header basmaleh

a 20669080161306609098

مصائر البشر متداخلة، ومصالحهم متشابكة، ومع دخولنا في عصر شبكة الارتباطات الدولية وتقارب المسافات الجغرافية، فإن ما يؤثر على بعض الناس في مكان يؤثر على كل الناس في كل مكان.

ومن الممكن أن تنطلق البشرية نحو الخير إذا اتبعت من يدعوها إلى ذلك ولو كان الداعي في أقصى قرية في أفريقيا، كما أن من الممكن أن يضع أحدهم حجر عثرة أمام البشرية كلها ويجعلها تنقلب على ذاتها.

وفي عصر بات مصير البشر مترابطاً ومتشابكاً مع مصائر الآخرين إلى هذه الدرجة. ومع انزياح الحدود بين الشرق والغرب، وإعادة الانتشار لموازين القوى في العالم، عادت المنظومات الفكرية والثقافية إلى الاصطفاف مجدداً بعضها في مواجهة بعض وظهرت العولمة رمزاً لعصر جديد، حيث يحاول كل طرف -وخاصة الغرب- أن يسيطر على كل ما يجري في هذه الأرض، ويديرها بالشكل الذي يريد.

بدأت قضية العولمة تأخذ أبعاداً أكثر تأثيراً مع تعاظم ثورة الاتصالات، وتحويلها الكرة الأرضية إلى قرية كونية غاب فيها حاجز الزمان والمكان، ولعل الأهم في قضية العولمة أن العالم سيدخل بها القرن الواحد والعشرين[1]، وستفرض نفسها بوصفها إحدى السمات الأساسية لاتجاهات التطور البشري في القرن القادم.

إن العولمة في اللغات الأوروبية المختلفة هي سياسة أو سلوك على المستوى العالمي (GLOBALISATION)، وفي معنى آخر هي (السياسة الكونية)، ويقال عنها أيضاً الكوكبة وما إلى ذلك، وهي متقاربة مع مصطلح التدويل (INTERNATIONAL) والمقصود بها كل ما هو أممي أو غير قومي. وهذه المصطلحات وأمثالها تصب في المفهوم الفكري الذي يضفي الطابع العالمي أو الدولي أو الكوني على النشاط البشري.

وفي الواقع فإن العولمة ليست شيئاً بسيطاً يمكن تحديده ووضعه بدقة ضمن أطر معينة، بقدر ما هي جملة عمليات تاريخية متداخلة تتجسد في تحريك المعلومات والأفكار والأموال والأشياء وحتى الأشخاص، بصورة لا سابق لها من السهولة والآنية والشمولية والديمومة. إنها قفزة كبرى تتمثل في تعميم التبادلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على نحو يجعل العالم منطقة واحدة أكثر من أي يوم مضى، من حيث كونه سوقاً للتبادل أو مجالاً للتداول أو أفقاً للتواصل.

وبهذا المعنى للعولمة، نحن نجد أنفسنا اليوم إزاء حدث كوني ندخل معه في العصر الكوكبي بآفاقه ومجالاته، بثوراته وتحولاته، وهذا العصر تختصره أربعة عناوين كبرى لفتوحات وابتكارات وقدرات وتكتلات تؤثر في حياة البشر وتهيمن على مقدراتهم ومصائرهم هي:

- الاقتصاد الإلكتروني.

- والمجتمع الإعلامي.

- والمجال التلفزيوني أو البصري.

- والفضاء(السبراني)الذي يعني القدرة على السمع والرؤية واللمس والمراقبة والتحكم في كل شيء، وفي كل مكان عن بعد.

إن العولمة لم تعد مجرد خطة لهذه الجهة أو تلك، بل هي حقيقة قائمة، فمن شبكة الاتصالات، إلى شبكة الإنترنت، إلى دمج الشركات الكبرى، إلى ثورة المواصلات، كل ذلك يوقفنا على حقيقة أنه لا يمكن النظر إلى الذات، أو الآخر، ولا إلى المشاكل الموجودة في هذه الدولة أو تلك إلا في إطارها العالمي، سواء في المسائل السياسية أو الثقافية أو المعرفية أو الاجتماعية أو أي شيء آخر.

وهذا يعني أن العولمة يجب أن تكون هي أيضاً خاضعة لنفسها، بحيث يتم التفكير في أمر العولمة عالمياً، لا أن يجري البحث من قبل الدول المتقدمة الباحثة عن أسواق جديدة تحت شعار العولمة، من دون أن يجري البحث عن حل مشاكل العالم كله.

من هنا فإنه لا يجوز أن يهتم الأوربيون -مثلاً- باتفاقية (ماستريخت) التي هندست (الدولة الفدرالية الأوروبية) بتشريعاتها السياسية والقضائية والاقتصادية والمالية والمؤسسية.. من دون أن يكون هنالك ذكر للعالم الثالث في هذه الاتفاقية، مع العلم أنه يشكل ثلاثة أرباع العالم.

إن استخدام (العولمة) من قبل البعض لإخضاع العالم مخالف لمسيرة التاريخ، فالعالم إما أن ينجو كله أو ينهار كله.

إن المصير واحد، ولذلك لابد أن يكون المسير واحداً، وهذا ما كانت تبشر به الديانات السماوية التي تخاطب البشرية جميعاً، كما يتحدث القرآن الكريم دائماً عن الأرض، وليس عن مدينة هنا أو منطقة هناك، ويتحدث عن الناس، وليس عن قوم هنا أو عشيرة هناك، يقول ربنا: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. ويقول: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ويقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ ويعتبر ما على الأرض كلها للناس كلهم، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ ويعتبر الفرد ممثلاً للبشرية والبشرية متماثلة للفرد، يقول سبحانه: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.

صحيح أن العولمة ذاتها لا تحمل معنى خيّراً أو شريراً، لأن العولمة لاتزال في لحظات ولادتها الأولى، إلا أن المطلوب من العولمة أن تكون (خيّرة) وإلا فإنها لن تكون.

إن الإنسان في هذا العالم لا يستطيع أن يفكر في نفسه فقط، ولا يجوز لأحد -وعلى الخصوص المثقف- أن يتقوقع حول ذاته، دون أن تكون له فاعلية في صناعة العالم.

إن الثقافة في مفهومها الصحيح هي صناعة الحياة، والعمل على صناعة العالم بشكل صحيح، ومن المطلوب أن يفكر كل واحد على مستوى العالم ويكون فاعلاً فيه، لأنه على كل حال مسؤول عنه.

إن كل إنسان كبير في ذاته، كما أن مسؤولياته كثيرة أيضاً. وتلك هي مقولة سيد الحكماء الإمام علي(عليه السلام) الذي قال:

أتحسب أنك جرم صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر

معتبراً أن الإنسان يختزن في ذاته كل العالم، ولذلك فهو مسؤول عنه أيضاً. يقول الإمام(عليه السلام): «واعلموا أنكم مسؤولون حتى عن بقاع الأرض وبهائمها».

ولعل البعض يعتبر اصطلاح العولمة اصطلاحاً جديداً ويتساءل هل العولمة حالة صحية أم هي حالة مرضية؟

وهل أن العولمة ستعمّق التبعية، أم أنها بالعكس ستحرر الشعوب التابعة؟

أليست هي حالة استعمارية لتذويب الشعوب داخل إطار واحد؟

وأخيراً ما هو الموقف الصحيح منها، هل المطلوب الانكماش في وجهها، أو الانغماس فيها؟

وفي الحقيقة إن العولمة أمر جارٍ بالفعل، شئنا ذلك أم أبينا. فالعالم يتجه إلى أن يكون منطقة واحدة. ولا يستطيع أحد أن يوقف ذلك عند حد معين، فالتحولات المتجهة نحوها سريعة إلى درجة لم يعد بالإمكان التحكم في سرعة التطورات الحياتية، حتى إن الجهاز العصبي للإنسان المعاصر أصبح عاجزاً عن متابعة، ومجاراة، وفهم تلك التحولات التي تتدفق ربما خارج أي تحكم من قبل أي شخص.

إن هذه السرعة في المستجدات العالمية هي فصل من فصول التاريخ الحضاري للإنسان، وإن كان لم يكتب بعد تفاصيل ما يجري في هذا الفصل من خير أو شر ومن صلاح أو فساد.

ومن هنا فإننا لا نستطيع أن نوقف حركة العولمة، وإنما باستطاعتنا فقط أن نحاول فهم طبيعة تداعياتها، وتأثيراتها المتجددة، واستكشاف آفاقها وفرصها وتحدياتها ومساراتها ومشاكلها ومآسيها في المستقبل لنحاول تصحيح مساراتها، ومنع استغلالها من قبل دعاة الشر.

إن شاباً يافعاً في الثانية عشرة من عمره قادر على أن يجلس وراء الكمبيوتر ويرتبط عبر الإنترنت بكل ما يجري على الأرض، ويتحدث كتابة أو بالصوت والصورة مع أناس مثله جالسون وراء أجهزة مثل جهازه الصغير في أقصى نقاط العالم، ويتناقش معهم ويؤثر فيهم ويتأثر بهم، كما أن باستطاعة أي إنسان أن يجلس في بيته ويتعامل عبر جهاز الإنترنت بملايين الدولارات فيبيع ويشتري، وفي الوقت ذاته فإن باستطاعة كبار السرّاق أن يسرقوا على هذا المستوى أيضاً، كما هو حادث بالفعل عبر الإنترنت، وليس الإنترنت إلا ظاهرة من ظواهر العولمة.

وكذلك فإن شبكة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية وشركات نقل الأخبار العالمية مثل:(سي إن إن) و(سكاي لاين) و(بي بي سي)وغيرها، وسقوط عشرات الأفلام مثل المطر على رؤوس الناس في كل القرى والأرياف في كل مناطق العالم، هي أيضاً ظاهرة من ظواهر العولمة.

ومن جهة أخرى فإن العولمة حالة متشابكة ومتداخلة من القضايا والمسائل والحوادث والثقافات والأفكار والمشاكل أيضاً، بحيث نستطيع أن نجزم بأن العولمة ليست خيراً مطلقاً ولا هي شر مطلق، بل هي «أمر بين الأمرين» وكما أن السراق يحاولون استغلال الإنترنت لمزاولة السرقة، كذلك فإن أصحاب النيات الشريرة يحاولون أن يركبوا حركة العولمة في كل مجالاتها ليزدادوا ثراء على حساب الفقراء، ويكسبوا الرفاهية على حساب المعدمين، وليسيطروا على تفكير الناس وعقولهم وحركتهم الثقافية والحضارية وهذا لاشك فيه، إلا أن باستطاعة أصحاب النيات الخيّرة أيضاً أن يستفيدوا من حالة العولمة إذا أرادوا. بل لابد وأن يفعلوا ذلك..

إن صراع الإرادات يزداد ظهوراً وبروزاً عبر -العالم اليوم- أكثر مما كان على مستوى القرى والمدن سابقاً، ولابد أن نعرف أن المؤسسات الدولية الكبرى، ستحاول الاستفادة من حالة العولمة بتوجيه العالم بالاتجاه الذي تريد، وهذا يعني أن على الآخرين ألَّا يقفوا مكتوفي الأيدي حيال ذلك.

إن بعض أصحاب القرار في الغرب يريدون أن يجعلوا من العالم (كوناً قروياً) يتحكمون فيه، بينما المطلوب أن يتجه العالم لكي يصبح (قرية كونية) يتعاون فيه الجميع، فإذا استطاعت النيات الشريرة أن توجه العالم عبر (العولمة) فإن عالمنا سيتحول (كوناً قروياً) وإذا فشلوا في ذلك فإن العالم سيصبح «قرية كونية» والقضية ليست بسيطة بحيث نصدر حكماً مطلقاً بهذه الجهة أو تلك، بل إنها في غاية التعقيد، لأن الحضارة أساساً هي حالة معقدة، ولكننا نستطيع أن نقول ببساطة إن العقلية المضادة للعالمية لن تنجح في يوم من الأيام لأنها ضد حركة التاريخ.

لقد خلق الله الإنسان بحيث يكون هو قادراً على أن يتجه بفكره إلى الكون كله، وخلق له خيالاً مجنحاً يطير به إلى كل مكان، وجعله بحيث يستطيع أن يجلس في غرفة مغلقة الأبواب ويجول بفكره في الأجرام السماوية، بل وجعله قادراً على أن يصنع مركبات فضائية تحمل أجهزة تصوير لتصور الزوايا السحيقة في هذا الكون العظيم.

فالإنسان يولد عالمياً، ولكنه قد يجعل من نفسه قروياً فيما بعد.

إذن فحركة (العالمية) هي حركة صحيحة. بشرط ألَّا تؤدي إلى ذوبان الصغار في الكبار، والفقراء في الأغنياء، الأمر الذي يريده أصحاب النيات الشريرة ليبقى الأقوياء مسيطرين على كل شؤون الحياة، ويبقى الضعفاء مهيمناً عليهم من دون تغيير.

إن هذا العالم أكبر من أن تسيطر عليه دولة واحدة أو شركة واحدة. ففي الأمم المتحدة مائة وأربعة وثمانون دولة يمثل كل واحد منها عالماً قائماً بذاته. وهذه المجاميع من الأمم يتكلمون أربعة آلاف لغة، وكل ذلك يعني أننا لا نستطيع أن نفرض على هذا العالم لغة واحدة، ولا طريقة واحدة في الحياة، ولا اقتصاداً موحداً، ولا شكلاً موحداً للحضارة، ومن هنا فإن العولمة لا تعني بالضرورة توحيد الاقتصاد والحضارة ودمج الحكومات في بعضها بعضاً، بل لابد أن يتعاون الجميع ويتفاهموا ضمن المتغيرات، وضمن التمايزات، وضمن الاختلافات، وضمن تناقض المصالح.

إن العولمة لن تستطيع إلغاء الهوية للشعوب والمجتمعات، ولا إلغاء الديانات، كما أنها لا تستطيع إلغاء الحاجة للحرية وللوحدة الإقليمية.

فالعولمة وإن كانت تعمل على توحيد العالم حضارياً بفعل التقنيات الجديدة، فلا يعني ذلك أنها ستوحد العالم ثقافياً أو أنها ستقضي على الخصوصيات الثقافية، فما دام المرء يفكر ويتكلم ويتخيل، فهو يتفرد عبر أعماله الإبداعية وابتكاراته الأصيلة عن غيره من الناس، وبهذا المعنى لن تصبح الثقافة واحدة حتى في الولايات المتحدة الأمريكية التي تتصدر قوى العولمة، بل سيبقى المجال مفتوحاً أمام التكاثر المعرفي والتباين الدلالي، والتنوع البشري الخلَّاق.

والعولمة في شقها السياسي هي محصلة لتحولات كبرى في النظام العالمي الذي شهد انهيار دولة عظمى، واستفراد دولة عظمى أخرى بالشأن السياسي في الأرض، دون وجود منافس على مستواها بحيث يعيد التوازن للساحة السياسية في الوقت الحاضر، ولكن هذه العولمة مرشحة لكي تكون ضمن أقطاب مختلفة، وليس ضمن قطب واحد، بمعنى أن العولمة تتطلب ألَّا يكون هنالك استفراد من قبل دولة واحدة بالشأن السياسي، وإنما يكون هنالك تفاعل إيجابي، ما بين أقطاب مختلفة، وتتخذ مواقفها ضمن مصالح هذه الدول وتوجهاتها السياسية.

كما أن العولمة في شقها الاقتصادي محصلة بروز التكتلات الاقتصادية الكبرى، مثل السوق الأوروبية المشتركة، والأسواق الاقتصادية في جنوب شرق آسيا، والتغييرات العميقة في سوق العمل، وأساليب الإنتاج، وبروز القوى الصناعية الجديدة وسرعة النمو الاقتصادي في مختلف دول العالم.

ولكن الشأن السياسي والشأن الاقتصادي لا يمكن أن يكونا بعيدين عن الشأن الاجتماعي والإنساني، حيث هنالك مجموعة من القضايا المرتبكة كقضية الانفجار السكاني، وكقضية الفقر والمجاعة، والمشكلات البيئية العالمية المعاصرة، وقضية حقوق الإنسان، ومصادرة الحريات السياسية والمدنية، وتفاقم الفجوة بين الشمال الغني والجنوب الفقير، وكلها بحاجة إلى التعاون الكوني لحلها، والتعاون عالمياً لمعالجتها.

إن العولمة ستنكمش على نفسها إن اقتصرت على الجانبين السياسي والاقتصادي فقط، بينما ستنحى منحى سليماً إن شملت الجوانب الإنسانية الأخرى، وتعاونت الدول في المجال العلمي بالإضافة إلى المجال الاقتصادي والمجال السياسي.

إننا أمام ولادة لحظة حضارية جديدة من لحظات التاريخ البشري، والعولمة هي بنت كل التطورات التي سبقتها ولكنها لحظة تتداخل فيها الأمور أشد التداخل، ومليئة بكل الاحتمالات الإيجابية والسلبية ويمكن أن تأتي هذه الولادة (سليمة) إذا سلمت النيات والإرادات، كما يمكن أن تأتي (مشوهة) إذا لم تكن كذلك.

فإذا أردنا لهذه اللحظة أن تكون لحظة إيجابية في حياة البشر فلابد من الاهتمام بالجوانب الإنسانية في حياة الإنسان، بمقدار الاهتمام بالجوانب الاقتصادية والسياسية، ولابد أيضاً من التخلص من التعصب الأعمى لنمط معين من الثقافة، وعدم محاولة فرضها من قبل هذه المجموعة البشرية أو تلك، وتهميش الثقافات الأخرى لشعوب العالم.

إن ولادة العولمة تكون سليمة بشرط ألَّا تتوجه نحو (صدام الحضارات) أو أن توضع في نفق (نهاية التاريخ)، وإلا فإن العولمة ستكون بداية انهيار البشرية ضمن حروب إقليمية تجر معها العالم إلى أتونها. والحروب الإقليمية سرعان ما تتحول إلى حروب دولية، شئنا ذلك أم أبينا لأن ذلك من مقتضيات العولمة.

ثم إن على أولئك الذين يريدون للعالم أن يتجه اتجاهاً سليماً، أن يكونوا حريصين على السلام لمنع وقوع الصراعات، ونزع فتيل الانفجارات من حياة البشرية، كما لابد من الاهتمام بالتطورات الهائلة التي هي على وشك الحدوث في مجال الهندسة الوراثية وتغيير الجينات، وإذا لم تفرض القيم الأخلاقية بحيث تمنع هذه التطورات الهائلة من أن تستمر لصالح أصحاب النيات الشريرة فإن حضارة البشر ككل تكون في لحظة من لحظاتها المقلقة جداً.

وعلى كل حال فإن العولمة بحاجة إلى عقلية متطورة توازيها وتستطيع أن تتحملها وتمنع انهيارها أو استخدامها بشكل خاطئ، ولن يحدث ذلك إلا بالعودة إلى القيم الإنسانية العليا، والابتعاد عن التعصب والأنانية وحب الذات، حتى لا تأتي العولمة على حساب إنسانية الإنسان وعلى حساب القيم الحقة بحيث يترحم الناس على عصر الثنائيات والتحزب، ويتوقون إلى عالم القرى والأرياف المتناثرة والجزر غير المرتبطة ببعضها البعض، ويتمنون العودة إلى الماضي السحيق بعيداً عن كل التطورات الحضارية، وعن كل التقنيات والوسائل الحديثة.

إن العولمة المطلوبة هي عولمة التعددية، وليست عولمة الأحادية.

وعولمة الاعتراف المتبادل والتعاون المشترك، وليست عولمة الهيمنة.

وعولمة العطاء لا عولمة الأخذ.

وعولمة أن يربح الجميع، لا أن يربح البعض ليخسر الآخرون.

إن المجتمع في ظل العولمة سيكون سليماً حينما لا يفوز طرف على حساب طرف آخر، ولا يقوم تقدم طرف على حساب تخلف طرف آخر، ولا يقوم نجاح فئة على حساب فشل فئة أخرى، ولا ربح قوم على حساب خسارة قوم آخرين، إن النجاح الحقيقي قائم على قاعدة أن النجاح للجميع، والفوز للجميع، والربح للجميع. وبعبارة أخرى «اربح وربّح» وليس «اربح وخسّر» إذ ليس بالضرورة يجب أن تنجح على حساب فشل غيرك، ولا أن تفشل على حساب نجاح غيرك.

إن العولمة الخاطئة هي التي تقوم على فلسفة أن (ربح دولة) يتطلب بالضرورة (خسارة دولة) أخرى، وأن (نجاح شعب) يتطلب (فشل شعب) آخر، ولكي نتجنب ذلك لابد أن تأتي العولمة بعيداً عن التفكير الأناني في الذات والرفاهية على حساب الآخرين، فالحياة شركة تقوم على ربح الجميع أو انهيار الجميع.

أما العولمة في مجال السلام فإنه يتطلب عالماً بعيداً عن سباق التسلح النووي واحتكار التفوق من قبل دولة أو مجموعة دول على حساب مصالح دول العالم.

إن العولمة السليمة هي عولمة التخلص من عقلية الحرب الباردة، وسياسة حافة الحرب، وتوازن الرعب، وما شابه ذلك، والاهتمام بدل ذلك بالأخطار التي تهدد الأرض كلها كخطر التلوث البيئي الذي يزداد تفاقماً ويهدد الحياة على الكرة الأرضية، وتتطلب الاهتمام بقضايا حقوق الجميع، وإنجاح الجميع، والتعاون مع الجميع مما يعني أن العولمة بحاجة إلى (عقلية عالمية) وليس عقلية ضيقة تحاول أن تسخّر العالم لنفسها.

العولمة السليمة تتطلب التفكير في الحاضر بعقلية المستقبل، وليس التفكير في المستقبل بعقلية الماضي، ولا بناء نظام جديد على أسس أنانيات النظام العالمي القديم، إذ لا يمكن مجاراة التاريخ بالتعصب للذاتية الحضارية، والقوقعة داخل ثقافة معينة أو الانكماش في المصالح الخاصة.

إن الحياة تتطلب في ظل العولمة شفافية عالمية، وضميراً عالمياً، لأن العولمة فرصة جيدة من فرص التاريخ النادرة إذا بنيت بشكل صحيح، ووضعت البشرية في مسار جديد بحيث يكون القرن الواحد والعشرون قرناً نتخلص فيه عن حماقات البشر في القرن العشرين، لا أن نترحم فيه على القرن الماضي ونقول كما قال الشاعر:

رُبّ يوم بكيت منه، فلمّا

صرت في غيره، بكيت عليه

وفي مواجهة العولمة لا نستطيع أن نعتمد على سياسة الانكماش والانغلاق على الذات فهي قادمة على كل حال، كما لا يجوز أن نقبل بسياسة الذوبان كما يطالبنا به بعض غلاة الغربيين، بل لابد أن نفهم العولمة ضمن إطار التعددية والاحترام المتبادل، والتعاون المشترك، والأخذ من الآخرين أحسن ما عندهم، وإعطاء الآخرين أحسن ما عندنا.

المطلوب في العولمة هو تعايش التيارات، وتفاعلها، وتنافسها السليم، والانفتاح على الآخر.

إن علينا على أعتاب العولمة أن نودع ليس القرن الذي مضى من حيث الزمن، بل إن نودع تلك الأخلاق والصفات التي صبغته بلون قاتم نتيجة الحروب التي طحنت أكثر من مائة مليون إنسان، ومزقت الدول، وجعلت البشرية تنقسم إلى أغنياء متخمين، وفقراء معدمين.

يجب أن نودع عقلية الهيمنة والسيطرة، ونظام السادة والعبيد، وعقلية البحث عن عدو نقضي عليه، بدل البحث عن صديق نتعاون معه.

إن عقلية العولمة، بمعنى ثقافة البعد الواحد، والاقتصاد الموحد، والسياسة الوحيدة هي عقلية القرن الماضي، وليس عقلية القرن القادم، فلا التقوقع على الذات ممكن، ولا الاستسلام للهيمنة مقبول، ولا استغلال الأغنياء للفقراء يمكن أن يستمر.

وإنما الممكن، والمقبول، والمطلوب هو التحرك مع الآخر، وبالآخر، وللآخر. وفي سبيل ذلك لابد من تجاوز كل العقبات التي تمنع البشرية من التفاهم مع بعضها والترابط والتعاون، والعمل المشترك.

يجب التخلص من عقلية العنكبوت الذي يقيم نفسه منتصباً على حساب ضحاياه.

وحينئذ تكون العولمة واحدة من أهم قفزات البشرية في تاريخها العام.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] كتب البحث عند نهايات القرن العشرين، وتركنا العبارة كما هي للأمانة العلمية، لذا لزم التنويه. (المحرر).

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

أعلى الصفحة

إبحث