header basmaleh

 12w3e3r4

اجرت مجلة الشهيد حواراً مفصلا مع سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي دام ظله، تطرق فيه إلى مختلف الشؤون الثقافية والسياسية والاجتماعية، واضعاً النقاط على الحروف حول مجمل التطورات التي مرت بها الشعوب الإسلامية في العقد الماضي.. كما اعطى رؤآه المستقبلية الواضحة لتطور كافة مجالات العمل الاسلامي.

 

سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) 

حوار ورؤى في التغيير والانفتاح

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

  • اجرت مجلة الشهيد حواراً مفصلا مع سماحة آية الله السيد محمد تقي المدرسي، تطرق فيه إلى مختلف الشؤون الثقافية والسياسية والاجتماعية، واضعاً النقاط على الحروف حول مجمل التطورات التي مرت بها الشعوب الإسلامية في العقد الماضي.. كما اعطى رؤآه المستقبلية الواضحة لتطور كافة مجالات العمل الاسلامي.

مكتب سماحة المرجع المدرسي، ارتأى، ولتعميم الفائدة، ان يصدر هذا الحوار الطويل في كتاب ضم بين جنبيه ثماني فصول.
 

الفصل الأول

التغيير الثقافي أولا

 

رؤى في ثقافة التغيير

* الشهيد: يدور حالياً حوار ساخن حول أساليب العمل التغييري على الساحة الاسلامية، فهناك من يطرح الأسلوب الصدامي الثوري، وهناك من يتبنى أساليب هادئة في عملية التغيير كاعتماد الأسلوب الثقافي التربوي وشيئاً من العمل السياسي وغير ذلك من الأساليب.

المرجع المدرسي: هناك حكمة شائعة تقول (في البدء كانت كلمة) ونحن نطور هذه الحكمة الشائعة ونقول (في البدء كانت نظرية) فقبل أن يقدم الإنسان على تشييد البناء يجب أن يسبق ذلك اعداد مخطط وهكذا في حال المسير إلى هدف محدود لا بد من وجود خارطة مرسومة سلفاً توصل الإنسان إلى الهدف.

وصحيح انه قد يحدث وأن تبدأ من نقطة ما ولكن هذه النقطة مرتبطة بسلسلة من النقاط الاخرى ولا بد أن تتواصل وتتصل بها حتى تكتمل صورة المسيرة العامة نحو الهدف أما إذا كنت تبدأ من نقطة ما ثم لا تعرف النقطة التي تليها فقد تأتي تلك النقطة معارضة أولا أقل منافسة للنقطة الاولى فتكون الخطوات غير متكاملة وغير منتظمة وبالتالي يعيش الإنسان في حركة دائرية أو كما يقال في حلقة مفرغة.

تأسيساً على ذلك نقول، ان نظرية التغيير الناجحة هي النظرية الشاملة والمتكاملة تماماً كما أن خارطة البناء الهندسية التي تستبق عملية البناء يجب أن تحتوي على صفتين أساسيتين حتى يمكن اطلاق اسم الخارطة عليها وهما، الأولى هي التكاملية، بمعنى أن تكون هيكلية التخطيط للبناء متكاملة في كافة الجوانب بالنسبة للقواعد، والسقوف، والحواجز، والممرات، والغرف، والمرافق وغيرها وبتعبير آخر لا بد من الأخذ بنظر الاعتبار في حال رسم الخارطة تلك الأجزاء الأساسية التي تساهم في تشييد أصل البناء.

الثانية هي التناغم، بأن تكون حسابات الخارطة الهندسية للبناء قائمة على أساس موازين واقعية وعقلانية، فعلى سبيل الفرض إذا كانت مساحة غرفة النوم (16) متراً فلا يعني ذلك أن تصبح غرفة الطعام متراً واحداً أو إذا كان البناء يتكون من عدة طوابق فلا يعني اعتماد أساس بناء رخو وهكذا.

وكذلك بالنسبة لنظرية التغيير فحينما مصمم النظرية ذو أفق واسع وبعيد فسينعكس ذلك في رؤيته الواسعة لمختلف أبعاد الحياة الانسانية، في حاجات الإنسان وتطلعاته ومشاكله ومكاسبه وهكذا بالنسبة لعلاقاته وارتباطاته واختلافاته على حد سواء، وبالتالي نظرة الإنسان إلى بيئته وظروفه وما يعترض هذه الظروف من نقاط قوة وضعف وثغرات، وبصورة إجمالية ينبغي أن تكون هذه الرؤى ذات أثر كبير في مدى مصمم نظرية التغيير، فقبل الشروع في تصميم واعداد النظرية هناك معايير منطقية تفرض نفسها على طاولة التصميم بحيث يستطيع المرء بها إعداد الخطوة الأولى أو لنقل اللبنة الأولى للنظرية بطريقة تساهم في المستقبل البعيد في آخر خطوة أو آخر لبنة لبناء النظرية.

ولتوضيح هذه الفكرة نورد المثال التالي:

إنك حينما تريد أن تنشئ حركة سياسية يراد لها أن تضيف اهتمامات اخرى إلى جانب الهم السياسي كأن تهتم بالحالة الحضارية مثلاً أو بالحالة الدينية إضافة إلى جوانب مختلفة من حياة الإنسان أقول، إذا كانت هذه الاهتمامات مجتمعة تخالج همة الإنسان وتطلعه فان ذلك سينعكس أثره منذ اللحظة الأولى على تربية أول خلية في هذه الحركة بحيث تكون الخلية الأولى في حالة التوسع والانتشار والنمو ثم في حالة الوصول إلى مستوى قيادة الأمة فان هذه الخلية ستكون قادرة على تطبيق النظرية، وبالعكس تماماً في حال تشكيل خلية سياسية لعمل حضاري فسوف تصطدم وتتبعثر عناصر الخلية في أول مشكلة تواجهها وهكذا بالنسبة لخلية سياسية حضارية تهدف إلى ممارسة العمل السياسي الديني فان مصيرها الفشل.

عود على بدء نقول اننا حينما نصنع الخطوة الأولى لا بد أن يكون لدينا تصور كامل حول ما ننوي فعله في المستقبل، وهذه الطريقة هي ما نعني بها (النظرية المتكاملة).

وعلى ضوء هذه البصيرة التمهيدية يمكن الدخول إلى صلب جوابنا على السؤال المطروح ونقول، اننا حين نبدأ بعملية تغييرية للواقع الفاسد في الأمة الإسلامية لا بد أن نتصور أنفسنا أمام ركام هائل من الأحجار ومواد البناء الأخرى، فنقوم بدور المهندس في الاستفادة من كل ما هو موجود في هذا الركام حسب أهمية كل مادة في تشييد البناء وموقعها المناسب.

ونحن حينما نريد أن نرسم خارطة لعملية التغيير يلزم أن تكون هذه الخارطة متكاملة في كل الأبعاد، وهذه التكاملية تدفعنا للاحتفاظ بكل شيء، والأهم من ذلك كله هو كيف ومتى تستفيد من كل شيء في موقعه المناسب وحسب الظروف المستجدة.

اذن نحن نقول، ان الاساليب المختلفة في عملية التغيير ينبغي أن تكون موضع اهتمام كافة الحركات التغييرية في الأمة للوصول إلى حالة التكامل في العمل الاسلامي.

ثانياً: أن تحتوي نظرية التغيير على أساليب تكتيكية في حال التطبيق الواقعي للنظرية مثل، متى وكيف نستفيد من هذا الأسلوب أو ذاك، أي، متى نستفيد من أسلوب السرية في العمل؟ ومتى نستفيد من الأساليب العلنية؟ ثم متى نستفيد من التحدي؟ ومتى نستفيد من المرونة واللين؟ ثم متى نستفيد من الحالة الدينية؟ ومتى نستفيد من الحالة السياسية؟ وهكذا يقال بالنسبة للعمل الثقافي والعمل العسكري، والنظرية المتكاملة هي التي تشتمل على هذه الأساليب وتعرف كيف تخطط لها ومتى تستفيد منها؟ وفي المقابل فان هناك نظريات احادية في التفكير واحادية في التوجه بمعنى انها تصب كامل اهتمامها في جانب واحد بينما تغفل عن باقي الجوانب الأخرى، وهذه النظريات عادة ما تنتهي إلى الفشل، لأن الزمن يتبدل لذلك لا تستطيع هذه النظرية الصمود بالاعتماد على أسلوب واحد.

دعنا نضرب مثلاً من التأريخ الاسلامي فان النبي )ص( بعث في مجتمع جاهلي أمي، وحينما قام بعملية التغيير في المجتمع الجاهلي اضطر إلى أن يخوض ثلاث وثمانين حرباً بمعدل غزوة أو سرية أو مناوشة في كل شهرين، وبالرغم من ذلك فاننا نجد أن رسول الله )ص( في غزوة من غزواته يحدث الناس عن التفقه في الدين، حتى ليبدو للإنسان العادي هذا التساؤل وهو، أين تفقه في الدين من قعقعة السلاح وصدامات الجيوش ومشاكل التموين والجرحى و.. و.. الخ؟ إلا ان ذلك ممارسة عادية إذ أن القضية أكبر من ذلك لانها تمتد إلى كافة أبعاد الحياة الاجتماعية وهي قضية حضارية.

وقصة أخرى من حرب صفين بين الإمام أمير المؤمنين )ع( ومعاوية تقول إن أعرابياً قام يوم صفين إلى أمير المؤمنين )ع( فقال: يا أمير المؤمنين أتقول، أن الله واحد؟ فحمل الناس عليه وقالوا، يا أعرابي! أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب؟ فقال أمير المؤمنين )ع(، دعوه فان الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم، ثم شرع الامام )ع( في شرح وحدانية الله للسائل.

هذه القصة خلدها التأريخ لأنها نتيجة عمل حضاري، فاذا كنا لا ندري ماذا جرى في يوم الجمل؟ لا ندري من قتل؟ ومن استشهد؟ إلا ان هذه القصة تبقى شاهداً حياً وما زالت تساهم في تفسير القرآن الكريم.

إذن، فالعمل الحضاري يتمثل في شمولية جوانب العمل التغييري ولعل أحد الأسباب الرئيسية لخلود القرآن الكريم وهو شموليته واهتمامه بمجمل القواعد العامة أكثر من التفاصيل والجزئيات كون القواعد العامة ثابتة لا تتغير، وهذه المسألة مرتبطة بأساليب المرونة والشمولية وعدم الاحادية في التفكير.

 

نحو التواصل والتفاعل

* الشهيد: على ضوء الاختلافات الموجودة في وسائل العمل التغييري بين تيارات الحركة الإسلامية، هل لديكم وجهة نظر معينة في كيفية إيجاد حالة (الحوار) من أجل الوصول إلى الحالة التكاملية في إطار استيعاب كافة أساليب العمل التغييري؟.

المرجع المدرسي: فكرة جميلة ودقيقة في آن واحد، وبدل كلمة (الحوار) نقول حالة (التواصل) و(التفاعل) لان الحوار إنما يعني بالجانب النظري الفكري وليس بالضرورة أن يقتنع المرء بفكرة الآخر فقد يكون فعلي أنا في موقعي هو الواجب علي وهكذا عملك في موقعك هو المفروض عليك، فأين الاشكال في ذلك إذن؟

إنما ينجم الاشكال أولاً من عدم وجود حلقة وصل بيني وبينك حتى يمكن أن نصل إلى حالة التكامل من أجل أن تكمل الأعمال بعضها بعضاً، وغياب حالة التواصل والتفاعل بين جنبات الحركة الإسلامية وجهاتها ينشأ بدوره من مجموعة عوامل ولكن أبرزها هو عدم وجود النظرية الشمولية عند تيارات الحركة الإسلامية كافة، فعلى سبيل الفرض أنت الذي تقوم بدور العمل العسكري مثلاً ولا تمتلك نظرية واضحة في ان استمرارية العمل العسكري غير مضمونة الفائدة، إذا لم يعضده عمل ثقافي أو عمل سياسي وما أشبه، فانك لن تكون قادراً على إيجاد حالة التواصل والتفاعل في نفسك مع الآخرين.

وبالطبع فأن النظرية الشمولية بصورة مجردة لا تكفي لإيجاد حالة التواصل والتفاعل وإنما باضافة عاملين آخرين يمكن أن يوصلانا إلى الحالة التكاملية.

العامل الثاني هو النظام، ويعني وجود رؤية واضحة من جهة وقنوات للاتصال أو لنقل جسور التواصل من جهة أخرى، بمعنى ان الاختلافات القائمة حول أساليب العمل التغييري بين تيارات الحركة الإسلامية لا تعني بتاتاً عدم اجتماع هذه التيارات ضمن نظرية نجلس واحد أو ضمن نظرية انتخابات، أو نظرية أمامة ووجود قائد عام يلم شمل الجميع، ويعني ذلك بطريقة أو بأخرى وجود نظام يجمع شتات الأعمال التغييرية ويوجهها الوجهة الصحيحة، سواء إن نظام آخر يضمن خاصية الجمع بين مختلف تيارات الحركة الإسلامية.

العامل الثالث هو الحكمة، ولعل أبرز مصداقية للحكمة، هي (الاستفادة من كل عمل في موقعه) ولتوضيح ذلك نورد المثال التالي والأمثال تضرب ولا تقاس من واقع الأحزاب الاسرائيلية المختلفة حيث إنّ هناك أحزاب تقف إلى أقصى اليمين وأخرى تقف إلى أقصى اليسار، لكن مكتسبات هذه الأحزاب اليمينية واليسارية إنما تصب في رافد المصالح الاسرائيلية، وحتى بالنسبة للحزب الشيوعي الاسرائيلي سواء كان هذا الحزب ماوياً صينياً أو ماركسياً موسكوفياً فانه يقوم بدور الجسر في جذب دعم الحكومات الشيوعية لاسرائيل، بينما نجد في بلد إسلامي ما ان الحزب الشيوعي فيه يمارس دوراً جاسوسياً لحساب الاتحاد السوفيتي، وهنا بالضبط نقطة الافتراق وهي في أن يكون الحزب الشيوعي دعامة في الكيان الصهيوني بينما يكون همته في ذلك البلد الإسلامي هي في نشر الفساد والدمار.

وأقول قاطعاً، إن عملية تحويل التخريب والافساد إلى حالة إيجابية يعد من شأن الأمة الحية، ففي الأمة الحية لا يوجد قانون منع تشكيل الأحزاب ولا تشهر الحراب ضد المعارضين وانما تحاول الاستفادة من نشاطات المجتمع المختلفة وكل حسب موقعه وتقول، دعه يستفيد ويفيدنا أيضاً.

ولعل في إمكانية إيجاد حالة التواصل بين الحركات الإسلامية دور فاعل في الاستفادة من كل حركة في موقعها المناسب، فلتقم كل حركة بدور إيجابي تجاه باقي الحركات وهذا ما نحن في أمس الحاجة إليه اليوم.

إذن، نحن نلخص هذه العوامل الثلاث كالتالي:

العامل الأول: شمولية النظرية أو النظرة.

العامل الثاني: وجود النظام القادر على استيعاب وجمع تيارات الحركة الإسلامية.

العامل الثالث: الحكمة أو الاستفادة من كل عمل في موقعه.


 

 

 

 

الفصل الثاني

 

 

الثورة.. نظرية متكاملة

 

قراءة في النظرية الثورية

الشهيد: يفهم البعض مصطلح (الثورة) على أنه القيام بعمليات عسكرية كالتفجيرات والاغتيالات والعمليات الانتحارية وما أشبه فما هي النظرية الثورية التي تدعون إليها؟

المرجع المدرسي: للاجابة على السؤال أقول، إن شيوع بعض المفردات اللغوية قد يصبح أحياناً موضة أو (موديل) وهذه المفردات قد تستخدم بمعاني مختلفة، فمثلاً، إن مصطلح الديمقراطية قد تستخدمه الدول الغربية والدول الشرقية وربما بعض الحركات التحررية، وكل طرف، بالتأكيد يعني بها ما يريد حتى يصدق فيها قول الشاعر، وكل يدعي وصلاً بليلى.

ونفس الشيء يمكن أن يقال بالنسبة لمصطلح الثورية الذي شاع في عقد الثمانينات، أما ما أعني إنا بهذا المصطلح فهو، الاصلاح الجذري، أي بمعنى أن نعيد الإنسان إلى فطرته، والخليقة إلى شريعة الله وبمعنى آخر، أن نعيد خلق الله إلى شرع الله، وهذه النظرية الاصلاح الجذري تقوم على أساس إن أصل خلقة الإنسان سوية والأصل في الطبيعة هو الصلاح، وانما الفساد أمر طاريء سواء على الإنسان أو على الطبيعة، وان عملية إزالة الفساد الطاريء انما تتم عبر ما نسميه بـ (الثورة) أو بتعبير أشمل (الاصلاح الجذري).

 

التنظيم أداة التغيير

الشهيد: يبدي البعض رفضه للتنظيم، بينما يدعو إليه البعض الآخر بكل قوة ويؤكد على ضرورته. السؤال هنا هو، كيف تدعون إلى التنظيم؟ وما هي ملاحظاتكم حول العمل التنظيمي؟ خاصة وأن الساحة الإسلامية تعيش اختلافاً في أساليب العمل التغييري؟.

المرجع المدرسي: قبل الاجابة على ذلك أورد حديثاً شريفاً يقول: (كثرة النظر في العلم يزيد العقل) ونحن نستفيد من هذا الحديث في استنباط فكرة تقول، (إن كثرة النظرة في الأهداف تصلح الوسائل).

على ضوء ذلك فان مشكلة العاملين على الساحة الإسلامية، إنهم في حالة استرسال مع الوسائل بينما ينسون وهم يمارسون العمل، الهدف الأساسي والأخير من العمل.

وفي الواقع فان آفة العمل هي الجمود الفكري ومن جوانبه التقليد، والأحادية، وهذه آفة حقيقية وكبيرة.

ومن أعظم الأفكار التقدمية والمهمة في العمل هي فكرة (النية) ولو فهمنا هذه الفكرة بالمعنى الحقيقي والواقعي لاستطعنا رفع اشكالية الغفلة عن الأهداف، وهي تعني حاجتك إلى أن تستوضح بواعثك إلى العمل، وبتعبير الفقهاء بالنسبة للنية يقولون، انها معرفة الداعي أي التساؤل عما الذي دعاك إلى القيام بالعمل، فمثلاً، إنك حين تصلي لابد أن تتساءل، لماذا نصلي؟ هل للرياضة؟ أم كعمل تعودت عليه؟ أم لله سبحانه وتعالى؟

فإذا كنت تصلي لله ثم واجهت مهمة أخرى فعليك مثلاً أن تخفف الصلاة لا أن تتركها، ولكن البعض يقول، أنا أترك الجهاد لأنني أحافظ على صلاة الجماعة ولا أريد تركها!، فكيف يكون ذلك؟ بمعنى أن النية هنا غير واضحة وكذلك يكون الأمر بالنسبة للباقي الأعمال، فمثلاً ان ممارسة عملية التنظيم للأفراد يجب أن يسبقها معرفة الهدف من التربية التنظيمية، أما أن تدخل في عمل تنظيمي وتنس الهدف فقد يكون الاسترسال في التنظيم ينتهي إلى ولادة تنظيم مخالف للهدف العام بحيث يصل الأمر إلى أن تكون الوسيلة في حالة تضاد تام مع الهدف! لماذا؟

لأن التضاد دائماً ينشأ من أمور جزئية بسيطة وصغيرة، ولكن مع الوقت تتحول إلى كرة الثلج المتدحرجة، من قمة الجبل إلى أسفل الوادي، ولدينا أمثلة كثيرة في هذا الصدد، فمثلاً نظرية (التقية) التي تعد أقوى نظرية لمخالفة الطاغوت، كيف تحولت فيما بعد إلى نظرية للجمود والتواكل والتقاعس؟، وكذلك نظرية الرهبانية التي يقول عنها القرآن الكريم (ورهبانية إبتدعوها ما كتبناها عليهم).

وحسب فهمي لهذه الآية الكريمة وقد يكون مخالفاً لفهم البعض إن كلمة (ابتدعوها) لا تعني انها لم تكن موجودة ثم كانت، ولكن تعني انهم قاموا بتغييرها، فبدل أن تكون ابتغاء لمرضاة الله، اتخذوا منها ذريعة للهروب من ساحة الجهاد في سبيل الله.

ولعل الشاهد في تفسير الآية، رواية عن رسول الله )ص( تقول، انه بعد أن رفع الله المسيح )ع( إلى السماء سيطرت مجموعة من الحكام الطغاة على أتباع عيسى بن مريم )ع( فقسم قالوا، نحارب هؤلاء الطغاة إلى أن نفنى عن آخرنا، وقسم قالوا، نحارب ولكن بسلاح التقية كأن نقوم ظاهراً بمجاراتهم ونخطط واقعاً لشن حرب عليهم، أما القسم الثالث والأخير فقالوا، نهرب إلى الجبال وننتظر ماذا يحدث فيما بعد.

إن أؤلئك الذين هربوا إلى الجبال هم الذين ابتدعوا نظرية (الرهبانية) ولذلك تقول الآية القرآنية {ما كتبناها عليهم إلاّ ابتغاء..} بمعنى انها كانت مكتوبة عليهم لابتغاء مرضاة الله ولكن حينما تعرضت للتحريف والتبديل حادت عن الهدف.

أما عن جواب الشق الثاني من السؤال حول مسألة (التنظيم)، فانني أحاول هنا أن أعطي فكرة أولية في هذا الصدد وهي، ان التنظيم يتلخص دوره في رأيي في التوجه إلى اهتمام شخص بشخص آخر تربية وتثقيفاً، ويعد ذلك عملاً جيداً في ان يتم تعامل مجموعة من الناس مع بعضها في سبيل تحقيق أهداف إسلامية محددة تحت إطار تحرك تنظيمي، ثم القيام بنقل التجربة التنظيمية وتطويرها بأن يتم نقل تجارب الجيل الأول إلى الجيل التالي ومن ثم تدوير التجربة للوصول إلى حالة التنسيق والتعاون بين أجيال التنظيم.

أما إذا كان التنظيم يؤدي إلى اعتزال فئة ما عن الناس، أو أن يصنع في داخلها حالة من النظرة الذاتية أو ما يسمى بالتحزب الضيق كان يقودها إلى الانفصال عن الجماهير وعن العاملين في الساحة فتضفي على نفسها هالة من القدسية فيدعوها ذلك إلى التهرب من المسؤولية بسبب التعالي والنظرة النخبوية، فان هذا التنظيم لا يمكن أن يقود الجماهير ولا يصلح أن يكون إطاراً للتحرك الجماهيري نحو الأهداف الإسلامية.

وفي الواقع فان هذه المشاكل، أو دعنا نسميها ثغرات التنظيم، تخالف الهدف الذي وضع التنظيم من أجله إذ انّ التنظيم الواقعي والصحيح هو الذي يتمثل في هيئة البناء بقول الله عز وجل: {إن الله يحبُّ الذينَ يُقاتِلون في سبيلهِ صفّاً كأنّهم بنيانٌ مرصوصٌ} فعلى سبيل الفرض، إذا كانت قطعة من البناء هي منظمة في ذاتها ومتعاونة مع القطعة الثانية فان ذلك هو التنظيم المبارك، فالتنظيم كالدار يدور في داخله ويتعاون مع أهل الدار أكثر فأكثر ولكن لا يعني ذلك أن تشن الحرب على جارك، وإنما في الوقت الذي تشكل فيه وحدة إجتماعية بالتعاون مع أهل الدار، فان التعاون مع الجار يجب أن يشكل وحدة إجتماعية اخرى، وهكذا تتواصل الحلقات الاجتماعية الموحدة في اطار أوسع إلى أن يتكون المجتمع البشري المنظم الموحد وكما قال سبحانه وتعالى: {وجعلْناكم شعوباً وقبائل لِتعارَفوا} ويعني ذلك ان هدف التجمعات يتحدد في التعارف والتعاون مع سائر التجمعات الأخرى وليس الأنفصال عنها أو التحارب معها.

الشهيد: كيف يمكن تذويب الحواجز بين كافة التجمعات وابراز الهدف كمطلب رئيسي وفاعل في حركة العاملين دونما الانكباب على الوسائل؟

المرجع المدرسي: لعل جذور هذه المشكلة تعود إلى خصائص الإنسان وأبرزها خاصة النسيان وعلاج ذلك انما يتم عبر التذكير، ولذلك يقول القرآن الكريم: {فذكّر إنّ الذكرى تنفعُ المؤمنينَ}، بحيث تكون هناك مجموعة من الشعارات والممارسات والطقوس التي تساهم في عملية التذكير بالأهداف.

بالطبع، فان جزءاً كبيراً من المشكلة ينبع من غياب التواصل الفكري وشبه القطيعة بين العاملين في تذكير بعضهم بعضاً بصورة مستمرة بحيث يترك أثراً بالغاً على روحية الأفراد فيفقد العاملون الحماس والابتعاد عن الأهداف وفقدان الأمل في تحقيق الهدف كون العامل يعتقد بأنه الوحيد في ساحة العمل، وهذه نقطة في غاية الأهمية يقول عنها علماء النفس الاجتماعي وعلماء النفس الصناعي، إن وجود خمسة عمال في غرفة واحدة يقومون بعمل إنتاجي أكبر من في حالة لو كان كل عامل في غرفة، ففي الحالة الأولى يرى كل عامل صاحبه فيزداد روحية وتفاعلاً في تقديم جهداً مضاعفاً كما يشعر بلذة التنافس مع العمال الباقين وتكون محصلة ذلك زيادة في الانتاج، وبالعكس بالضبط معادلة الحالة الثانية.

ويصدق هذا المثال على العاملين في الساحة، فاذا علمت أنت أيها العامل ان اخوانك المؤمنين يقاسمونك العمل في سبيل الله فان ذلك يعد دافعاً لك في القيام بمهمات أكبر وأكثر.

أما إذا حدث أن قمت بعمل ما وكنت تعلم بأن هناك عاملين على الساحة غيرك فقلت مع نفسك شيء وأنا شيء آخر، هم جماعة وأنا جماعة، هم طائفة وأنا طائفة، بمعنى أن أميز نفسي عن الآخرين فان ذلك مدعاة للابتعاد عن الدافع للتحرك والهدف من العمل.


 

 

 

 

الفصل الثالث

 

 

مفاهيم حول العمل السياسي

 

مفهوم العمل السياسي

الشهيد: متى يكون الدخول في ميدان العمل السياسي مطلوباً ومتى يكون العكس؟

المرجع المدرسي: بين كافة الأعمال(التنظيم، الثقافة، العمل العسكري، التربية الخ) يبقى العمل السياسي الاطار العام لها، إذ تأتي الأولى امتدادات له، وحتى العمل العسكري يعد امتداداً لعمل سياسي، لأن القيام بمهمة عسكرية دونما خلفية سياسية تنتهي إلى الفشل.

إن القادة العسكرين هم في واقع الأمر ساسة كبار، فمثلاً شهدت مناصب وزارة الخارجية الأميركية عدداً من القادة العسكريين كان آخرهم الجنرال هيغ، بل ان الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية ايزنهاور صعد إلى سدة الحكم من خلال عمله العسكري في الحرب العالمية الثانية، وحتى ريغان كان يفتخر ببعض أعماله العسكرية.

على كل حال فانّ ممارسة العمل السياسي ليس محدوداً بزعامة أو مكان وانما تحكمه الظروف المختلفة، فقد ترتفع نسبة العمل السياسي وقد تنخفض، فمثلاً قد تكون نسبة العمل السياسي 20% بينما تكون نسبة العمل العسكري 50% والعمل الثقافي والاعلامي والفكري 20% والنسبة الباقية للعلاقات والعمل الجماهير والتنظيمي وما أشبه، وبالتالي فان مجموعة الأعمال هذه تدخل في اطار عام هو العمل السياسي ولا نقصد بذلك العمل السياسي حسب المفهوم الضيق كأن تعمل ضمن الأطر السياسية القائمة في الساحة الدولية وهي ذات وجهين:

الأول: أن تعمل ضمن الأطر القائمة ثم تتأطر بها وتتقيد بنظامها وحدودها إلى الأبد وهذا خطأ، لأن الأطر السياسية القائمة موضوعة لأهداف سياسية معينة وثابتة، وان الالتزام بتلك الأطر يفرض عليك الالتزام بتلك الأهداف أيضاً فما دمت لا تؤمن بتلك الأهداف في ظل الأطر السياسية القائمة فأنت على خطا عظيم.

الثاني: أن تستفيد من الأطر السياسية القائمة لا لتذوب فيها وتسبح في تيارها وانما لتصهرها في إطارات خاصة بك، وبمعنى آخر، هو أن تؤطرها لا لتؤطرك في سبيل تحقيق أهدافك أنت وليس أهداف أصحابك، ولعل أبرز مثال في هذا الصدد من الواقع الفلسطيني هو منظمة التحرير الفلسطينية التي تأسست من أجل أن تكون جهازاً تتعامل الدول العربية من خلاله مع القضية الفلسطينية، ولكن حينما دخلت المنظمات الثورية ضمن إطار جهاز منظمة التحرير الفلسطينية ليس لم تستفد من الاطار فحسب وانما قامت بتبديل الاطار لان الموجة الثورية أو الموجة الناهضة التي انطلقت من داخل الشعب الفلسطيني كانت أقوى من الاطار القائم.

الشهيد: هذا الحديث يصدق في حال لو كان هناك تعارض بين الهدف المرسوم والعمل السياسي الذي يفرض إطاراً معيناً قد يؤدي إلى التخلي عن الهدف والاستراتيجية نتيجة العمل ضمن الأطر السياسية القائمة، وإن مقاومة ضغط الاطارات السياسية القائمة استلزم إمكانية جديدة وأيضاً واجهة جديدة، فكيف يحدث الرجحان بين طرفي القضية والهدف وبين إمكانيات ووسائل العمل؟.

المرجع المدرسي: لكي أوضح الفكرة أورد مثالاً من التاريخ الإسلامي، ففي حرب صفين دعا الإمام (ع) معاوية وقال له هلم إلى مبارزتي ولا تفني العرب بيننا، أي ان الإمام (ع) كان يطلب من معاوية أن يتبارزا ويتحاربا دون الناس فأما أن يقتله أو بالعكس، وأضاف الإمام أن أينا يقتل صاحبه فهو أحق بهذا الأمر ولا داعي لقتال الناس.

تأسيساً على ذلك أقول، ان العمل السياسي قد يتحول إلى نوع من ميدان التنافس الحر أو كمباراة بينك وبين عدوك فانه المحك الحقيقي لسعيك وسعيه وجهادك وجهاده وجهودك وجهوده، فلو افترضنا أن حاكماً أعلن عن اجراء الانتخابات الحرة وأنت تتخذ موقف المعارضة منه فان خطوة الحاكم هذه عبارة عن تحدي لك وقراره الدخول معك في ميدان التنافس الحر، فاذا رفضت الانتخابات وقلت لا أقبل ففي الواقع أنت الذي اعتزلت السياسية تماماً كما فعل معاوية حينما رفض دعوة الإمام علي (ع) للقتال معه، ويدلل ذلك على وجود نقص فني، بالعكس تماماً فيما لو قبلت التحدي ودخلت ساحة الانتخابات واعتبرت ذلك الحد الفصل بينك وبين نفسك وليس ذلك معارضة للهدف وانما هو محاولة لاكتشاف قدرة التحدي وامكانية تطويرها وقد يحدث أحياناً أن تخوض غمار العمل السياسي وفي غضون ذلك تنسى الهدف، فمثلاً قد تواجه كمعارض ضغوطات مختلفة من السلطة الحاكمة فتمارس معك وسائل الترهيب وترغيب وربما تدعو إلى كذا وزارة، أو رئاسة برلمان أو منصب رفيع آخر مع بعض التغييرات الطفيفة، تماماً كما حدث بالنسبة لشاهبور بختيار إبان الثورة الإسلامية في إيران فقد كان بختيار معارضاً للنظام الشاهنشاهي ولكنه وقع في شرك ترغيبات الشاه المقبور فاصبح بختيار رئيساً لوزراء حكومة بهلوي ودخل ضمن لعبة النظام إلى أن احترقت ورقة بختيار، لماذا؟ لأنه قدم مصلحته خاصة وشخصية على مصلحة الأمة.

الشهيد: مسيرة العمل السياسي لا تسير على وتيرة واحدة، فقد تحدث تحولات سياسية تتبعه تحولات أخرى على سائر الأصعدة كتحول ثقافي مثلاً.. فهل التحول السياسي يفرض علينا التعامل مع التحول الثقافي أيضاً ام نقوم بصناعة موجة ثقافة مضادة؟ فكيف يجب أن تكون أساليب التعامل مع الموجات الجديدة في التحول.

المرجع المدرسي: سؤال دقيق وجدير بالاهتمام، وللاجابة على ذلك نقول، إن هناك ثلاث نظريات في التعامل مع الموجات القوية الهادرة التي تجتاح الساحة وهي كالآتي:

الأول: إعتماد موقف التحدي.

الثانية: الانحناء الموقت.

الثالثة: ركوب الموجة.

وبالطبع فان المواجهة غير صحيحة، وهنا نقطة مهمة أود أن أشير إليها وهي إن محاربتنا للطاغوت يجب أن تكون من أجل تحرير الإنسان وعليه فنحن لا نحارب البشر وهم ليسوا أعداء لنا وانما البشر أداة العمل، وحتى إذا كان لدى البشر نظرية خاطئة فان ذلك ليس سبباً لمحاربتهم وانما نحن نقوم بدور التوجيه والتذكير وننتظر من الزمن أن يكشف لهم ولنا وللتأريخ ان هذه الموجة كانت خاطئة أو صحيحة.

 

حول سياسية الانفتاح

الشهيد: كان الانفتاح سابقاً يدور حول كيفية اقتباس علوم الغرب وقد طبقه الحكام في بلاد الإسلامية وهكذا طبقه عدداً من المثقفين، وقد قال بعضهم باقتباس الحضارة الغربية بخيرها وشرها.

ما هي رؤية سماحتكم حول سياسية الانفتاح؟ وكيف تنظرون إلى التفاعل بين البلاد الإسلامية والغرب وحدود هذا التفاعل؟

المرجع المدرسي: هناك ثلاث بصائر تمهيدية للاجابة على هذا السؤال وهي:

الأولى: يقول (جب) المستشرق المعروف والذي قضى سنوات طويلة في البلاد الإسلامية وبالتحديد في مصر وكتب حول الإسلام كتاباً بعنوان (وجهة الإسلام) يقول: (إن التطور الحضاري في الشرق الأوسط لن يتم إلا على يد علماء الدين أولاً) وتعبير الشرق الأوسط أطلقه الغربيون على البلاد الإسلامية!

ومع قطع النظر عن المقدمات التي أوصلت جب إلى هذه النتيجة فانني أعتقد بصحتها ذلك لأن كل تطور حضاري بحاجة إلى عاملين: أ - الأصالة ب - الانفتاح.

ولان علماء الدين هم أكثر الفئات في البلاد الإسلامية أصالة واتصالاً بالجذور وأكثرهم استيعاباً للمكاسب التأريخية الحضارية فان الانفتاح بالنسبة لهم يقدم خدمة كبيرة للأمة لأنه يقوم على أساس معايير اسلامية ومقاييس سليمة في التمييز بين الخير والشر في الحضارات الغربية أو الحضارة الحديثة.

الثانية: تعدد محاور ومراكز الحضارة الحديثة اليوم بعد أن كانت أوروبا سابقاً هي محور الحضارة الحديثة قوى جديدة مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين وغيرها، وهذا التعدد في المحاور ساهم في تعداد الخيارات بحيث يستطيع أي بلد إسلامي تنويع مصادر الاقتباس والبحث عن أفضلها وأكثرها ملائمة لوضع الأمة.

الثالثة: في بداية إنطلاق الحضارة الحديثة غطت حالة من الانبهار العظيم بها على مساوئ حضارة الغرب وربما ظهرت هذه المساوئ عند قطاع كبير من المنبهرين على انها محاسن، ولكن مع استمرار موجة الحضارة الغربية بدأت تتكشف ثغرات كثيرة فيها كما ظهرت عيوبها ونواقصها سواء بسبب هجمة دول الغرب على بلاد العالم ولا سيما البلاد الإسلامية أو بسبب الحربين العالميتين الأولى والثانية، أو نتيجة بروز تيارات إصلاحية في العالم الغربي وإن غير ذلك من أسباب كثيرة جداً ليس هنا مجال ذكرها، فالانفتاح الآن على الحضارة الحديثة يختلف عن السابق إذ ان الانفتاح اليوم على حضارة أصبحت ناضجة بقدر ما، كما عرف خيرها وشرها وتميزت عناصر القوة فيها عن عناصر الضعف.

بعد بيان هذه البصائر الثلاث نقول، إذا كنا نعتمد على ركائز كافية للتمييز بين الغث والسمين في الحضارة والتي عادة ما توجد هذه الركائز عند علماء الدين بصورة أقوى وأبرز من غيرهم واذا ما تمكنا من تنويع مصادر الاقتباس في سبيل قطع الطريق أمام الوقوع في شباك التبعية السياسية أو التبعية الاقتصادية، وحتى تكون لدينا خيارات أكثر وأوسع وكذلك الحرية في تصويب أي منها، ثم إذا حددنا رؤية واضحة تجاه الحضارة الحديثة من خلال تجربتها الطويلة نسبياً وحذف الثغرات في جدار الحضارة، نقوم بعد كل ذلك بعملية التوجه إلى الاقتباس من الحضارة الحديثة والتي تحدد من وجهة نظري في أمرين:

الأول: التقنية العلمية المادية، وهذا الأمر ليس منسوباً إلى بلد أو فئة أو قوم فالعلم لكل عالم وهو ليس وقفاً أو حكراً على أحد أو بلد أو ما أشبه، الثاني، هي التجارب البشرية المتراكمة في مختلف الحقول الانسانية سواء مما يتصل بالسياسية أو الاقتصاد أو الاجتماع أو علم النفس أو ما أشبه من تجارب البشر المختلفة، هذه التجارب تسمى في عرف اللغة العربية بـ (الحكمة) وفي الحديث الشريف: {الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها} ويمكن بهذا المفهوم تحديد عملية الانفتاح.

الشهيد: أخذت كلمة الانفتاح في عصرنا الحاضر عدة مصاديق منحرفة، إنفتاحات اقتصادية وانفتاحات سياسية وحتى انفتاحات اجتماعية وأخلاقية، فحدثت جراء ذلك الكثير من المشاكل.

على ضوء وجهة النظر الإسلامية التي تفضلتم بعرضها ما هي مميزات هذا الانفتاح وحدوده خاصة على الصعيدين الاجتماعي والثقافي؟.

المرجع المدرسي: هناك مجموعة من الركائز تساهم في إعطاء صورة واضحة عن موضوع الانفتاح وهذه الركائز هي:

الأولى، ينبغي التمييز بين الانفتاح والتقليد، فالانفتاح ممدوح ومطلوب والتقليد مذموم ومرفوض لماذا؟.

لأن التقليد يعني بصورة أخرى أن تقتبس ما يفعله الآخرون على علاته وعواهنه، بينما الانفتاح يعني أن تقتبس قدر حاجتك وبما يتناسب ووضعك.

أضرب مثلاً لتوضيح الفكرة وأقول، حاولت بعض البلدان، بعد أن حازت على استقلالها، في التوجه نحو انتاج الصناعات الثقيلة فكانت النتائج فظيعة للغاية أدت إلى إنهيار في مستوى التصنيع، كما حدث ذلك للجزائر بعد الاستقلال حيث تصور رجال الحكم في الجزائر انهم في موقع ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، أو بريطانيا مثلاً في أيام الثورة الصناعية الأولى، في وقت كانت قضية مشروع الصناعات الثقيلة تحتاج إلى دراسة عميقة وافية لوضع البيئة، إضافة إلى حاجات السوق، وغير ذلك من الاعتبارات والحيثيات الواقعية.

إذن فان أحد أهم ركائز الانفتاح ألاّ يكون تقليداً للغير.


 

 

 

 

الفصل الرابع

 

عود على بدء

 

الثقافة محور التغيير

الشهيد: في ضوء البحث عن سياسية تنموية شاملة، بدأتم بالحقل الثقافي واعتبرتم الثقافة كمحور في تحريك عجلة التنمية والتغيير في جوانب المجتمع المختلفة، فكيف يكون موقع باقي الحقول الأخرى في سلم أولوليات التغيير؟.

المرجع المدرسي: في تصوري، ان الحقل الذي يعقب الثقافة هو حقل نظرية الحكم والادارة، على أساس ان الحكم يعني السلطة والنظام الحاكم، والادارة تعني طريقة التنفيذ في السلطة وماهية قنواتها.

ونستوحي هنا من كلام الإمام علي (عليه السلام) في عهده إلى مالك الأشتر حينما ولاه مصر الذي يقول فيه )ع(: {فالجنود باذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلاّ بهم، ثم لا قوام للجنود إلاّ بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقومون به على جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ويكون من وراء حاجتهم، ثم لا قوام لهذين الصنفين إلاّ بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكمون من المعاقد ويجمعون من المنافع، ولا قوام لهم جميعاً إلاّ بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم..الخ}.

إن ذلك يعني أن عملية بناء دولة قوية بحاجة إلى مال طائل حتى يمكن تقوية الجيش وهذا المال يعتمد بدوره على الاقتصاد القوي والأخير بدوره يعتمد على التحرك الفاعل وهذا يعتمد على حاكمية العدل ولماذا؟.

لأن في حالة قيام شخص ما بسرقة أتعاب وجهود الآخرين فهنا تحدث وقفتان في الحضارة:

الأولى: عند من يعمل ويسعى، لأنه يرى أن سعيه يذهب سدى، فلماذا يسعى إذن؟ فيتعلم هو أيضاً بشكل من الأشكال كيف يسرق من العمل ما دام غيره أيضاً يقوم بنفس العمل.

ومثال ذلك الضرائب العالمية التي تفرضها الحكومات الظالمة على الناس بحيث تدفع الناس (وفوق كل ذي علم عليم) إلى البحث عن طريقة لسرقة الحكومة، وهذه من أشد مشاكل الحكومات النامية إذ انه كلما تصاعدت الضرائب كلما ارتفعت ألسنة السرقة والرشاوي، بل إن هذه المشكلة ظاهرة حتى في الاتحاد السوفيتي، فبعد (60) عاما من الاشتراكية يقول خبراء الاقتصاد السوفييت ان الاقتصاد يشرف على الانهيار، بسبب السرقة المتبادلة والمرتفعة مما يعني قلة العمل في المصنع والمزرعة وما أشبه لأن جميع العمال يتعرضون إلى السرقة الرسمية وغير الرسمية فهم بدورهم يقومون بتمثيل نفس الدور.

الثانية: وقفة عند من يسرق، ولأنه يسرق فلا يجد حاجة للعمل والسعي، ومن هنا تبدأ حركة الانهيار، ليس في اقتصاد الأمة فحسب، بل في كافة أبعاد الحضارة.

ثم إن نظام الحكم والادارة الذي يأتي في الدرجة الثانية بعد الثقافة في عملية التغيير الشاملة بحاجة إلى أمور ثلاثة وهي:

أولاً: وجود جمهور يحمل صفات الوعي والشجاعة كما يتحمل مسؤولية الدفاع عن مكاسب حضارته وقيمه وثقافته؟

وفي الواقع فاننا إذا نظرنا إلى فساد أي نظام حكم في العالم نجد أن الفساد لم يقع على النظام نفسه بقدر ما هو واقع على ذلك المجتمع الذي يقبل بذلك الحكم، فحينما يكون المجتمع مجتمع الترهل والكسل والظلم الداخلي والتفرق والخذلان، فانه يقع بالتأكيد تحت هيمنة النظام الظالم، (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً).

إذن، ينبغي أن نتقدم بالواقع الاجتماعي بقفزات بعيدة في هذا المجال، لأن الاشكال العريض المطروح اليوم هو في عدم وجود تنظيمات كافية، وعدم وجود وعي سياسي وحركي يأوي الجماهير، وأيضاً عدم وجود شجاعة كافية بالشكل المطلوب، وهذه في الواقع ثغرات يدخل منها اللصوص للسيطرة على الحكم بالاعتماد على سياسية الظلم والارهاب.

وحقيقة الأمر والحال هذه إن من أبرز وظائف أي حكومة عادلة هي أن تقلل من مساحة سيطرة الحكومة وتضاعف من قوة المنظمات والمؤسسات الجماهيرية، ذلك لأن هذه الحكومة قد تتعرض إلى الاهتزاز مع الزمن إن لم تكن تستند إلى المنظمات والمؤسسات الجماهيرية واذا افترضنا أن الحكومة سقطت بسبب قاهر فان وجود هذه المنظمات والمؤسسات الجماهيرية ضمان إلى عودة الحكومة أو على أقل التقادير تخفيف قوة الصدمة في المستقبل.

ولكن، تلك الحكومة التي يكون همها الأول، في سياستها الادارية، هو تقوية الحكم على حساب المؤسسات الجماهيرية، فان هذه الحكومة في الواقع تقطع جذورها بيدها وحينما تسقط لا تثير اهتمام أحد، وفي تصوري، فان هذه القضية حساسة للغاية، حيث نجد في حياة المجتمع أمثلة في هذا السبيل. فمثلاً، ان الأب وبحكم انه هو الذي يقوم بتقوية أبنائه لأنه يعلم بأنه سيضعف غداً فحين ذلك يحتاج إلى دعم أبنائه وسيحصل منهم على ذلك بينما ذلك الأب الذي يقوي نفسه على حساب أبنائه، فانه يبقى غداً دونما سند ودعم.

إذن السبيل إلى تأسيس نظام صالح، يعتمد على تربية المجتمع على الوعي والتنظيم والشجاعة والتصدي حتى يمكن صناعة الحضارة.

ثانياً: وجود قوانين تحتوي على نسبة عالية من العدالة والقيمية في نظام الحكم والقضاء، ففي عالم اليوم نجد ان الحكومات والأنظمة الطاغوتية تعتمد قوانين فيها نسبة من القيم وذلك لأن هذه الأنظمة لا تستطيع تشريع قانون ظالم مائة بالمائة الأمر الذي يلقي رفض العرف العام.

والمشكلة الأساسية هنا تكمن في عملية تنفيذ قوانين ومدى مطابقة هذا القانون على هذه المفردة التنفيذية، فالقوانين البشرية لا تأخذ اليوم حيز التطبيق حتى عند واضعيها، بل أن العالم الأول يعيش مشكلة ذاتها، فمثلاً قانون حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية غير معترف به في الجانب التطبيقي بالرغم من صدور هذا القانون يبقى معلقاً حين تصطدم المصالح الأمريكية مع حقوق الشعوب الأخرى.

ولكن قد يطبق هذا القانون في داخل أمريكا لوجود القضاء القوي، ففي حال تعرض أمريكا إلى مشكلة ما، يكون القضاء صاحب الدور الأكبر في التعامل مع المشكلة والبت في جزئياتها.

إذن القضية الأساسية هي تقوية واستقلال القضاء حتى يمكن للجماهير أن تعرض مشكلها ومطالبها للنظام الحاكم من خلال جهاز القضاء.

وان وجود قوة قضائية مستقلة في أي بلد يعد في الواقع ضمان لعدم الاعتداء على حقوق الناس وبالتالي إرساء لقواعد الأمن والسلام في المجتمع، فحينما يشعر الإنسان إن هناك جهازاً يضمن له الحماية فلا يحتاج مثلاً إلى السرقة خوفاً من عقوبة السرقة فقط وإنما يقوم كذلك للاعتقاد بان حقه مصان وغير مغصوب أما إذا علم أن حقه مغصوب فانه بلا شك سيقدم على ممارسة السرقة.

ثالثاً: تحديث وسائل الادارة حسب تطور الظروف والمتطلبات المرحلة، ولعل ضرورة ذلك تأتي من أمرين أساسيين وهما:

الأول: ان المشكلة الادارية في بلدان العالم بما فيها البلدان المتقدمة هي ان الجهاز الاداري يصاب بالهرم وقوانينه بالية وقديمة وأشبه ما يكون الجهاز الاداري برجل طاعن في السن، كما ان هذا الجهاز موضوع بحيث لا يقبل التطوير والتعديل فيبقى يغزوه الشيب حتى لو تراود عليه أجيال الشباب.

ولذلك يجب أن يجري تعديل على الأجهزة الادارية، كأن تتم عملية تجديد بين فترة وأخرى في داخل الأجهزة الادارية وذلك باتاحة الفرصة لكفاءات جديدة بالصعود في سلم الجهاز الاداري، كأن تبدل مثلاً طبقة المدراء القدامى بمدراء جدد لأن كل جيل بحاجة إلى مدراء بمستوى طموحاته ومطالبه من جهة وحتى يدخل الجهاز الاداري في الدورة الحضارية للمجتمع بشكل فاعل من جهة أخرى.

الثاني: ان كثرة القوانين تفسد الادارة وتساهم في تأخر العملية التنموية للمجتمع، وإنما الطريقة الفضلى هي في وضوح الاستراتيجيات والأهداف ومنح أعضاء الجهاز الاداري صلاحيات واسعة بعد عملية انتخابات مشروعة للأعضاء في جهاز الادارة.

فان كان بلد ما تسود فيه عشرات القوانين الصارمة والمعقدة والروتينية، فان ذلك يقيد حركة أبناء المجتمع كما ان هذه القوانين تشكل ضغطاً على المتعاملين معها من أعضاء الجهاز الاداري بحيث لا يدري هذا العضو الاداري متى يتم تطبيق هذا القانون ومتى يعلق وكيفية طريقة تطبيقه وتعليقه، ولكن الطريقة الصحيحة في العمل الاداري هي القائمة حسب المثل العربي (أرسل حكيماً ولا توصه)، فاذا لم يكن حكيماً وقدمت له وصايا كثيرة فانه يخرب وقد يطبق عكس الوصية.

ولعل الواقع يشهد بذلك حيث أن الظلم الواقع على الناس هو ليس من سوء القانون وإنما في جل الأحيان من سوء تطبيقه، فمثلاً يرى ذلك الموظف أن تطبيق القانون يكون ساري المفعول في حال حصوله على رشوة مالية، فاذا لم يحصل عليها فانه يكشر عن أنيابه ويسلط سيف القانون على ظهور الناس.

بينما النظرية الادارية السليمة تقول للموظف، انه يجب عليك أن تقوم بعملية تقدير وتقييم لمشاكل الناس، فاذا رأيت مثلاً فلاناً من الناس يستحق صفة المجرم فاعمل بما يقتضيه القانون، أما إذا وجدت فيه البراءة أو كان خطأه أو ذنبه لا يجعله في عداد المجرمين فلا يجوز التعامل معه بقانون الاجرام.

والمشكلة هنا أن كثيراً من المجرمين ظاهراً هم في حقيقة الأمر أناس أبرياء طيبون ولكن دخلوا السجن فاصبحوا مجرمين بالفعل والسبب في ذلك أن السجون في بلادنا تخرج مجرمين، خاصة تلك السجون المختلطة.

من هنا تنبع ضرورة المرونة في القوانين الادارية بعد تقليص عددها من خلال إعطاء صلاحيات واسعة للجهاز التنفيذي في الادارة على أساس الاستراتيجيات والأهداف الواضحة والمشروعة.

تأتي بعد ذلك أولوية أخرى في سياسة البناء والتغيير الشامل، وهي التنمية العلمية وذلك بالتأكيد على تأسيس المختبرات ومراكز العلوم التجريبية وبناء الجامعات والمعاهد ومراكز البحث والتوثيق وهذه تساهم في تطوير المصانع والمعامل.

أقول ذلك، لأن أولئك الذين أكدوا على العمل فشلوا، لأن العمل يرتبط بمقدمات أساسية أكثر أهمية من العمل نفسه والجانب العلمي هو أبرز مقدمات العمل.

ونأتي على نقطة أخرى وهي نظرية الجزر على طريقة نظرية الجزر الصناعية المتعارف عليها في العالم وتختلف نظرية المد الصناعي عن نظرية الجزر الصناعية في أن الأولى تقول، دع الجماهير تنمو وتنمو حتى تصل إلى مستوى الصناعة والتطور والتنمية.

أما نظرية الجزر الصناعية فتقول، إن العالم غير قابل للتوقف والانتظار حتى يتيح للجماهير فرصة النمو والتطور، وإنما يمكن تحقيق التقدم عبر إقامة جزر أو مدن أو مجموعة شركات صناعية، وهذه تقوم بعملية التطور والتوسع حتى تستوعب كافة شعوب العالم.

وهنا أطرح نظرية ثالثة هي مزيج من النظريتين السابقتين وأقول، إننا لسنا في غنى عن الجزر الصناعية ولكن كقضية اضطرارية نجعل من الجزر الصناعية وسيلة لتحقيق الهدف الأساسي وهو المد الصناعي، ولتوضيح فكرة النظرية الثالثة نورد مثالاً لذلك، وهو أن قسماً كبيراً من بلدان العالم العربي ركزت الاهتمام بالصناعة قبل الزراعة، وكان ذلك خطأً فظيعاً بحيث كانت البلدان تولي المدن إهتماماً أكبر من القرى، في حين ان المشكلة تأتي فيما بعد، إذ إن الاهتمام بالمدينة يقود إلى إفراغ القرية ثم يتبع ذلك مشكلة ثانية وهي مشكلة الازمة السكانية التي تأتي من اكتظاظ المدن بالسكان وبذلك تمتص اهتمامات الدولة في تلبية حاجات سكان المدينة فتبقى القرى تعيش مشكلة التخلف والجهل وما أشبه.

إذن نحن بحاجة إلى أن نبدأ بتطبيق نظرية المد الثقافي، والمد الحضاري، والمد الصناعي من القرية وذلك عبر برامج التلفزيون التي تتحدث عن الصناعة والتغيير والثقافة وما أشبه، إلى جانب كما قلنا تطوير الصناعات والشركات الكبرى والمعاهد والجامعات، ولكن المهم والأصل هي نظرية المد.

وهنا تطفو إلى السطح نظرية أخرى، هي نظرية الصناعات المتميزة لكل بلد، كون أن دولة واحدة من دول العالم لا تستطيع أن تتقدم في الصناعات وذلك مستعبد جداً بما في ذلك الدول الصناعية الكبرى على أن تكون الأولوية في الصناعات المتميزة للأستهلاك الداخلي والصناعات الخاصة بالبلد، فمثلاً، يوجد في البلدان النفطية كميات كبيرة من الغاز الذي يساهم في العمليات البتروكيميائية ولذلك يجب أن تتميز هذه البلدان في الصناعات البتروكيميائية، وفي بعض المناطق التي لا تمتلك زراعة متقدمة عليها أن تهتم بالصناعة الناشئة كونها ترتبط بالزراعة بألوان مختلفة، وان مثل هذه الصناعة يجب أن تكون متميزة خاصة بالنسبة لبلد يمتلك موارد مالية متعددة.

أعود وأقول ان الصناعة المشتركة في كل دول العالم هي صناعة الإنسان وأن الاستثمار الحاصل بالنسبة إلى الإنسان مهما كان كثيراً فانه لن يؤدي إلى الخسارة.

وإنما الخسارة نجدها ظاهرة في فقدان عنصر الإنسان، فمثلاً كانت مجمل الزيادة في الدخل القومي لبلدان العالم الثالث خلال سنة واحدة هي (54) مليار دولار بينما كان مقدار الخسارة في هجرة العقول من بلدان العالم الثالث إلى البلاد المتقدمة بلغت (60) مليار دولار.


 

 

 

الفصل الخامس

 

 

 

الجمهورية الإسلامية.. مرحلة جديدة

 

الجمهورية الإسلامية وإعادة البناء

الشهيد: بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إيران والعراق، دخلت الجمهورية الإسلامية في إيران مرحلة جديدة من إعادة البناء، في تصوركم من أين يجب أن تبدأ إيران إعادة البناء؟.

المرجع المدرسي: إنني أعتقد بوجود نوعين من إعادة البناء:

1 بناء ما خربه نظام الشاه البائد وما أوجده الغرب من حالات التبعية والتقليد والعلاقات غير القيمية.

2 بناء ما خربته الحرب المفروضة على الجمهورية الإسلامية في إيران.

وكلا النوعين يكمل أحدهما الآخر في عملية إعادة البناء الشاملة للدولة الإسلامية، أما من أين تبدأ عملية إعادة البناء؟. وما هي الأولويات في مشروع إعادة البناء؟، بمعنى هل يجب أن نقدم جانباً على آخر؟، أم هل نبدأ إعادة البناء الاقتصادي، ام الاجتماعي، ام الثقافي؟، وهذه كلها بالتأكيد تمثل مجمل التحديات الحضارية، إذن فمن أين نبدأ؟،

في البدء أقول، ان الحديث في تصوري عن قضية إعادة البناء حديث ذو شجون كثيرة للغاية، ولذلك سنحاول الولوج فيه على استحياء ونقوم بعرض بعض النقاط المبدئية والمهمة في هذا الصدد.

أولاً: كما قلت قبل قليل حول النظرية التغييرية، فان عدم وجود نظرية متكاملة في البناء قد تحول عملية البناء إلى كارثة، والتكاملية في نظرية البناء تعني أن تكون كافة الجوانب الاقتصادية والثقافية والتربوية وما أشبه ضمن مخطط مشروع لإعادة البناء وأن وجود نظرية تقتصر على بناء نظام الحكم أو البناء الاداري قد تصبح ليس معوقاً فحسب وإنما قد تصبح سبباً للأنهيارات في الجوانب الأخرى.

إذن النظرية الأحادية في إعادة البناء ليست كافية وصحيحة وإنما المطلوب نظرية متكاملة تهتم بمختلف الأبعاد.

ثانياً: قبل البدء بعملية إعادة البناء هناك سلم أولويات في ذلك، فنحن أمام عدة خيارات بين أن نبدأ بالجانب الاقتصادي، أو الثقافي، أو السياسي، وما أشبه، وهذه الجوانب تؤثر في تغيير المجتمع نحو أي اتجاه، فأي من هذه الجوانب، يا ترى تأخذ المقام الأول في سلم أولويات إعادة البناء؟ وأي منها تأتي في النهاية؟ علماً بأنه مبدئياً يمكن القول بان أي جانب يؤثر في الجانب الآخر، ذلك ان الإنسان كل متكامل وان أي جانب من حياته يؤثر في الباقي الجوانب ويتأثر بها، فمثلاً ان تغيير الانتاج ووسائل الانتاج يؤثر في فكر الإنسان بنسبة، كما أن تغيير فكر الإنسان يؤدي إلى تغيير وسائل الانتاج أيضاً بنسبة، ولكن أي نسبة أكبر من الأخرى؟ هل نسبة تأثير وسائل الانتاج على فكر الإنسان أكبر؟ ام نسبة تأثير فكر الإنسان على وسائل الانتاج؟

كان الجدل قائماً سابقاً على أيهما يؤثر وأيهما لا يؤثر؟ ونحن نقول ان المسألة ليست في التأثير وعدم التأثير، إنما نقول بنسبة التأثير إذ لا ريب ان كل شيء يؤثر في كل شيء ويتأثر من كل شيء في هذا العالم ولكن بأي نسبة.

يبدو لي ان العمل الأساسي في التأثير هو العامل الثقافي، ولا أقصد بالثقافة هنا مفردات الثقافة بأن يكون هناك إنسان مثقف وآخر غير مثقف، وهذا قرأ (50) كتاباً وذاك (20) كتاباً، كلا، إنما اقصد بالثقافة، نوع النظرية الثقافية التي يقتنع بها الإنسان ويتفاعل معها وليس كمية الثقافة أو مفرداتها.

ويعد نوع الثقافة أهم عامل من عوامل التي كان ينبغي وما زال الاهتمام بها في عملية إعادة البناء، وذلك لان هذه العملية سواء كان من مفاهيمها تغيير ركائز الغرب الثابتة في بلادنا أو القضاء على الجهل والتخلف القديم أو إصلاح ما أفسدته الحرب أو ما أشبه، وهذه العملية بحاجة إلى خطة بناء واحدة وصحيحة وشاملة حتى يمكن تحقيق هذه الأمور، بمعنى آخر أن لا نقوم بعملية فصل بين أهداف البناء، فعلى سبيل المثال لو أن إنساناً أراد تجديد بناء بيته فهدم البناء السابق ثم قام بعملية التجديد في البناء وبدل المواقع السابقة (غرفة النوم والصالة والسلم والمجلس) وطال التعديل والتبديل كل أجزاء البيت، ولكن دونما تفكير من صاحبه في ان الحجارة التي تم رفعها كيف وماذا كان سابقاً؟، قد يتبادر إلى ذهنه مباشرة، الجواب وهو أنه لا علينا ماذا وكيف كانت سابقاً، دعنا ننظر إلى الإمام ونتطلع نحو المستقبل الأفضل الذي نسعى في بنائه ونترك جانباً التوغل في سلبيات الماضي وفي الحديث عنه وعن جدلياته واشكالاته فالمهم الحاضر والمستقبل.

والأولوية الثقافية إنما تأخذ موقعها في البناء، في وجود ركائز موجزة ولكن واضحة ومتكاملة بحيث تشمل مختلف أبعاد الحياة حتى يمكن القيام بعملية تغيير جذري في الأمة.

وفي الواقع، فاننا نحن المسلمون، نمتلك ثروة طائلة جداً وهي القرآن الكريم الذي هو كنز من كنوز الجنة، بل أكاد أقول كل كنوز الجنة كما نمتلك تجارب هائلة، ولكن الشيء الذي نفتقر إليه هو كيفية الاستفادة من كل ذلك في الوقت الراهن، ونحن نعيش وضعاً أشبه ما يكون بوضع مريض يعيش في متجر يحتوي على عشرات الألوف من الأدوية ولكن هذا المريض بحاجة إلى طبيب يصف له الدواء المناسب لمرضه.

والقرآن الكريم إنما هو علاج لكل داء بينما نحن ضيعنا الدواء وبالتالي ضيعنا تلك الآية التي تعالج بالتحديد هذا الداء.

وحاجتنا إلى الإمام والى القيادة الرشيدة تنبعث من كيفية تغطية هذه الحاجة من خلال الاستفادة من ثروة (القرآن الكريم) وإنما جاء القرآن الكريم لتغطية مثل هذه الحاجات،وليست تلك الحاجة ذات العلاقة بمعرفة فروع الدين أو بعض مسائل الثانوية، وإنما الحاجة الماسة تتمثل في الحاجة الفكرية إلى الإمام والقائد مثلاً.

على ضوء ذلك نستطيع أن نحدد نوعية الثقافة المراد نشرها في أوساط المجتمع، فهل هي قائمة على اساس الانغلاق الثقافي ام الانفتاح الثقافي؟ ثم هل نشجع الناس على الصناعة والتصنيع ام على الوسائل القديمة؟ ومتى يكون هذا ومتى يكون ذاك؟ وكيف يجب أن تكون علاقتنا مع الآخرين؟ وضمن أية معايير وبأية مقدار؟ وكيف تكون الثقافة التربوية للناس؟ هل على اساس دفع الناس إلى النشاط ام الترهل؟ وهل على اساس الطاعة أو الحرية؟ ومتى هذا ومتى ذلك؟

وبصورة أكثر وضوحاً نقول، اننا بحاجة إلى رؤية كافية واضحة لمجموعة من الأمور تساهم في إعادة البناء الشخصية حسب الحاجات والظروف والأمراض القائمة حالياً.

الشهيد: إذن يمكن أن نفهم أن ذلك دعوة إلى ثقافة توعوية؟

المرجع المدرسي: نعم وهذا أصل الثقافة، هذه الثقافة التي تساهم في دفع مسيرة الأمة في كافة أبعاد الحضارة، وهي بالتحديد الثقافة التي نحن بحاجة إليها في عملية إعادة البناء، فعلى سبيل المثال، أن تدخل الثقافة في بلورة حركة الاقتصاد بل وتحديد هويتها، هل هو اقتصاد الاستهلاك ام اقتصاد الانتاج، هل هو اقتصاد التقشف ام اقتصاد الترف و(الكماليات)؟ ثم، متى يكون المال حراماً؟ هل حين تجمعه من كد الآخرين ام أن حلية المال متوقفة على جمعه بأية طريقة؟ وأيضاً، ما هي نظرتنا إلى الموارد الطبيعية (الأرض والماء والمعادن وما أشبه؟) وكيف يجب أن نحافظ عليها والتعامل معها؟ ثم كيف نجمع بين التوجيه في الاقتصاد وبين عدم التواكلية، أو بتعبير آخر كيف نجمع بين التوجيه والمبادرة، فهل نلغي المبادرات والحريات الاقتصادية في سبيل الابقاء على الاقتصاد الموجه؟ فاذا تم تحديد إجابات ثابتة وصريحة لتلك التساؤلات يمكن استخراج محصلة أولية من معالم تلك الثقافة على أساس أهداف مرسومة سلفاً والمتمثلة في إعادة بناء الإنسان، من إنسان خامل مستهلك، حدّي المزاج، يرفض الحوار والتفاعل والتواصل إلى إنسان نشط ومنتج، يؤمن بالحوار والتفاعل والتواصل، وبالتالي من إنسان مختلف إلى إنسان حضاري، وهذا يأتي نتيجة معرفة المفردات الثقافية القادرة على إشعال فتيل التغيير في داخل الإنسان وعلى أحداث إنقلاب جذري في شخصيته ومسيرته في سبيل صياغة شخصية فاعلة، إيجابية تتخذ من التراث الثقافي زاد السعي والاجتهاد والعمل الدؤوب، وليس العكس، بأن تتكل على ثقافتها في تبرير الجمود والنكوص والتواكل.

هذه المسائل هي في الواقع تشكل العمود الفقري في البناء فيما لو استطعنا تحديد الركائز الأساسية في الثقافة التغييرية، وهذه الثقافة نستطيع بها بناء الحقول الأخرى الاقتصادية والصناعية والاجتماعية والاعلامية والسياسية وما أشبه.


 

 

 

 

 

الفصل السادس

 

 

مجتمع التغيير

 

الثقافة الإسلامية والمجتمع

الشهيد: كيف يمكن إدخال قيم الثقافة الإسلامية التغييرية في عملية بناء المجتمع الذي يموج بثقافات فاسدة؟ ثم هل هناك إمكانية إخراج المجتمع من شرنقة الثقافات الفاسدة.

المرجع المدرسي: في تصوري أن بلادنا الإسلامية تضم ثلاث تيارات ثقافية متداخلة ومختلطة، وهذا التداخل والاختلاط في ضرر البلاد الإسلامية وليس العكس والتيارات الثلاثة هي:

أ التيار القشري.

ب التيار الدخيل الاجنبي (الغربي).

ج التيار المصلحي أو الواقعي.

أو بتعبير آخر التيار المرتبط بالافرازات اليومية للثقافة السوقية.

ومن أجل توضيح فكرة الأنواع نسوق الأمثلة التالية على ذلك:

فالتيار القشري يقول، انه لا حاجة للعمل فلتعش وانظر ماذا يحدث، أو حسب المثل الشعبي الشائع (عيش وشوف).

أما التيار الغربي فيقول، عليك أن تفكر في بناء مستقبلك فأنت لست معنياً بأحد أو أمر ما.

أما التيار المصلحي فيقول لك، إنما تؤخذ الدنيا غلاباً وأن الحلال ما حل باليد سواء كان ذلك عن طريق مشروع أو غير مشروع حسب المنطق الميكافيلي القائل (الغاية تبرر الواسطة).

وهذه التيارات الثقافية الثلاث خاطئة ولا يمكن أن تساهم يوماً ما في بناء مجتمع ما فذلك القائل، فكر في بناء مستقبلك، ويغفل عن الحقيقة الواضحة بأنه كيف أترك بناء مستقبل بلادي، وأفكر في بناء مستقبلي، وبلادي خربة، فهل يكون بناء مستقبلي على حساب بلادي؟.

أو ذاك القائل، لا عليك بالناس، اذهب خارجاً، هاجر إلى الغرب وابحث عن طريقة للعيش ولا عليك فيما يجري في بلدك!، هذا المنطق هو الذي دفع بعض من الناس إلى مغادرة بلادهم الخربة والتوجه إلى بناء البلاد الأخرى بأحوال طاولت عنان السماء فلم ينبض عرق الكرامة فيهم للبلاد التي نشأوا فيها.

وكذلك يقال بالنسبة للتيار المصلحي الذي يقدم التسويغات المختلفة لارتكاب السرقة وقبول الرشوة والغش وما أشبه ذلك.

ونحن قبالة هذه النماذج الثلاث من الثقافات المضرة والفاسدة نقوم بايجاد تيار ثقافي آخر يستوعب التيارات الثلاث السابقة عبر الاستفادة من الثقافة الإسلامية الاصيلة التي تبعث روح الحياة في الإنسان، فنواجه التيار القشري بالآية الكريمة {وإنْ ليس للإنسان إلاّ ما سعى وإن سعيَه سوف يُرى} وكذلك نقتحم التيار الغربي بأساليب هادئة بحيث نقوم بايصال الفكرة إليه ليس عبر رفض فكرته، وإنما بالاستفادة منها في إعطاء فكرتنا، وبالتالي الوصول إلى خلق ثقافة حيوية جديدة في داخل تلك التيارات الثقافية، والتي تمثل ثقافة الجمود، وثقافة الغربة، وثقافة الهروب، بينما الثقافة الجديدة تمثل ثقافة التحرك والعطاء ضمن المجموع.

وهذه العملية على درجة كبيرة من الأهمية بحيث تبدأ من الثقافة وتنتهي بالاقتصاد، كما أنه تبدأ من الثقافة وتنتهي إلى السياسية، وتكمن اهمية هذه العملية في كيفية صناعة ثقافة بحيث تتناسب ووضعية كل فئات من فئات المجتمع، فمثلاً تلك الفئة من الناس المعارضة للعمل السياسي، والحدية في التعامل، والعنيفة وذات الأفق الضيق، وما أشبه،إنّ هذه الفئة بحاجة إلى جرعات ثقافية تستطيع التعايش مع العمل السياسي لا بمعنى الاستسلام ولا بمعنى التهور والتطرف، وإنما ضمن اطار نظيف وفاعل ونشط وصالح وكل ذلك يتم ضمن منظور ثقافي معين، وينسحب هذا الكلام على باقي جوانب المجتمع الأخرى.

 

عناصر القوة والضعف في الثقافات

الشهيد: تحتوي كل ثقافة غالباً على عناصر قوة تدفع فئات المجتمع نحو عمليات البناء والتغيير كما تساهم في بلورة نشاطات المجتمع على مختلف الأصعدة، فما هي في نظركم عناصر القوة في الثقافة الإسلامية؟

المرجع المدرسي: من الصعب بمكان أن ندعي القدرة على تحديد عناصر القوة في الثقافة خلال جلسة قصيرة، فذلك أمر بعيد ولكن نقول، إنّ في كل ثقافة هناك عناصر ضعف، وقد تكون المفردة الثقافية الواحدة، في إطار تفسير معين تحتمل عنصر قوة، وفي اطار تفسير آخر تحتمل عنصر ضعف.

فمثلاً الحديث المشهور {اتق شر من أحسنت إليه} فانه يحتوي على تفسيرين، تفسير يقول، إذا أنت أحسنت إلى شخص فسوف يأتيك منه شر فالأولى أن تتقيه وتهرب منه لأن وراء الإحسان إليه يمكن شر، وتفسير آخر يقول، إذا أحسنت إلى الناس فقد اتقيت شرهم، فمن خلال الإحسان يمكن اغلاق باب الشر الصادر عن الناس، فالمسافة بين التفسيرين واسعة، ففي التفسير الأول يحتوي على عنصر ضعيف يدعونا إلى الهروب من الإحسان تحت ذريعة ان الإحسان يسبب شراً، بينما يحتوي التفسير الثاني على عنصر قوة يدعونا إلى المزيد من الإحسان ما دام أن الإحسان يدفع عنا الشرور.

إذن قد تكون المفردة الواحدة في الثقافة تعطيك عنصر قوة أو عنصر ضعف، عبر نوعية التفسير لها، ولعل بعض المفاهيم الإسلامية المحورية تعرضت إلى عمليات تضعيف مختلفة ومن تلك المفاهيم التقية، والانتظار، والشفاعة، وحب الأولياء وغيرها، فبعد أن كانت هذه المفاهيم عناصر قوة الثقافية الرسالية، تحولت عند البعض إلى عناصر ضعف بفعل التفسيرات الخاطئة لهذه المفاهيم، فأصبحت التقية تعني الجمود، والانتظار يعني السكون، والشفاعة تعني اللا مسؤولية، وكذلك فسروا مفهوم حب الأولياء تفسيراً عبثاً، في حين أن الشفاعة وحب الأولياء محركان للإنسان للاقتداء بالأولياء واقتفاء أثرهم وأساساً إنما أمرنا بحب الأولياء لهذا الغرض، وهو السير على هداهم وليس حب الأولياء مبرراً لمخالفة أحكام الله، أليس كذلك، إذن الثقافة هي الثقافة، ولكن الاختلاف ينشأ من التفسيرات المتعددة والمتباينة لهذه الثقافة.

الشهيد: هل نفهم من ذلك أن اصل الثقافة بصورة عامة لا يحتوي على عناصر ضعف وإنما يعتمد على طبيعة التعليم والتفسير لمفردات الثقافة؟.

المرجع المدرسي: بالطبع قد تكون الثقافة ذاتها تحتوي على مفردات قوة ومفردات ضعف ففي ثقافة كل شعب أمثلة تدعو إلى الترهل والجمود، كما أن هناك قصصاً تاريخية تدعو إلى الحماسة والاقدام وقصصاً أخرى تدعو إلى الجبن والتقهقر والهزيمة، فهذه الأمثلة والقصص التأريخية تختزل ثقافة شعب.

دعنا نضرب مثلا علمياً شائعاً، فهناك اختلاف بين علماء الحضارة الذين هم عادة علماء فلسفة التأريخ، وقد يكونوا علماء اجتماع، فيما يرتبط بالبحث في الشعوب ونفسياتها، والاختلاف على أساس بعض الديانات التقليدية غير الديانات السماوية الثلاث المعروفة، مثل الديانة البراهمية والبوذية وما أشبه.

قسم من العلماء قالوا بوجوب نسف هذه الديانات وثقافتها وتقاليدها حتى نفسح المجال أمام تطور الإنسان، وبالفعل سعى هذا القسم من العلماء الذي يمثل جناح اليسار من الجيل الأول في النهضة الأوروبية سعى إلى تنفيذ مخطط النسف لهذه الديانات.

القسم الآخر من العلماء دعوا إلى القيام بعملية أخرى من خلال الابقاء على الديانة في سبيل الاستفادة من عناصر قوتها بحيث تساهم في تحقيق مشروع التقدم العلمي والحضاري، وبالفعل قاموا بهذه التجربة في الديانة البراهمية وتوصلوا إلى نتائج مهمة حيث رأوا أن الملتزمين جداً بالديانة، وبعد تغيير في ثقافتهم، كانوا هم المتقدمين جداً في الحقل العلمي والحضاري،ولعل التجربة الشائعة في هذا المجال هي التجربة اليابانية، حيث في الوقت الذي كان الشعب الياباني يتمسك بديانته التقليدية بشدة، نجد انه وصل إلى مستوى عال من التطور العلمي والتقدم الحضاري، بينما الصين التي شاعت فيها تجربة ماوتسي تونغ والحزب الشيوعي لم تستطع أن تخطو في المجال العلمي خطوات تذكر ذلك لان ماوتسي تونغ عمد إلى نسف ثقافة الشعب الصيني، فكان كمن قطع جذور الشعب فأصبح الشعب بلا هوية.

من هنا ينقدح في الذهن سؤال آخر، وهو، كيف نجعل الإنسان ينظر إلى ثقافته نظرة إيجابية حتى يقوم بتفسير هذه الثقافة تفسيراً إيجابياً فيستفيد من عناصر قوتها ويتجنب عناصر ضعفها.

في سبيل تحقيق هذا الهدف هناك عاملان رئيسيان:

العامل الأول: التحدي المعقول وهو العامل الأساسي في الحضارة حيث أن هناك ثلاثة أنواع من التحدي في الحضارة:

أ التحدي الضعيف.

ب التحدي المعقول.

ج اتحدي القاهر.

وان التحدي الضعيف والتحدي القاهر لا يثيران الإنسان في الحضارة فالتحدي القاهر يدخل فيه القنوط ويبعث فيه اليأس، والتحدي الضعيف لا يحرك الإنسان.

ففي حال احتلال دولة صغرى من قبل دولة كبرى فمن الطبيعي أن الدولة الصغرى، وفي ظل اختلال ميزان القوى بين الدولتين، سوف تضع نفسها في إطار مواجهة قوية بحيث تفقد القدرة على المواجهة وهذا تحد قاهر بالنسبة لها، بينما الدولة الكبرى في هذه الحالة تواجه تحد ضعيف.

إذن العامل الأول والأساس هو التحدي المعقول وليس القاهر أو الضعيف في البناء الحضاري.

أما العمل الثاني، فهو التواصل الثقافي، وتتم هذه العملية على يد أولئك الرجال وهم عادة القمم المضيئة في المجتمع الذين يخوضون غمار التحدي في ساحة العمل والتحرك، ويقومون بنقل رؤيتهم إلى من حولهم، وهذه الرؤية تتمثل في نظرة جديدة إلى الثقافة، بل نظرة جديدة إلى كافة الأمور في الحياة والكون بصورة عامة، بمعنى أنهم عمدوا إلى تصحيح مسيرة الإنسان ونظرته الخاطئة إلى الأشياء، وإشعال نور البصيرة أمامه حتى يرى الأمور بواقعية ووضوح.

ومن هنا فان عملية التواصل الثقافي تساهم في ابراز عناصر القوة في الثقافة، ولذلك لا ينبغي أن نعقد الجلسات المطولة للتفكير في عناصر القوة في الثقافة، ولكن، وبالرغم من وجود عناصر قوة واضحة مثل التأكيد على المسؤولية والسعي، والتعاون والثقة بالذات، وتحطيم الأصنام الداخلية، وتجاوز الشك، والرياء والنفاق والتلون، واعتماد الاستقامة والصبر، والصمود، إلاّ أن مجموعة المفردات هذه واضحة إلى حد كبير ولكن حينما نتوغل أكثر فأكثر في البحث الثقافي، نجد أن هناك أيضاً مفردات أخرى غير واضحة بحيث يمكن أن تصبح عناصر قوة في الثقافة الإسلامية، لذلك فأنا أدعو في البلاد الإسلامية، وفي مثل الجمهورية الإسلامية في إيران التي تقودها حكومة إسلامية، أدعو إلى تشكيل لجنة عليا من كبار المفكرين والعلماء لرسم سياسة ثقافية واعطاء ثقافة متجددة، بمعنى آخر القيام بعملية تجديد في الثقافة الحالية واعطائها مقاييس ومعايير سليمة وثابتة لربما تكون هذه الفكرة ضعيفة الفهم على عامة الناس، ولكن وجودها يقدم فوائد عديدة لمصادر التوجيه في المجتمع، مثل الخطباء ورجال الأعلام والكتاب وواضعي مناهج التربية في المدارس والجامعات، ونحن بذلك نبدأ الخطوة الأولى في العمل الحضاري.

وهنا فذلكة لا بأس بذكرها لتبيان ضرورة التجديد الثقافي، وهي، أن العالم الإسلامي اتصل أو قل اصطدم بحضارة الغرب، فنجم عن ذلك نشوء تيارين في العالم الإسلامي، التيار المحافظ، الذي يؤكد على اقتباس التكنولوجيا دونما الأفكار والعادات والتقاليد ومناهج التربية الغربية، وإنما يمكن تركيب تكنولوجيا الغرب ضمن إطار العادات والتقاليد الإسلامية، وهذه كانت رؤية قسم كبير من الشخصيات الإسلامية.

والتيار المتغرب، الذي يعتقد بأن الاتصال بالعالم الغربي بحاجة إلى إنفتاح غير محدود، فمثلاً أن ذلك الرجل الذي صنع السيارة إنما كان يحمل فكرة معينة ومنهج ما تمكن من خلالها صناعة السيارة، وذلك بأن قام بعملية تغييرية في تقاليده وعاداته ونمط تفكيره وما أشبه، وعلى ضوء ذلك تبنى جمهرة من المتغربين في البلاد الإسلامية فكرة الانفتاح الشامل مع الغرب، بينما أنا أدعوا في الواقع إلى منهج وسط، فلا أدعو إلى اقتباس تكنولوجيات الغرب وحدها لأن ذلك غير ممكن، ولان تكنولوجيا في الغرب قائمة على أساس فلسفة ثقافة وعادات وتقاليد وطريقة عمل وأنماط تفكير معينة.

لا أقول أن فلسفة وتقاليد وأفكار الغرب صحيحة بالكامل فنقوم باقتباسها، وإنما أدعو إلى دراسة مصادر التفكير وينابيع الثقافة عند الغرب، دراسة موضوعية حتى نستطيع التمييز بين الغث والسمين هناك أي عند الغرب، فلا نأخذ كل شيء ولا نرفض أيضاً كل شيء ولا نعتقد بأنه من الممكن أخذ النهايات في الحضارة الغربية، أي التكنولوجيا والتقنية من دون أصولها.

ومن وجهة نظري، فان علماء الدين والرجال المؤمنين هم أفضل من يقوم بهذا الدور بنقل التكنولوجيا فحينما نبحث بدقة عن أفضل الأطباء والمهندسين والتقنيين في بلادنا الإسلامية نجد أنهم عادة من المؤمنين أو المحافظين، ولا أعتقد أن ذلك عبثاً أو صدفة، ففي العراق مثلا هناك ثلاثة علماء يشكلون الخط الأول بين علماء الذرة وهؤلاء من الملتزمين دينياً وبشدة، حتى انهم يقبعون الآن في سجون البعث بعد أن حكم عليهم بالاعدام الذي خففه النظام إلى السجن المؤبد بعد أن تدخلت منظمة الطاقة الذرية الدولية، وكانت تهمة العلماء الثلاثة هي الانتماء الحركي أيضاً إضافة إلى الالتزام الديني، وقد كان هؤلاء تحت إشراف شخص صدام حسين رئيس النظام العراقي كونه رئيس الطاقة الذرية (!!!) ولعل الفارق واضح بين كفاءة علماء الذرة الثلاثة وكفاءة صدام وهكذا على صعيد الالتزام الديني.

وهذه الحالة نجدها تتكرر في التخصصات الأخرى في كليات الهندسة، الطب، الطاقة، العلوم الحديثة، حيث أن الملتزمين دينياً هم الرقم الأول في أوساط الطلاب الجامعيين غالباً.

هذا يدل على أن الأصالة تساهم بشكل فاعل في تنظيم عملية الاقتباس، كون إن الأصالة تعد قاعدة ومن لا قاعدة له لا بناء له، وأن أولئك الذين قطعوا جذورهم من الأرض لن يكون لهم فروع، لان الفرع قائم على الأصل.

وهذه الفكرة على درجة كبيرة من الأهمية، واني أدعو هنا الخبراء والمفكرين إلى دراسة هذه الفكرة دراسة ميدانية لمعرفة الأسباب والعوامل التي تجعل من الملتزمين دينياً يتصدرون قائمة المتقدمين في العلوم والمعارف على كافة الأصعدة، وبالطبع فان مثل هذه الدراسة تفتح في الواقع باباً واسعاً لمعالجة مشكلة أساسية في حياة الأمة، وهي مشكلة التواصل بين الأمة والأمم الأخرى للتعرف على ثقافتها ومكاسبها الحضارية، إذ لا بد من البحث عن سبل مثل هذا التواصل وبأية طريقة يمكن تحقيق الحالة.

أما تلك المجموعة المتغربة من الناس التي ذهبت إلى الغرب وتعلمت أموراً تافهة هناك من قبيل الرقص، وطريقة المشي في الشارع، وكيفية لبس الكروات، وإتقان اللباس، وباقي الأمور التافهة، أو تلك المجموعة الأخرى من المتغربين الذين قاموا بنقل أفكار جاهزة بعد أن ترجموها من مجتمع الغرب، لتجد أن نسخاً من الأفكار والأحزاب الغربية تتكرر في البلاد الإسلامية، فتظهر مثلا اليوم اشتراكية في بريطانية لتجد أن نسخة أخرى أيضاً تظهر في بلادنا بعد أيام، وهكذا الاشتراكية الوطنية في فرنسا، وهكذا باقي أفكار الغرب الأخرى، بل لقد وصل التقليد إلى حد ان موضة قص شارب وتسريحة الشعر وموديل اللباس في الغرب تتكرر بسرعة فائقة في بلادنا حتى يقول القائل، الموديل الآن هكذا والموضة الآن هكذا.!!

وهذا ما جاء به المتغربون إلى الأمة، فبدل أن يذهبوا إلى مراكز البحوث ويستفيدوا من طاقات الغرب العلمية والتكنولوجية، سقطوا في أحضان الرذيلة ذلك، لأن نفوسهم لم تكن رصينة ورزينة.

وما زالت هذه الاشكالية قائمة، فبالنسبة للبعثات العلمية إلى الغرب نجدها تحولت إلى وسيلة يستطيع من خلالها المنحرفون إضافة إلى الهدف المنحرف من أصل البعثات تحقيق نوازع شيطانية، فمثلاً يقوم النظام العراقي بأرسال بعض عناصره من أعضاء الحزب البعث الحاكم إلى الغرب، لماذا؟ لا للدراسة وتلقي علوم الغرب، وإنما لاشباع الغريزة الجنسية، والتسكع في الشوارع وأسواق الرذيلة وقضاء ساعات طويلة في اللعب، وأكبر همهم وأبلغ علمهم كتابة التقارير ضد هذا وذاك، ثم يعودون، حتى أن واحد منهم لا يستطيع ان يغير أو يبدل برغياً واحداً في ماكينة بسيطة.

من هنا أعود للتأكيد على الحاجة لمجلس أعلى للثقافة وذلك لرسم استراتيجية أو سياسية ثقافية متكاملة تكون مصدراً لسائر متعلقات هذه الثقافة.

الشهيد: ذكرتم أن في داخل كل ثقافة عناصر قوة وعناصر ضعف، فهل ينسحب هذا الرأي على الثقافة الإسلامية، وهل إن نقاط الضعف فيها ترتبط بالتراث الثقافي للأمة ام بمنابع الثقافة الإسلامية؟.

المرجع المدرسي: في البدء أقول أن الحديث يدور حول الثقافة وأقصد بذلك الثقافات القائمة والمتميزة لكل شعب، وهذا الكلام ينطبق على الثقافة الإسلامية بمعنيين:

الأول: أن الثقافة الإسلامية الحالية ليست كلها وحي منزل وإنما هي خليط من مصادر ثقافية وتجارب وتفسيرات وتأويلات قشرية التصقت بالثقافة الإسلامية خلال قرون طويلة.

ثانياً: حتى بالنسبة إلى المنابع الصافية والأصيلة (القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، أحاديث وروايات أهل البيت )ع( وما أشبه) قد تعرضت - جميعاً للتفسير الخاطئ، وما زالت كذلك، وتبقى الآية القرآنية الكريمة في سورة آل عمران {هو الذي أنزلَ عليك الكتابَ منه آياتٌ محكماتٌ هنّ أم الكتاب وآخرَ متشابهات، فأمّا الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابهَ منه إبتغاءَ الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاّ اللهُ والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذّكر إلاّ أولوا الألباب} فهذا الإنسان المصاب قلبه بالزيغ والانحراف لا يقوم بالتمسك بالمحكمات من آيات القرآن، وإنما يتشبث بالمتشابه منها فيقوم بتأويلها وتفسيرها حسب رأيه وتحت تأثير زيغ قلبه.

إذن فالحديث عن الثقافة الإسلامية لا يمس المنابع والمصادر الصافية والأصيلة، وإنما يرتبط بتراكم التأويلات والتجارب والأفكار الوافدة وغيرها.

 

الجمهورية الإسلامية ما بعد الإمام

الشهيد: يدور حديث في الأوساط السياسية الغربية، ومنذ فترة طويلة، عن مرحلة ما بعد الإمام الراحل قدس سره الشريف وقد اتفق المحللون الغربيون على رهان مشترك بأن غياب الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه سيحدث تحولات خطيرة في معادلات المنطقة، ما هو رأيكم في ذلك؟.

المرجع المدرسي: إن غياب الإمام -قدس سره - ليس هو غياب نهج وإنما غياب نهج، وبالطبع فان حدث الغياب له تأثيرات سلبية ولكن تعالوا ندرس بموضوعية مدى أثر هذه السلبيات.

لا ريب أن المركزية القوية التي صنعتها قيادة الإمام الراحل - قدس سره - خلال الخمسة عشر سنة الماضية من الصعب تعويضها بصورة سريعة، كما انه لا ريب في ان الشخصية الجذابة والحاسمة والمتميزة عند الإمام الراحل سيعقبها فراغ قد يؤدي إلى بعض الخسارات والانكسارات هنا وهناك.

ولكن في المقابل، هناك ضمانات قائمة تدلل على أن غياب الإمام لا ينهي القضية.

الضمانة الأولى: استمرارية نهج الإمام الراحل في نظام في نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، وهذا أمر مهم لأن جزءاً من قوة الإمام الراحل كانت في شخصه، والجز الآخر في مركزه، فاذا غاب الإمام كشخص فان مركزه باق في استمرارية نهجه.

الضمانة الثانية: ان للثورة الإسلامية في إيران امتدادات منها:

_ الامتداد الفيزيائي، المتمثل في حالة التواصل المباشر بين شعوب العالم الاسلامي والثورة الإسلامية في إيران، فهناك قسم كبير من أبناء الأمة متأثر ومتفاعل ومتصل إتصالاً وثيقاً بالجمهورية الإسلامية، ويشكل هذا القسم الكبير إمتداداً للجمهورية الإسلامية في أفغانستان والعراق ولبنان وغيرها والتي ما زالت تشكل إمتداد منهجياً للثورة الإسلامية وخط الإمام الراحل - رضوان الله عليه -.

ولأن هناك في الواقع قناعة ثابتة بأن الثورة الإسلامية تساهم في دفع الحركات الإسلامية نحو التصدي للتغيير كما حصل بالنسبة للحركة الإسلامية في السودان وباكستان وأفغانستان وغيرها.

ولا ريب في ان هناك حملة إعلامية مضللة يقودها الاعلام الغربي والاعلام المتأثر بالغرب كوسائل الاعلام السعودية مثلا، في سبيل إقناع الحركات الإسلامية بفكرة مفادها ان كل شيء كان في الإمام والآن قد انتهى كذلك فان كل شيء قد انتهى كذلك!.

ولكن يبدو لي ان هذا الاعلام المضلل كان خلال عشر سنوات يعتمد نفس الاسلوب من خلال بث الدعايات المغرضة حول شخص الإمام الراحل في أيام حياته، ولكن العالم أجمع رأى حجم الولاء الجماهيري للإمام رضوان الله عليه بحيث اضطرت بعض وسائل الاعلام إلى أن تذعن للحقيقة حتى أن صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية كتبت عدة صفحات حول الإمام الراحل تحت مانشيت (إيران تخرج لتشييع الإمام) بعد أن كانت هذه الصحيفة تمتنع سابقاً عن استخدام لفظ الإمام في مواضيعها، وبالتالي فان وسائل الاعلام الغربية والعميلة للغرب اضطرت إلى نسف مقولاتها حول الثورة والإمام الراحل، وقد عرف الناس أيضاً ضعف وكذب الاعلام المضلل.

أما القضية الأخرى، وهي المحاورات الثورية في العالم الإسلامي،فقد تتعرض بعض هذه المحاولات إلى عمليات الترويض كما في أفغانستان والعراق كما ستتعرض بعض المحاولات الأخرى إلى عمليات الاحتواء، كما في مصر والسودان ودول المغرب الإسلامي (العربي) وكثير من بلاد العالم.

 

الواقع الراهن للحركة الإسلامية

الشهيد: منذ فترة قصيرة دخلت العديد من الحركات الإسلامية مرحلة جديدة تقوم على أساس الاعتدال والمراجعة والعقلانية!، فهل أن ما يجري هو في مصلحة الحركة الإسلامية ام في ضررها؟.

المرجع المدرسي: أعتقد ان المراجعة العقلانية هي مسألة ضرورية في كل وقت وان كانت تحتمل عند البعض معنى ضاراً، ذلك لأن حالات الاحادية في التفكير والجمود على الخطط هي الحالات الضارة وذات الأثر السلبي، فمثلاً هناك نظريتان حول (البيريسترويكا) ولكن النظرية الأكثر شيوعاً هي أن البيريسترويكا ليست سوى عملية تقارب مع الغرب، وهذا ليس في مصلحة الغرب نفسه، حيث أنها تساهم في تقوية مركز الاتحاد السوفيتي وبالتالي يستفيد منها السوفيت في مزاحمة مصالح الغرب.

من هنا فان التحول في واقع الحركة الإسلامية ليس دليل ضعف، ولا يرتبط بحالات الترويض الذي تعرضت لها الحركة الإسلامية، وإنما الضعف كان في جانب الحكومات نفسها، ففي تونس كمثال واضح، فان نظام بورقيبة كان على وشك السقوط بيد الإسلاميين، مما اضطر الغرب إلى تبديله، فلم تكن القضية ترتبط بعملية ترويض وإنما واقع فرضه الإسلاميون في تونس، وهكذا بالنسبة للإسلاميين في مصر، فبالرغم من كافة القوانين المضادة، إلاّ انهم فرضوا أنفسهم بقوة على ساحة مصر حتى ان النظام المصري عجز عن استخدام العصا الغليظة ضد الإسلاميين.

وفعلاً كان ذلك بالرغم من اجراءات وزير الداخلية المصري زكي بدر الصارمة إلاّ انها، وكما رأينا، لم تفت من عضد أبناء الإسلام الغياري في مصر، مع أن هناك دعوة غربية للنظام المصري في إستخدام القوة من جانب، محذرة إياه من تزايد قوة الإسلاميين من جانب آخر، وليس ثمة شك في ان هذه الدعوة التي جاءت على صفحات الجريدة (واشنطن بوست) الأمريكية تعبر عن لسان المخابرات المركزية.

إذن، فان التحول الحاصل في سياسية الحركة الإسلامية هو عبارة عن وقفة لمراجعة القوة والتفكير في كيفية اعداد خطط جديدة، وذلك لا يعني بتاتاً أن الحالة الإسلامية تعيش حالة إحراج أو حالة ضعف أو ما أشبه، بل أن الحالة الإسلامية تعيش وضعاً جيداً، وإذا حدث بان كانت هناك حالة اعتدال في بعض المناطق أو تراجع الحركة الإسلامية عن بعض الخطط، فذلك لا يدلل على ضعف فيها وإنما على قوة، لأن الحركة الإسلامية اليوم أصبحت قادرة على تبديل خططها أو تطويرها حسب الظروف الموضوعية أو الدولية بدون أن تتأثر بها أوضاع الحركة الإسلامية ذاتها، كما ان الجماهير ما زالت تقف إلى جانب الحركات الإسلامية وتوليها الثقة الكاملة كما هو حال الانتفاضة الإسلامية المباركة في فلسطين المحتلة.


 

 

 

 

الفصل السابع

 

 

 

الحركة.. مبادرات دائمة

 

 

الحركة الإسلامية والمبادرات

الشهيد: مسألة الصراع بين الحركة الإسلامية والاستكبار العالمي، إلى من في نظركم ستميل كفة المبادرة في المرحلة المقبلة من الصراع؟.

المرجع المدرسي: في الواقع، حتى الوقت الراهن، ليست المبادرة في يد واحد من الطرفين، فقد تكون المبادرة أحياناً بيد الغرب كالانقلاب العسكري في السودان، إذ هي ليست مبادرة من طرف واحد، وإنما حسب اختلاف الواقع، فاتجاه الصراع حتى الآن غير معروف لأن الطرفين يمتلكان قدرة وقوة لاتخاذ المبادرة، فاذا تمكن الإسلاميون من اعداد الخطط الحضارية للامساك بزمام المبادرة فانهم سوف يحددون اتجاه بوصلة الصراع المستقبلي، خاصة وان الغربيين يعتمدون سياسية ضعيفة وهي سياسية الاحتواء أكثر من اعتمادهم على سياسية القوة والمواجهة.

الشهيد: يأخذ البعض على الحركة الإسلامية في بعض المناطق بأنها تفاعلت مع معادلة التسوية الدولية القائمة على أساس تبريد النقاط الساخنة في العالم، فهل إن ذلك يدخل ضمن عوامل القوة والضعف في الحركة الإسلامية؟.

المرجع المدرسي: إن أصل التفاعل في حقيقة الأمر ليس دليلاً كافياً، فقد يكون التفاعل نتيجة عامل ضعف، وقد يكون العكس تماماً، ولكن المهم أن نبحث في الماورائيات ثم ننتظر ما يجري بعد ذلك.

وما يجري على الساحة الدولية الآن هو نوع من الصراع المفتوح، حيث يكون التحدي الحقيقي بين الحركة الإسلامية والاستكبار على حلبة الساحة، وبعد ذلك تظهر لمن القدرة على المبادرة، فاذا كانت الحركة الإسلامية قادرة على الاستفادة من جو المعادلة الدولية فان المبادرة بيدها فلا شك، أما إذا كان العكس لا سامح الله فان التفاعل مع موجة التسوية سينكشف ضررها.

إذن، مسألة التفاعل ليست في حد ذاتها ضارة أو نافعة وإنما المهم هو ما يأتي بعد ذلك، وحسب معلوماتي فان بعض الحركات الإسلامية كانت لها قدرة على أن تقوم بمبادرات من نوع آخر مثل القيام بانتفاضة في بعض المناطق، أو تنفيذ عمليات عسكرية واسعة ومستمرة في مناطق أخرى، ولكن ذلك لم يكن ضمن منهج عمل صحيح، في حين إن هناك حركات إسلامية لا ترى لسبب أو لآخر بحمكة تفجير الوضع ليس لضعف فيها وإنما لقوة، تماماً كما فعل الإمام الراحل - قدس سره - قبل إنتصار الثورة الإسلامية حينما كان يرى من الأفضل عدم القيام بعمليات عسكرية واسعة في إيران بالرغم من امكانية ذلك.

واعتقد ان الحركة الواعية هي التي تستفيد من كل نقطة إيجابية سواء من داخل ميدان الحركة أو خارجه.

ولعل الأوضاع الحالية في المنطقة تعطي فرصة للجماهير في اكتشاف مناورات الانظمة الخادعة وهدف الحركة الإسلامية، لأن الحد الفاصل في المبادرة بين الاستكبار والحركة الإسلامية يتوقف عند رغبة الجماهير، وأبرز شاهد على ذلك ما حدث في صفين حينما رفع القوم مجموعة أمور باسم المصاحف بحيث وقع قطاع كبير من جيش الإمام علي )ع( تحت تأثير مبادرة العدو، وحين ذلك عرف الإمام أمير المؤمنين )ع( بأنه ليس من الصحيح اتخاذ مبادرة مضادة، فاضطر إلى القبول بالتحكيم، لكي يعطي فرصة للناس في إكتشاف الحقيقة، وهي أن معاوية كان على باطل وأن الحق إلى جانب الإمام )ع( ، وعليه فان القبول بالمبادرة تربط بالدرجة الأولى بالظروف الموضوعية والتي تحدد نوعية الموقف والسياسية المطلوبة، وهذه ليست ناجمة عن حالة ضعف في الطرف المقابل، بدليل أن الاتحاد السوفيتي مثلا يعلن عن مبادرة نزع السلاح مع الولايات المتحدة فهل يمكن للأخير رفض المبادرة؟ بالطبع كلا فلا بد أن تقبل المبادرة السوفيتية حتى وإن كانت على حساب مصالح أمريكا، وهذا ما يجري بالفعل بالنسبة للصواريخ الأميركية في أوروبا بما في ذلك ألمانيا الغربية التي تعد القلعة الاستراتيجية الأميركية في أوروبا.


 

 

 

 

الفصل الثامن

 

 

 

الجمهورية الإسلامية.. علاقات جديدة

 

 

نظرة في العلاقات الإيرانية السوفيتية

الشهيد: دخلت الجمهورية الإسلامية في إيران في الآونة الأخيرة، مرحلة جديدة في إقامة علاقات واسعة وبالذات مع الاتحاد السوفيتي اثر زيارة الشيخ الرفسنجاني في حزيران / يونيو الماضي إلى موسكو، السؤال المطروح هو، إلى أي مدى ستذهب الجمهورية الإسلامية في جانب العلاقات الدولية وبالتحديد مع الاتحاد السوفيتي، خاصة وأن الأخيرة كقوة عظمى لها شروطها ومصالحها الخاصة؟، ومن جهة ثانية هل ستتجه الجمهورية الإسلامية إلى إعتماد الشرق في بناء القدرة العسكرية الايرانية؟.

المرجع المدرسي: قبل الاجابة على السؤال أود الاشارة إلى نقطتين هامتين هما:

الأولى: ان بعض الشعارات التي رفعت خلال الفترة الماضية من عمر الثورة الإسلامية في إيران قد تعرضت إلى فهم خاطيء ومن تلك الشعارات، سياسة إيران (لا شرقية ولا غربية) بحيث فهمت على أنها سياسة العزلة الدولية أو إعتزال العالم بما فيه الشرق والغرب، بينما وحسب ما أتذكر في حديث للإمام الراحل خلال وجوده في باريس قبل إنتصار الثورة الإسلامية في إيران، ذكر فيه بأنه نحن لا نقبل علاقات مع أية دولة تريد أن تفرض سياستها علينا، فالحالة الاستكبارية هي المرفوضة، أما مجرد علاقة خاصة كالعلاقة الاقتصادية مثلاً فلا دخل لها في سياسة (لا شرقية ولا غربية) حسب المفهوم الاستكباري.

الثانية: ان الاتحاد السوفيتي لا يشكل بالنسبة لايران قوة كبرى فقط، بل هي جارة وللجوار أصوله وضروراته، وتأريخياً كانت لايران علاقات مع الاتحاد السوفيتي في مختلف العصور، وقد استمرت هذه العلاقات حتى في عصر نظام الشاه البائد الذي كان غربي الاتجاه بالكامل، فقد كانت له علاقات اقتصادية واسعة، وهذا الأمر لا يخص إيران وحدها بل أن لدى السوفيت علاقات أيضاً مع دول أخرى مثل (فلندة) وهي دولة غربية سواء في الموقع أو الاتجاه، ومع ذلك فان الاتحاد السوفيتي يحتفظ بعلاقات متينة ومتميزة معها، ومن هنا نحن نجد أن إقامة علاقات مع الاتحاد السوفيتي تكون ضمن القيم والاستراتيجيات التي وضعتها الجمهورية الإسلامية نفسها وإن ذلك لا يضر بسياستها المحايدة، والحياة لا تعني العزلة، وإنما يعني التأثر بسياسات الغير مثل الدخول في أحلاف أو معسكرات، أو ما أشبه.

أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال، فمن المعروف أن مصادر التسليح بالنسبة لايران الإسلامية إبان الحرب المفروضة لم تكن مقتصرة على مصدر واحد، فليست كل الأسلحة كانت غربية، بل كانت متنوعة مما يدلل ذلك على عدم وجود عقدة لمصادر التسليح الايراني، خاصة وأن الأسلحة الغربية لها أسواق حرة بحيث تتمكن الجمهورية الإسلامية التزود منها في تغطية حاجتها إلى السلاح، إضافة إلى قدرة الجمهورية على القيام بمشروع ترميم وإصلاح للأسلحة التي في حوزتها وصناعة بعض أنواع الأسلحة الداخلية مما يسمح لها بتنوع مصادر السلاح بشكل مطلق.

وبصورة عامة فان دولة الجمهورية الإسلامية في إيران قائمة على أساس مبدئي قد تعرضت لكثير من الخيارات الصعبة إن صح التعبير- في التعامل مع الدول الأخرى، فمن جهة قد تكون مصالحها تفرض عليها منطق التعامل مع هذه الدولة أو تلك، فضلاً عن مخالفة هذه الدولة لمبادئ الإسلام.

ولعل الحدث البارز في هذه العلاقة كانت مع أوروبا حيث جاءت قضية سلمان رشدي وآياته الشيطانية في مرحلة كان هناك نوع من تحسين العلاقات بين الجمهورية الإسلامية ودول أوروبا ولكن الإمام _رضوان الله عليه قرر تجاوز المصالح الاقتصادية لأجل مصلحة الإسلام والانتصار للمبادئ الرسالية، ونفس الشيء كان بالنسبة للعلاقات مع الاتحاد السوفيتي بسبب إحتلال الأخيرة لأفغانستان، ولا تزال هذه المسألة تقف عقبة بشكل أو بآخر في العلاقات بين البلدين.

ويبدو لي، ان الحل لمثل هذه المشاكل لا يتم بصورة نهائية وإنما هناك حلول جزئية، بمعنى أن نقوم بدراسة كل قضية على حدة ونضع معايير مبدئية في تقديم مصلحة وتأخير أخرى، فهل المصلحة العامة أي مصلحة الأمة في هذه القضية بالذات مقدمة؟، أم إن مصلحة الشعب الايراني هي المقدمة؟، وبأية نسبة تكون المصلحتان؟

وبالطبع، فان في القضايا المصيرية في حياة الأمة ستكون مصلحة الأمة في نظر الدولة الإسلامية، مقدمة بلا شك، فمثلاً العلاقة مع (إسرائيل)، بالرغم من أنها مدينة لايران بـ (400) مليون دولار وأن قطع العلاقات بينهما يعني ضياع الأموال، ولكن الجمهورية الإسلامية رأت بأن قطع العلاقة مع (إسرائيل) أهم من (400) مليون دولار، وبذلك قدمت مصلحة الأمة على مصالحها، وهكذا بالنسبة للعلاقة مع مصر والتي كلفت الجمهورية الإسلامية أموال طائلة حيث ان أموال طائلة لايران ما زالت في عمليات استثمارية في بنوك ولكن بسبب علاقات مصر بـ (إسرائيل) قررت الجمهورية الإسلامية أن تقطع روابطها معها، وهناك أمثلة أخرى في الجانب مما يدل على أن القضية لا يمكن أن تناقش بوجه العموم وإنما ينبغي أن تدرس كل مفردة منها على وجه الخصوص ثم يبت في أمرها ويعطي فيها رأي معين.

إضافة إلى كل ذلك فان هناك أيضاً مواقف حرجة في الجمهورية الإسلامية والتي يمكن إجمالها في قضيتين رئيسيتين وهما:

الأول: المشاكل العاجلة وايجاد الحلول المناسبة لها.

الثاني: النهج الحضاري.

ويمكن إعطاء وصف مناسب لهاتين القضيتين، بأن الجمهورية الإسلامية في إيران ينبغي أن تسعى إلى إيجاد حلول لمشكلة (الاستهلاك الحاضر) وأيضاً النظام الاقتصادي البعيد المدى.

وهذا الأمر ليس مختصاً بايران وحدها بل في جميع الدول التي تعيش وضعاً حرجاً، وحتى على مسرى الأفراد حيث ان الإنسان يقع في خيار صعب بين توفير الأموال والجهود للمستقبل، وبين صرفها في الواقع الحاضر.

وبالنسبة إلى عملية التوازن هذه بين الأمرين الحاضر والمستقبل ينبغي مراعاة المحددات التالية:

أ مستوى الصبر وقدرة التحمل عند الناس.

ب معدل ضرورة الاستثمار في المستقبل.

ج حجم المشاكل الحالية.

وبهذه الأمور الثلاثة تتحدد طبيعة التعامل في قضية التوازن بين حاجات الحاضر ومتطلبات المستقبل.

 

الفهرست

المقدمة

الفصل الأول

التغيير الثقافي أولا

الفصل الثاني

الثورة.. نظرية متكاملة

الفصل الثالث

مفاهيم حول العمل السياسي

الفصل الرابع

عودٌ على بدء

الفصل الخامس

الجمهورية الإسلامية.. مرحلة جديدة

الفصل السادس

مجتمع التغيير

الفصل السابع

الحركة.. مبادرات دائمة

الفصل الثامن

الجمهورية الإسلامية.. علاقات جديدة

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

قال أمير المؤمنين علي (ع):الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَينِ مِنَ الْقُرْآنِ: قَالَ اللهُ عزّوجلّ: (لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)، فَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي، وَلَمْ يَفْ

مواقف وآراء

12w3e3r4

حوار ورؤى في التغيير والانفتاح

اجرت مجلة الشهيد حواراً مفصلا مع سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي…

Aludaa oudiu

Passaer

Modarresi

Alhudaa

أعلى الصفحة

إبحث