة استثناء بعض الأفراد كالنعام والدجاج والبط.

وحين يقول شخص: بعض الناس غني. ويقول آخر: بعضهم ليس بغني. فليس هناك تعارض بين الحكمين؛ لأنَّ كلاً منهما صحيح، وينطبق على البعض.

أما التعارض الفعلي فينشأ حين يقول أحد: كلُّ الناس أغنياء، ويقول الآخر: كلُّهم ليسوا بأغنياء، وهنا يأتي الرأي المنطقي القائل: الكلية الموجبة تُخدش بجزئية سالبة، والكلية السالبة تُخدش بجزئية موجبة.

2ـ العقل:

لعلّ أبرز سمة تميِّز الإنسان عن الحيوانات هي سمة العقل، هذه القوة الهائلة التي تتيح له قدرة تأمل الأشياء، واكتشاف الأسباب والنتائج، وتفادي الأخطار، وتطوير حاله المعرفي والعملي.

ومن أجل هذا ارتأى المناطقة أن يكون أفضل تعريف للإنسان هو: «الإنسان حيوان ناطق»، على أن تكون (ناطق) بمعنى: عاقل، لا بمعنى (متكلِّم)، هذا العنوان الإشكالي الذي يفتح الباب على مصراعيه للأخذ والرد، حين يسأل البعض: ما معنى الكلام؟ وهل الحيوانات تتكلم أم لا؟ وهل تدخل الإشارات والإفرازات الكيميائية ضمن الكلام أم لا؟

فماذا نعني بـ(العقل)؟

يُطلق في اللغة العربية، ويُراد منه معاني كثيرة، منها: الربط، والإدراك والتمييز، ونقيض الجهل، والملجأ والحصن، والفهم، والدية، والنور الروحاني الذي تدرك به النفس العلوم الضرورية والنظرية....[5]

ويطلقه الفلاسفة على المعاني التالية:

الأول: العقل: جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها.

كما عرَّفه الفيلسوف أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (نحو 180ـ 260هـ)، (نحو 796ـ 873م).

الثاني: العقل: قوَّة النفس التي بها يحصل تصوُّر المعاني، وتأليف القضايا والأقيسة.

الثالث: قوَّة الإصابة في الحكم.

أي تمييز الحق من الباطل، والخير من الشر، والحسن من القبيح.

كما ذهب ديكارت (1596ـ 1650م).

فهو المضاد للهوى؛ لأنَّ الهوى يمنع المرء من الإصابة في الحكم.

الرابع: قوّة طبيعية للنفس متهيِّئة لتحصيل المعرفة العلمية.

وهذه المعرفة ـ عندهم ـ مختلفة عن المعرفة المستندة إلى الوحي والإيمان.

الخامس: مجموع المبادئ القبلية المنظمة للمعرفة، كمبدأ عدم التناقض، ومبدأ الغائية.

وقد انتشر هذا المعنى في الفلسفة الحديثة بتأثير (كانت) (1596م ـ 1650م).

السادس: الملكة التي يحصل بها للنفس علم مباشر بالحقائق المطلقة.

السابع: مجموع الوظائف النفسيَّة المتعلقة بتحصيل المعرفة، كالإدراك، والتداعي، والذاكرة، والتخيُّل، والحكم، والاستدلال.

وهو بهذا يرادف الذهن والفهم، ويضادُّ الحدس والغريزة[6].

الثامن: النور الذي يميِّز به الإنسان الرشد من الغيّ، والممكن من المستحيل، والحق من الباطل[7]، .. النور الذي يجد الإنسان كلَّ شيء به[8].

وواضح أنَّ هذه التعريفات على قسمين: بعضها يسعى لتعريف العقل بذاته، فيصفه بالجوهر، والقوة، والملكة، والنور. وبعضها يعرِّفه بآثاره ونتائجه كـ(مجموع المبادئ القبلية المنظمة للمعرفة).

والأحكام العقلية تُوصف بأنَّها ثابتة جازمة لا تقبل الريب، وشاملة لا تُخصص، وتتفق عليها عقول البشر، ولا تتطوَّر حسب تطوُّر الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية أو الفسيولوجية وما أشبه[9].

3ـ النقل:

ونقصد منه ـ هنا ـ: الصحيح من الأدلة السمعية، أي ما وصلنا وصحَّ سنداً ومتناً ودلالة من قرآن وسنة مباركة.

فنحن نشترط في هذا النقل أن يكون قطعياً؛ لتكون الموازنة بين عقل قطعي/ ونقل قطعي، أما حين يكون النصّ مكذوباً أو ظنياً فيمكن الاختلاف بينه وبين العقل.

ثانياً: رتب الحكم:

حين يصدر الإنسان حكماً على شيء فما هي نسبة قناعته بصدق ذلك؟

1ـ الوهم: قد يرى شيئاً من بعيد فيعتقد بنسبة أقلّ من 50% أنَّه إنسان.

2ـ الشكّ: وقد تزيد تلك النسبة لتصل إلى 50%، فيعتقد بهذه النسبة أنَّه إنسان، وبمثلها أنَّه حيوان، وهنا تتوازن الكفتان عنده، فالشكّ في طرف يلازمه وجود شكّ مضادّ في الطرف المعاكس، وبنفس المقدار.

3ـ الظنّ: وقد ترتفع نسبة على أخرى، فيتفوَّق عنده الاعتقاد بأنَّه إنسان ـ لقرائن معيَّنة ـ على الاعتقاد الآخر، فتكون الكفة الراجحة بين 51ـ 99%، وهذا ما نسميه (الظنّ).

وحين تكون الكفة الراجحة هي الظنّ، يلازمها أن تكون الكفة الأخرى مرجوحة، أي الوهم، فالظنّ والوهم متلازمان، وإذا وجد ظنّ في جهة وجد وهم في الجهة المقابلة لها.

4ـ القطع والعلم: يفرِّق البعض بين هذين المصطلحين، فيرى أنَّ (العلم) هو الجزم بنسبة 100%، فهو أمر عقلي، بينما (القطع) هو حكم نفسيّ بعدم وجود المباين.

ولا يهمنا ـ الآن ـ هذا التفريق كثيراً بمقدار ما يهمنا النسبة في الحكم، فإذا وصلت إلى مقدار 100% فهي حكم علميّ قطعيّ.

ثالثاً: مستويات البناء المعرفيّ ومنطلقاتها:

وفي الاصطلاح العلميّ نفرِّق بين الآتي:

1ـ الفرضية: وتعتمد على مؤشرات أولية، كأن نرى شيئاً من بعيد فنضع له فروضاً أنَّه إنسان أو حيوان أو سيارة أو شجرة.

2ـ النظرية: وتعتمد على أدلة ظنية، كالإمارة و«كلّ ما يؤدي النظر فيه إلى غلبة الظن لنحو ما يُطلب به»[10].

3ـ القاعدة: وتعتمد على براهين قطعية.

ويعنون ـ في اللغة ـ بالبرهان: «الحجة البيِّنة الفاصلة. وعند المنطقيين: قياس مؤلَّف من مقدّمات يقينية، وعند الرياضيين: ما يثبت قضيةمن مقدّمات مسلّم بها»[11].

«فالبرهان هو الذي يقتضي الصدق أبداً لا محالة»[12]؛ لأنَّه قياس مؤلف من مقدّمات قطعية منتج لنتيجة قطعية[13]، وهو مؤلف من اليقينيات سواء كانت ابتداء ـ وهي الضروريات ـ، أو بواسطة ـ وهي النظريات ـ [14]، فهو الحجة القاطعة المفيدة للعلم[15].

4ـ المقولة: وهي تعتمد على البراهين العلمية.

فهي ـ مثل القاعدة ـ تعتمد على البرهان القطعيّ، لكنَّ براهينها مأخوذة من الحقل العلمي، كما تفيده التجارب، ككون الهرِّ إذا قُطع رأسه مات.

5ـ القانون: وهو ذاتيّ الثبوت، لا يحتاج إلى برهان خارجيّ: علميّ أو عقليّ أو غيرهما..، كقانون الجاذبية والطفو اللذين نرى آثارهما واضحة للعيان.

النظرية والحقيقة:

ونستطيع ـ من باب الاختصارـ أن ندرج (الفرضية)، و(النظرية) الماضيتين في المستويات المعرفية تحت عنوان واحد هو (النظرية). كما نستطيع أن ندرج الثلاثة الأخيرة (القاعدة، المقولة، القانون) تحت مسمى واحد هو (الحقيقة). فـ(الحقيقة) هي كلّ قطعيّ علميّ بلغت نسبة التصديق به 100%، وكلّ ما لم تصل نسبة إلى ذلك فهو (نظرية).

متغيِّرات السؤال:

ومما مضى نصوغ السؤال على النحو التالي:

هل يقع التنافي التام بين العقل القطعيّ والنقل القطعيّ؟

وفي الإجابة التاريخية على هذا السؤال هناك ثلاث إجابات متباينة، لها إفرازاتها ضمن الاتجاهات المعرفية المعاصرة، هي:

1ـ الإمكان، وتقديم العقل: يمكن أن يقع التعارض بين العقل القطعي والنقل الصحيح، وحينئذ نقدِّم العقل، وذهب لذلك المعتزلة.

2ـ الإمكان، وتقديم النقل: يمكن أن يقع التعارض بين العقل القطعي والنقل الصحيح، وحينئذ نقدِّم النقل، وذهب لذلك الأشاعرة.

3ـ عدم الإمكان: لا يمكن أن يقع التعارض بين العقل القطعيّ والنقل القطعيّ، وذهب لهذا الشيعة الإمامية.

والذي يبدو أنَّ بعض هذه الاتجاهات عند الإجابة لم تلتفت إلى القيود الثلاثة في متغيِّرات السؤال: (التنافي التام)، (العقل القطعيّ)، (النقل القطعيّ)؛ فظنَّت أنَّ مطلق الاختلاف تعارض، ولو كان التخالف جزئياً، أو بين ظنِّيّ وقطعيّ.

كما أنَّ بعضها لم يلتفت إلى أنَّ المقصود من التعارض: صدور حكمين متنافيين، لا حكم أحدهما بشيء وسكوت الآخر عنه، فهذا ليس تعارضاً، وإنَّما هو مجيء الحكم من طرف واحد لم يكذِّبه الآخر.

لقد أدرك ابن رشد (520 ـ 595هـ)، (1126 ـ 1198م) مبكراً غفلة البعض عن هذه القيود، فألف رسالته (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال)، وراح يقول: «وإذا كانت هذه الشريعة حقَّاً، وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحقّ، فإنَّا ـ معشر المسلمين ـ نعلم على القطع أنَّه لا يؤدي النظر البرهانيّ إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإنَّ الحقَّ لا يضادّ الحقّ، بل.. يوافقه ويشهد له.

وإذا كان هذا هكذا، فإنَّّ النظر البرهاني إلى نحوٍ ما.. من المعرفة بموجود ما..، فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سكت عنه الشرع، أو عرَّف به.

فإن كان قد سكت عنه فلا تعارض هناك، وهو بمنزلة ما سكت عنه من الأحكام فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعي.

وإن كانت الشريعة نطقت به فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقاً لما أدى إليه البرهان فيه، أو مخالفاً: فإن كان موافقاً فلا قول هنالك، وإن كان مخالفاً طُلب هنالك تأويله»[16].

ويقول الشيخ ابن تيمية (661ـ 728هـ)، (1263ـ 1328م): «الأنبياء قد يأتون بما تعجز العقول عن إدراكه ـ كالصفات الإلهية والغيب ـ، ولكنَّهم لا يأتون مطلقاً بما يضادّ العقول ويعارضها»[17].

هل يقع التعارض؟

وإذا كنَّا نتكلَّم عن (الإمكان) أو عدمه، فهناك من تجاوز ذلك ارتقاء في الدرجة فقال بـ (الوقوع) وحصول التعارض عملياً بين العقل والنقل، ومن ثمّ فـ(أكبر دليل على الإمكان الوقوع) ـ كما يقولون في المنطق ـ.

1ـ هل يخطئ العقل؟

ينبغي أن ندرك أنَّ القول بعدم تنافي الحكمين القطعيين للنقل والعقل إنَّما يتم عند القول بأنَّ النقل القطعي لا يمكن أن يتطرَّق إليه الخطأ، والعقل وحيّ باطني معصوم، أحكامه قطعية جازمة لا يمكن أن تخطئ.

أما من يقول بالخطأ على أحدهما فلا يقع التنافي والمشكلة عنده؛ لأنَّه سيأخذ حينئذ بالقطعيّ ـ وهو غالباً العلم ـ، ويخطئ الآخر.

يقول الدكتور أحمد العسَّال: «وإذا كان هذا (أنَّ الأمة الإسلامية صاحبة رسالة كبرى) شأن هذه الأمة وطبيعة رسالتها؛ فهي مطالبة أن تقوِّم ما يجدُّ في الحياة من آراء وتصورات لتتبيَّن الحقّ من الباطل، فالحياة تأتي كلَّ يوم بالجديد، وليس كلُّ ما تأتي به حقَّاً خالصاً، ولا باطلاً خالصاً، ففيه من كلٍّ بقدر؛ إذ هو ثمرة العقل البشريّ الذي يجوز عليه الخطأ والصواب، والهدى والضلال، وذلك لأنَّه ـ أي العقل ـ يتأثر بنوازع الهوى وضغوط البيئة والمجتمع وانحرافات الفكر والثقافة»[18].

ويقول أيضاً: «ولا يمكن ولا يتأتى أن يحدث تعارض بين معطيات العلم الصحيحة وتعليمات الوحيّ، فهما ينبعان من مشكاة واحدة، ولكنَّ المشكلة تأتي إمَّا من أهواء العلماء، أو تخرُّصات أدعياء العلم، أو الخطأ في تفسير نصوص الوحيّ»[19].

والذي يبدو من هذين النصين: أنَّ الدكتور العسَّال يرى إمكانية أن يخطئ العقل، لكنَّ حكمه حين يصل إلى مرتبة العلم فلا يمكن حدوث التعارض حينئذ.

ولعلَّ التساؤل: (هل يخطئ العقل أم لا؟) واحدة من المسائل الشائكة التي ارتطمت وتناقضت فيها الإجابات لا سيما عند علماء الأصول: بين من يرى أنَّ العقل معصوم لا يخطئ، ومن يرى أنَّ العقل الفطريّ الخالي من الشوائب هو الذي لا يخطئ، وبين من يسلب عنه العصمة ويراه ـ كسائر أدوات الحسِّ والمعرفة ـ يخطئ ويصيب.

2ـ الدين والعقل:

تحث آيات القرآن الكريم على العقل والأخذ بأحكامه، والتوصل إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ به، وتذكره ضمن اشتقاقات العقل واللب والتفكر والتأمل والنظر و....:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(3) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(4)﴾[20].

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ(190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191) ﴾[21].

﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17) وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ(18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ(19) وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ(20)﴾[22].

وفي الحديث القدسي: «لما خلق الله العقل استنطقه، ثمَّ قال له: أقبل.. فأقبل، ثمَّ قال له: أدبر.. فأدبر، ثمَّ قال له: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقاً هو أحبُّ إلي منك، ولا أكملك إلا فيمن أحبُّ، أما إنِّي إياك آمر، وإياك أنهى، وإياك أثيب»[23].

وفي نصّ آخر يقول الله تعالى للعقل: «وعزتي وجلالي، ما خلقتُ خلقاً أحسن منك، ولا أطوع لي منك، ولا أرفع منك، ولا أشرف منك، ولا أعزّ منك، بك أوحد، وبك أعبد، وبك أدعى، وبك أُرتجى، وبك أُبتغى، وبك أُخاف، وبك أُحذر، وبك الثواب، وبك العقاب.

فخرَّ العقل ساجداً، فكان في سجوده ألف عام، فقال الربُّ ـ تبارك وتعالى ـ: ارفع رأسك، وسل.. تعطَ، واشفع.. تشفَّع.

فرفع العقل رأسه فقال: إلهي، أسألك أن تشفِّعني فيمن خلقتني فيه. فقال الله ـ جلَّ جلاله ـ لملائكته: أشهدكم أنِّي قد شفَّعته فيمن خلقته فيه»[24].

ويقول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)(ع) (53ق هـ ـ 11هـ)، ( 571ـ 632م): «استرشدوا العقل ترشدوا، ولا تعصوه فتندموا»[25]، «إنَّما يُدرَك الخير كلُّه بالعقل، ولا دين لمن لا عقل له»[26]، «العقل أصلٌ ديني»[27].

والحديث الأخير يؤكد أنَّ كثيراً من أحكام الدين قائمة على الأحكام العقلية، وهي بذلك إرشادية مؤكدة للحكم العقلي التأسيسي.

ويقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)(ع) (23 ق هـ ـ 40هـ)، (600ـ 661م):

«العقل أشرف مزيَّة»[28]، «مصلح كلّ أمر»[29]، «منزَّه عن المنكر، آمر بالمعروف»[30].

ويقول الإمام الكاظم (عليه السلام)(ع) (128ـ 183هـ)، (745ـ 799م):

«إنَ لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وأما الباطنة فالعقول»[31].

كما يحثّ أهل بيت العصمة (عليهم السلام) على لزوم إعمال العقل بالتفكّر، والاستفادة من نتائجه وعطاياه، ويقرِّرون أنَّ «تفكُّر ساعة خير من عبادة سنة»[32]، «ليست العبادة كثرة الصلاة والصوم، إنَّما العبادة التفكُّر في أمر الله»[33]، «أفضل العبادة إدمان التفكُّر في الله وقدرته»[34]، «أوصيكم بتقوى الله، وإدامة التفكُّر، فإنَّ التفكُّر أبو كلّ خير وأمه»[35].

ويدخل الشرع العقل ضمن مصادر التشريع، ويقرّ أحكامه، وأنَّ «كلُّ ما حكم به العقل حكم به الشرع»[36]، بما يعنيه ذلك من التلازم بين الحكم الشرعي والحكم العقلي.

فالشيعة يعدُّون العقل أحد مصادر التشريع الأربعة، إلى جانب القرآن والسنة والإجماع.

ويجعل السنة القياس مصدراً رابعاً إلى جانب تلك الثلاثة، والقياس يعتمد على استعمال العقل في اكتشاف العلاقة بين الفرع والأصل، ومن ثمَّ تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع بعلة جامعة.

وبهذا يتخذ العقل موقعه إلى جانب الكتاب والسنة والإجماع، فهو دليل مع كلِّ دليل، بل.. دليل قبل كلِّ دليل!! ـ كما يرى البعض ـ؛ إذ لا يمكن فهم الكتاب والسنة والإجماع دونه، ولا يمكن استنباط الحكم التشريعي دونه.

ومن هنا يرى هؤلاء أنَّ الأصح ألا يعنون كمصدر من مصادر التشريع؛ لأنَّه الأساس والمنطلق الذي يتعامل مع مصادر التشريع، ويؤلِّف بينها حتى يخرج الحكم.

وسواء أقلنا أنَّ العقل أحد مصادر التشريع، أم قلنا أنَّه أصلها، فذاك يدلُّ على أنَّ الشرعَ نصَّب العقلَ دليلاً إليه؛ لأنَّه يعلم بما سيصل إليه، وأنَّه لا يعارضه، وإلا لما أرسى طريقين (العقل والنقل) كلٌّ منهما يقود إلى جهة مضادة.

كما يدلّ على أنَّ «الدليل اللفظي لا يمكن أن يعارضه دليل عقلي قطعي؛ لأنَّ دليلاً من هذا القبيل إذا عارض نصّاً صريحاً من المعصوم (عليه السلام) أدى ذلك إلى تكذيب المعصوم (عليه السلام) وتخطئته، وهو مستحيل.

ولهذا يقول علماء الشريعة: إنَّ من المستحيل أن يوجد أيُّ تعارض بين نصوص الشريعة الصريحة وأدلة العقل القطعية.

وهذه الحقيقة لا تفرضها العقيدة فحسب، بل.. يبرهن عليها الاستقراء في النصوص الشرعية ودراسة المعطيات القطعية للكتاب والسنة، فإنَّها جميعاً تتفق مع العقل، ولا يوجد فيها ما يتعارض مع أحكام العقل القطعية إطلاقاً»[37].

3ـ أيهما أوسع إدراكاً: العقل أم النقل؟

سبق أن ذكرنا أنَّ «كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع»[38]، وهذه القاعدة ـ في طردها ـ مقبولة عند الفقهاء، بيد أنَّ التساؤل الآن هو في عكس القاعدة وهو: هل كلُّ ما حكم به الشرع حكم به العقل؟!

والإجابة على ذلك ـ ضمن الرؤية الدينية ـ: لا..، فالنقل أوسع دائرة؛ لاتصاله عبر الوحي بالله تعالى وبعالم الغيب، ولأنَّ مدارك الإنسان محدودة، فهو لا يستطيع سبر عالم ما وراء الطبيعة للتعرُّف على الآخرة وما فيها، ومن ثمَّ قالوا: «ليس كلّ ما حكم به الشرع يجب أن يحكم به العقل»[39].

فقد يحكم الشرع بأشياء لا تخالف العقل، ولكنَّه يعجز عن إدراكها والتوصل بمفرده إليها:

لقد جعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ صلاة الفجر ركعتين، والظهر والعصر والعشاء أربعاً، والمغرب ثلاثاً، فلماذا كانت هكذا؟ ولماذا جعل في الركعة الواحدة ركوعاً وسجدتين، لا ركوعين وسجدة، أو ركوعين وسجدتين؟ ولماذا يُقدَّم الركوع على السجود؟

كما جعل الله ـ سبحانه ـ الصوم في شهر رمضان، فلماذا لم يكن في محرَّم أو شوال أو أي شهر آخر؟!

يجيب الإمام السجاد (عليه السلام)(ع) (38ـ 95هـ)،(658ـ 712م):

«إنَّ دين الله لا يُصاب بالعقول الناقصة، والآراء الباطلة، والمقاييس الفاسدة، ولا يُصاب إلا بالتسليم»[40].

وينقل لنا أبان بن تغلب (ت 141هـ/ 758م) أنَّه ذهب إلى الإمام الصادق (عليه السلام)(ع) (80ـ 148هـ)، (699ـ 765م)، وسأله: «ما تقول في رجل قطع إصبعاً من امرأة، كم فيها؟ قال: عشرة من الإبل. قلتُ: قطع اثنين؟. قال: عشرون. قلتُ: قطع ثلاثاً؟ قال: ثلاثون. قلتُ: قطع أربعاً؟ قال: عشرون. قلتُ: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون!!، إنَّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق؛ فنبرأ ممن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان. فقال: مهلاً يا أبان، هذا حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنَّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغتْ الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان، إنَّك أخذتني بالقياس، والسنَّة إذا قيست محق الدين»[41].

وهذا نفسه ما يجعل أهل البيت (عليهم السلام) يقفون من القياس موقفاً معارضاً؛ لأنَّهم يدركون أنَّ أحكام الشرع وحيّ إلهي لا تُترك للمقايسات والأحكام التي يُظن بأنَّها عقلية، كما يجعل مدرستهم تقبل تعدية الحكم وفق (العلة المنصوصة)، وترفض تعديته وفق (العلة المستنبطة) المظنونة.

4ـ الإسلام ومبدأ التسليم:

هناك أشياء أوضح الإسلام أسبابها وعللها، وحين يفعلها المسلم يفعلها وهو يعلم سبب الحكم: لقد حرَّم الشرع الخمر وقال ـ مبيِّناً ومعدِّياً علته ـ: «ألا أيُّها الناس، أنهاكم عن كلِّ مسكر»[42]، «ما أسكر كثيره فقليله حرام»[43].

بيد أنَّ هناك ـ مما كلَّف الشرع به ـ أموراً لم تُوضَّح علتها تسمَّى (الأحكام التعبدية والتوقيفية)، فلماذا كان الحج الأكبر في أيام معيَّنة من ذي الحجة، لماذا تقدَّم عرفة على مزدلفة، وهذه على منى؟ ولماذا رمي الجمار في أيام معيَّنة، وبعدد محدَّد؟

ولماذا يُقدَّم غسل الوجه في الوضوء على اليدين، وهذان معاً على غسل أو مسح الرأس والرجلين؟

ولماذا سُنت للصلاة أوقات معيَّنة، وركعات معيَّنة، وأذكار معيَّنة، وكيفية معيَّنة؟!

وإذا كان من فوائد الأحكام المعلّلة: أن يفعلها المكلَّف وهو عالم بسبب ونتيجة تشريعها، فإنَّ من فوائد الأحكام التوقيفية معرفة مدى التسليم والانقياد والطاعة للمشرِّع سبحانه، إنَّها مثل الأوامر التي يصدرها الضابط لجنوده دون أن يحيطوا بتفاصيلها وعللها؛ ليعرف مدى انصياعهم وانقيادهم.

«وهذه الغيبية (التوقيفية) مرتبطة بالعبادات ودورها المفروض ارتباطاً عضوياً، ذلك لأنَّ دور العبادات ـ كما عرفنا سابقاً ـ هو: تأكيد الإيمان والارتباط بالمطلق (الله) وترسيخه عملياً، وكلَّما كان عنصر الانقياد والاستسلام في العبادة أكبر كان أثرها في تعميق الربط بين العابد وربِّه أقوى. فإذا كان العمل الذي يمارسه العابد مفهوماً بكلِّ أبعاده، واضح الحكمة والمصلحة في كلِّ تفاصيله ـ تضاءل فيه عنصر الاستسلام والانقياد، وطغت عليه دوافع المصلحة والمنفعة، ولم يعد عبادة لله بقدر ما هو عمل نافع يمارسه العابد لكي ينتفع به، ويستفيد من آثاره.

.... الغيبية إنَّما تبرز أكثر فأكثر في العبادات التي يغلب عليها الجانب التربوي للفرد كالصلاة والصيام»[44].

غير أنَّ هناك فرقاً بين التسليم والبلاهة، فالدين يدعو للأول، فيعمل المرء بالحكم التشريعي ـ وإن جهل علته ـ ما دام حكماً تشريعياً، لا أن ينقاد إلى كلِّ شيء مدعى على الشرع في خضوع وبلاهة وقبول لكل شيء حتى لو لم يكن صحيحاً، أو كان منافياً للشرع أو العقل.

وفي قبال موقف البلاهة وتجميد العقل والمبالغة في تقديس كلِّ شيء، هناك من يشكِّك في كلِّ شيء، ولا يقبل بعمل شيء إلا إذا وافق مدركاته وتصوراته.

والإسلام يرفض كلا الموقفين، ويريد المتعقل الذي يعمل باليقين، فلا يغيب تسليمه للشرع الصادق، ولا يغيِّب عقله الواعي.

5ـ الحلّ عند التعارض الظاهريّ:

حين يقع تعارض ظاهريّ بين العقل والنقل، بين العلم والدين..، فما الحلّ؟

وقبل الإجابة على هذا السؤال نشير إلى مركزيَّة كلمة (ظاهريّ)، وإلى دلالتها على أنَّ التعارض الحقيقي لا يمكن في عالم الإمكان النظريّ، فضلاً عنه في عالم الوقوع العمليّ.

وقد طرحت العديد من الحلول عند هذا التعارض الظاهري:

أ ـ الجمع:

«مهما أمكن الجمع فهو أولى من الطرح»[45].

كثيراً ما تغيب عنَّا حلقة مفقودة هي الوصلة الجامعة بين الأمرين، والتي بإدراكها يُحلّ ذلك التعارض، كأن تفسِّر موقعاً معيَّناً لهذا الحكم الشرعي، وآخر لذاك الحكم العقلي مختلف في مورده، أو تفسِّر أحدهما بالآخر، أو تستثني حكماً جزئياً لأحدهما من الآخر.

«إنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب»[46].

لقد فسَّر البعض (المضغة / القلب) في هذا الحديث بالقلب الماديّ الموجود في الصدر، وحين رأوا أنَّه تمَّ تبديل قلب مسلم بقلب كافر، ورأوا أنَّ المسلم لم تتغيَّر عقيدته حين أفاق، بل.. حين رأوا إمكانية وضع قلب خنزير للبشر دوت تغيُّر من أجريت له العملية عقلياً ودينياً ومعرفياً واجتماعياً، وجدوا أنَّ ذلك تعارض بين النقل (الحديث) ومعطيات العلم والطبّ.

بينما يعود هذا إلى تفسير (المضغة) و(القلب) ـ الواردتين في الحديث ـ بهذا العضو الذي يضخُّ الدم إلى جنبات الجسد، دون الأخذ بالمفاد التطوري لمفهوم المفردة وتغيُّر دلالتها عبر مسيرها الزمني.

إنَّ غياب المعجم التطوريّ عندنا أساساً ـ هو الذي جعلنا نسقط معنًى حديثاً على نصٍّ قديم، ومن ثمَّ نخلق التعارض بين المدلولين.

هذا فضلاً عن أنَّ الحديث يقول: «إذا صلحت صلح الجسد كلُّه»، فهو ـ على فرضه ـ ربط بين ذلك (القلب) وبين (الجسد) المادي، وليس ربطاً بينه وبين الجانب المعنوي من الإنسان والذي منه الدين والمعرفة، وهذا لبس آخر في التفسير قادهم إلى تصوُّر ذلك التعارض.

وهذا أشبه بمن يعلم يقيناً بعدم وجود السيارة (المركبة المعروفة) في زمان النبي يوسف (عليه السلام)، بل.. وحتى في زمان نزول القرآن الكريم، فيتساءل عن مدى مصداقية ورودها فيه ﴿ وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ ﴾[47].

وإذا كان هذان المثالان مما يعود إلى الفهم الخاطئ لمفردة في النصّ، وعدم إدراك المدلول التطوريّ التاريخي، فقد نشاهد أمثلة ينشأ فيها التعارض المظنون من الفهم التجزيئي للنصّ، حين تُبتر أعضاؤه، ويؤخذ بعضه منفصلاً عن سائر جسمه الذي يوضِّح موقعه، ومعزولاً عن سياقه التاريخي والتركيبي.

وقد يستدعي هذا الجمع ترك بعض المعاني الإفرادية المعجمية للفظ، وأخذ المعنى الذي يتناسب مع السياق أو المفهوم الجملي منها.

ب ـ الطرح أو التوقف:

وحين لا يمكن الجمع بينهما؛ لتنافر الدلالة، فمع أنَّ هذا لا يقع بين القطعيين (العقلي والنقلي)، وإنَّما بين قطعي وغير قطعي، يلجأ الأكثر للأخذ بالقطعي وترك ما سواه.

يقول الشيخ المفيد (336ـ 413هـ)، (947ـ 1022م) ـ بعد أن حكم بِرَد الحديث المخالف للقرآن الكريم ـ: «وكذلك إن وجدنا حديثاً يخالف أحكام العقول أطرحناه؛ لقضية العقل بفساده»[48].

في حين يلجأ آخرون إلى الأخذ بالقطعي والتوقف في ردِّ الآخر، مفضلين اتهام فهمنا للنصّ على إسقاطه، قائلين: إنَّنا لا نفهم حقيقة مراد النصّ هنا ولعلَّ الأيام القادمة تفسِّره؛ حذراً من ردِّ حديث المعصومين (عليهم السلام).

«فبالنسبة للروايات التي تفهمها عقولنا نأخذها، والتي لا تفهمها لا ننسفها ونقول: إنَّها ضعيفة، بل.. نتوقف ونقول لأنفسنا بتواضع: إنَّنا لا نفهم، فلعلّ غيرنا أو الذين يأتون بعدي (بعدنا) يفهمونها، ألسنا في صغرنا كنا لا نفهم أموراً كثيرة ولما كبرنا عرفناها؟»[49].

لقد ترك كثير من العلماء رواية الخبر الذي يبشِّر بأنَّه سيأتي على الناس زمان يمشون فيه في صناديق هادئة من غير أن تتزلزل أبدانهم، متسائلين: كيف يمكن لصندوق أن يحمل الإنسان من مكان إلى مكان؟، وجازمين بأنََّ ذاك لا يتفق مع العقل تارة[50]، ومفسرين (الصندوق) بأنَّه (حِبُّ الجنّ)، وأنَّ ذاك نوع من السحر تارة ثانية.

لكنَّ الزمن أثبت لنا أنَّ ذلك ينطبق الآن على السيارة أو الطائرة، وأنَّ ذلك الرفض لم يكن منطلقاً إلا من قصر النصّ على المعيش في الواقع الاجتماعي، وعدم إعطائه مدلولاً مستقبلياً ممكناً.

وبعبارة أخرى: أنَّهم حكَّموا (المحال عادة) في تفسير النصّ، ورأوا تعارضه معه، وإن كان في الحقيقة ليس (محالاً عقلاً)، وليس ممتنعاً على العلم، ولو في المستقبل الآتي.

ج ـ التأويل:

ويرى البعض أنَّ الحلَّ عند وجود التعارض الظاهري هو تأويل الظني وصرفه عن دلالته المضادة للقطعيّ إلى دلالة أخرى تتلاءم معه.

ولأنَّ الحقائق العقلية والعلمية ليست نظريات ظنية يمكن تأويلها، فسوف ينال التأويل ظاهر ما نطقت به الشريعة.

يقول ابن رشد: «وإن كان مخالفاً طُلب هنالك تأويله»[51]، «ونحن نقطع قطعاً أنَّ ما أدى إليه البرهان، وخالفه ظاهر الشرع: أنَّ ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي. وهذه القضية لا يشك فيها مسلم، ولا يرتاب بها مؤمن، وما أعظم ازدياد اليقين بها عند من زاول هذا المعنى وجرَّبه، وقصد هذا المقصد من الجمع بين المعقول والمنقول.

بل.. نقول: إنَّه ما من منطوق في الشرع مخالف بظاهره لما أدى إليه البرهان إلا إذا اعتُبر وتُصُفحت سائر أجزائه وجد في ألفاظ الشرع ما يشهد بظاهره لذلك التأويل، أو يقارب أن يشهد.

ولهذا المعنى أجمع المسلمون على أنَّه ليس يجب أن تُحمل ألفاظ الشرع كلّها على ظاهرها، ولا أن تُخرَج كلّها عن ظاهرها بالتأويل، واختلفوا في المؤول، فالأشعريون ـ مثلاً ـ يتأولون آية الاستواء وحديث النزول، والحنابلة تحمل ذلك على ظاهره»[52].

ويبادر ابن رشد لتوضيح المعنى الذي يقصده من (التأويل) وأنَّه «إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية/ من غير أن يخلَّ ذلك بعادة لسان العرب في التجوّز من تسمية الشيء بشبيهه، أو بسببه، أو لاحقه، أو مقارنه، أو غير ذلك من الأشياء التي عُدِّدت في تعريف أصناف الكلام المجازي[53]»[54].

--------------------------------------------------------------------------------

كتبه: الشيخ علي علي آل موسى

المصدر: موقع مجلة البصائر

* طرحت هذه القضية عناوين شتى، منها:

أ ـ التعارض بين الحكمة والشريعة، كما صوَّرها (ابن رشد).

ب ـ التعارض بين العقل والنقل، كما صوَّرها (المعتزلة، والأشاعرة، والإمامية).

ج ـ التعارض بين العلم والدين، كما صوَّرها فلاسفة عصر النهضة كـ(بيكون)، و(ديكارت).

[1] السيد الشهيد محمد باقر الصدر، دروس في علم أصول الفقه، ج1، الحلقة 1، ص 130.

[2] الشيخ محمد رضا المظفر، أصول الفقه 2/ 182.

[3] المصدر 2/ 183.

[4] السيد محمد الشيرازي، الفقه: القواعد الفقهية/ 187.

[5] الفيروزآبادي، القاموس المحيط 4/ 27. ابن منظور لسان العرب 9/ 331، مجموعة من الكتاب، المعجم الوسيط/ 616.

[6] الدكتور جميل صليبا، المعجم الفلسفي 2/ 84ـ 89.

[7] السيد محمد تقي المدرسي، الفكر الإسلامي مواجهة حضارية / 140.

[8] المصدر/ 42.

[9] المصدر/ 45ـ 46.

[10] أبو هلال العسكري، الفروق في اللغة/ 60.

[11] المعجم الوسيط، مصدر سابق 1/ 53. مادة (برهان).

[12] أبو البقاء الكفوي، الكليات/ 249. مادة (برهان).

[13] المصدر/ 249. مادة (برهان).

[14] الدكتور محمد التونجي، المعجم المفصَّل في الأدب 1/ 185.

[15] السيد نور الدين الجزائري، فروق اللغات/ 72ـ 73.

[16] أبو الوليد بن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال/ 31ـ 32.

[17] الدكتور محمد رشاد سالم، المدخل إلى الثقافة الإسلامية/ 230، نقلاً عن (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 4/ 130ـ 132).

[18] الدكتور أحمد محمد العسّال، -الإسلام وبناء المجتمع/ 7.

[19] المصدر/ 21.

[20] سورة الرعد/ 3ـ4.

[21] سورة آل عمران/ 190ـ 191.

[22] سورة الغاشية/ 17ـ 20.

[23] العلامة المجلسي، بحار الأنوار 1/ 352.

[24] المصدر 1/ 363.

[25] المصدر 1/ 352.

[26] الشيخ ابن شعبة الحرَّاني، تحف العقول / 44.

[27] الشيخ محمد الري شهري، ميزان الحكمة 5/ 48، عن: الشيخ ميرزا حسين النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل 2/ 279.

[28]التميمي، عبد الواحد، الآمدي، غررالحكم ودرر الكلم 1/ 48، ح 1019.

[29] المصدر 1/ 26، ح 458.

[30] المصدر 1/ 61، ح 1297.

[31] بحار الأنوار، مصدر سابق 1/ 393.

[32] بحار الأنوار، مصدر سابق 68/ 325.

[33] ميزان الحكمة، مصدر سابق 7/542.

[34] بحار الأنوار، مصدر سابق 68/ 321، 322.

[35] ميزان الحكمة، مصدر سابق 7/543.

[36] السيد محمد كاظم المصطفوي، القواعد/ 268.

[37] دروس في علم الأصول، مصدر سابق، ج1، الحلقة 1، ص 133.

[38] القواعد، مصدر سابق/ 268.

[39] الشيخ محمد رضا المظفر، أصول الفقه 1/ 209.

[40] بحار الأنوار، مصدر سابق 2/303.

[41] الحرّ العاملي، وسائل الشيعة 19/268، الباب 44، ح 1.

[42] وسائل الشيعة، مصدر سابق 17/ 222.

[43] المصدر 17/ 222. ومسند الإمام أحمد 4/ 304.

[44] السيد الشهيد محمد باقر الصدر، بحوث إسلامية/ 264ـ 265.

[45] الشيخ محمد جواد مغنية، علم أصول الفقه في ثوبه الجديد/ 434.

[46] علاء الدين الأعلمي، وهج الفصاحة/ 375، حكمة 864.

[47] سورة يوسف/ 19.

[48] الشيخ المفيد، تصحيح الاعتقاد/ 149.

[49] السيد محمد تقي المدرسي، الاستفتاءات (نشرة فقهية تصدر عن مكتب السيد المدرسي في السيدة زينب)، العدد 6، السنة الأولى، ربيع الثاني، 1423هـ/ 1993م، ص 2.

[50] المصدر، ص 2.

[51] فصل المقال، مصدر سابق/ 32.

[52] المصدر/ 33.

[53] المصدر/32.

[54] ولم نذكر (التخيير) من ضمن الحلول؛ لأنَّه يُتصوَّر في التعارض بين النقليين، لا بين نقلي وعقلي.

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

قال أمير المؤمنين علي (ع):الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَينِ مِنَ الْقُرْآنِ: قَالَ اللهُ عزّوجلّ: (لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)، فَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي، وَلَمْ يَفْ

مواقف وآراء

12w3e3r4

حوار ورؤى في التغيير والانفتاح

اجرت مجلة الشهيد حواراً مفصلا مع سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي…

Aludaa oudiu

Passaer

Modarresi

Alhudaa

أعلى الصفحة

إبحث