header basmaleh

 

 بقلم: الشيخ زكريا داوود

a 20518481221304109915

الأمة ما قبل النهضة الحسينية..منهج الوحي أم أهواء البشر

     في 28 من صفر سنة 11 للهجرة بدأت تظهر ملامح مختلفة  ومتباينة عن المسيرة التي أرسى قواعدها الرسول الأكرم محمد(ت 11هـ) صلى الله عليه وآله،

حيث بدأ ذلك أولاً بإبعاد آل الرسول صلى الله عليه وآله عن التأثير في حياة الأمة ليس من خلال إقصاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب( ت 40 هـ) عليهما السلام عن القيادة فحسب، بل الأمر كان أكثر خطورة من ذلك عندما بدأ منع تداول النصوص الدينية الصادرة من رسول الله صلى الله عليه وآله والتي تحث الأمة على إتباع علي عليه السلام والأئمة عليهم السلام من بعده، فقد بدأت السلطة السياسية بمعاقبة كل من يشيع آراءً سياسية مخالفة للسلطة القائمة.

     وإحدى أهم مراحل المواجهة الفكرية مع آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله، تمثلت في جمع المرويات المكتوبة والتي كان فحواها الدعوة لعلي بن أبي طالب عليهما السلام وإتلافها عبر حرقها أمام أعين عامة أبناء المجتمع.

     ثم تواصلت مسيرة المنع من إبداء أي رأي سياسي مخالف للسلطة القائمة في الدولة الأموية والعباسية، فقد أصبح كل من يحدث بنص ديني يمجد آل البيت عليهم السلام، أو يتحدث عن فضيلة لأحدهم خارجاً عن الجماعة ومفسداً في الأرض، وعقوبته إذا لم تكن التصفية الجسدية،[1] فقد كان السجن والتعذيب ومصادرة كل الممتلكات، بل أن من عرف بنزعته لتمجيد آل البيت عليهم السلام، فإن أسمه يمحى من ديوان العطاء، أي يفقد حق المواطنة ولا تلتزم الدولة بأي حقوق تجاهه.

     ولم يقف الأمر هنا، بل أصبح كل من يُتهم بميول تجاه أهل البيت عليهم السلام يعتبر أكثر خطراً من فئات دينية خارجة عن خط الإسلام كاليهود، حتى أصبح بعض المحبين لآل البيت عليهم السلام يتمنون أن يقال لهم يهوداً ولا يقال لهم محبين لآل الرسول صلى الله عليه وآله، وذلك بسبب ما يلاقيه المحبون من قتل ومطاردة وتشريد، ولقد تواصلت هذه النظرة عند الاتجاه الأموي المعادي للرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام لزماننا هذا، فأصبح التيار الأموي المعاصر يحمل رسالة السلطة الأموية وأهدافها في عصرنا الحاضر، فيمارس القتل لكل من يوالي أهل البيت عليهم السلام تفجيراً ونحراً وقطعاً للأرزاق، ويسعون بكل الطرق لتصفيتهم جسدياً وفكرياً.[2]

     إن هذا المحيط الثقافي والسياسي الذي اتسم بالعداء لآل البيت عليهم السلام، خلق أجيالاً تجهل أهميتهم عليهم السلام في حفظ الدين ومواجهة التيارات المناهضة للفكر الإسلامي، ومع مرور الزمن أصبحت الأجيال لا تعرف شيئاً عن القادة الذين نصبهم الله خلفاء على خلقه، فضاعت الهوية الإسلامية لكثير من المجتمعات نتيجة بعدهم عن آل الرسول صلى الله عليه وآله، لأن هذا البعد خلف ثغرة كبيرة في عقلية الأمة وعقيدتها، إذ أن أهل البيت عليهم السلام يمثلون الثقل الآخر الذي أُمرت الأمة بإتباعه، فالقرآن وحي الله يمثل أحد الثقلين وهو وأهل البيت عليهم السلام يمثلان تكاملية المعرفة والعقيدة لدى المسلمين وعند الجهل بأحدهما فإن ذلك يسبب نقصاً حاداً في العقيدة وفشلاً كبيراً في مواجهة التحديات المتجددة.

     من هنا تأتي أهمية كربلاء والتضحية الحسينية التي لا مثيل لها في تاريخ البشرية، فهي التي أبقت ثلة من الأمة تتسم بالوعي والبصيرة في معرفة مخططات السلطات التي قال أحد قادتها عندما سمع المؤذن يلهج بذكر الله ورسوله صلى الله عليه وآله: لا والله إلا دفناً دفناً.[3]

     ويعني أنه لن يوقف مؤامراته في محاربة الإسلام إلا بعد أن يدفنه، أي ينهي وجوده من حياة الأمة، وهنا كانت إرادة الله أكبر إذ بقيت القلة ملتزمة بنهج رسول الله صلى الله عليه وآله الذي تمثل في إطاعة أمره بإتباع أهل البيت عليهم السلام وإن تعرضوا لشتى أنواع الأذى والتنكيل، وقد تواصلت مسيرة الطاعة والحب والإتباع للأئمة الطاهرين من أهل البيت عليهم السلام، وفي المقابل واصل التيار المناهض للعترة ذات السياسة الأموية في مناهضة آل الرسول صلى الله عليه وآله، ولا زال التياران يتقاسمان التأثير في الأمة.  

     إن مخطط السلطات التي سادت تاريخنا كان واضحاً لدى قادة الأمة، وكان الأئمة عليهم السلام على إلمام تام بكل ما تسعى إليه من مؤامرات للقضاء على الدين من خلال تحريفه وصياغته بالشكل الذي يدعم بقاء سلطاتهم ويكرس تبعية الأمة لهم.

     ولهذا كان الأئمة من آل الرسول صلى الله عليه وآله يسعون بكل جد لمواجهة السلطة بكل ما تملك من عناصر القوة المادية والإعلامية والعسكرية، وكان الأئمة عليهم السلام منذ علي بن أبي طالب عليهما السلام وإلى الإمام محمد بن الحسن العسكري عليهم السلام، يقومون ببناء الأمة عبر طرق شتى، ويزرعون في العقول والضمائر قيم النهضة ورفض الخنوع للظالمين والمحرفين للدين.

     وقد مثلت كربلاء مفصلاً بين منهجين يسعيان في اتجاهين متناقضين، مثل أحدهما ديمومة الحق وقوة منطقه والآخر منطق القوة في مجابهة المعرفة والبصيرة ورفض الخنوع والاستلام لرغبات السلطة.

     ولم تنثني القلة المؤمنة عن مواصلة مسيرة النهضة ومواجهة الظلم والتحريف رغم الإعلام السلطوي المضلل والذي جعل الأمة تنظر لمن يجاهر بحب آل البيت عليهم السلام منحرفاً، وقد خلقت هذه السلطة مؤسسة دينية جعلت كل أدوات الإعلام بيدها بدءاً من المناهج التربوية والمدارس والجامعات وانتهاءاً بالقنوات الفضائية الكثيرة، والتي لا هم لها إلا مواجهة من يبدي حباً لآل النبي صلى الله عليه وآله، أو تعاطفاً للقضايا التي يؤمنون بها.

     إن هذا التيار المناهض للدين تتمثل خطورته في كونه يستخدم الدين نفسه في إغواء أبناء الأمة من خلال تحريف مضامين العقيدة ولي أعناق النصوص وتحريف معانيها لتخدم أهدافهم، ولكي يوغلوا في التحريف أكثر أصبحوا يصفون كل من لا يتفق معهم بأنه فاسد العقيدة أو مبتدع أو خارج عن الجماعة، وهذه ذات السياسة التي طبقتها واستخدمتها السلطة في مواجهة سبط النبي صلى الله عليه وآله الإمام الحسين(4هـ – 61هـ) عليه السلام، إذ أن التضليل الإعلامي جعل البعض ممن يحاربون أبن النبي الأكرم صلي الله عليه وآله أنفسهم على حق وأن حربهم للحسين عليه السلام هو طاعة "لأمير المؤمنين" يزيد بن معاوية(ت 64هـ)، ولعل أحد أبرز قادة التيار المعادي للدين في عصرنا الحاضر صرح بذلك عند خطأ سبط الرسول وريحانته وسيد شباب أهل الجنة، بل إن قائداً آخر لهذا التيار المعادي للدين صرح بأن المعركة بين سبط الرسول صلى الله عليه وآله وبين يزيد بن معاوية لو قامت في عصرنا هذا فإنه بلا شك سوف يحارب الحسين وينتصر ليزيد.  

      إننا أمام هذا التيار الذي خدع الكثير من أبناء الأمة لا نملك إلا تبيان الحقائق وإبراز معالم الدين وتوجيه الأمة إلى قادتها الحقيقيين، إلى آل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، والذي بمعرفتهم تنقشع سحب الشك والريبة والزيغ من الضمائر، وهم الذين وصفهم الله جل وعلا في كتابه بالطهارة والبعد عن الباطل وانهم يمثلون الحق.

    قال تعالى في كتابه:

      ﭽ  ﮇ      ﮈ  ﮉ  ﮊ    ﮋ  ﮌ     ﮍ  ﮎ  ﮏ   ﮐ ﭼ[i]    

     ومن الواضح أن المعصية وعدم طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وآله فيما يأمر وينهى تمثل أحد مصاديق الرجس المنفي هنا، وهذا الأمر لم يكن لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله وأبنته فاطمة الزهراء(ت 11هـ) عليها السلام وزوجها علي عليه السلام وأبناهما الحسنان عليهما السلام، كما تواتر ذلك في النصوص الكثيرة الواردة عن نبي الله محمد صلى الله عليه وآله، وكما هي مبثوثة في كتب الفريقين.

      إن قراءتنا لتاريخ الأمة يبرز لنا عمق الأزمة التي كانت تخنقها، ولعل أبرز ما يبرهن الخلل هو تولي قيادة لا تفقه من الدين شيئاً كيزيد بن معاوية قيادة الأمة وتقرير مصيرها، ولم يكن ذلك مقبولاً لدى النهج الذي أخلص للدين من آل النبي صلى الله عليه وآله والكثير من أصحابه الخلص الذين وقفوا مع علي عليه السلام ثم مع الحسن بن علي(3هـ - 50هـ) عليهما السلام ثم مع شهيد الطف.

     وقد برز منذ البدء قادة لكل منهج، وكانت المرأة تلعب دوراً رئيساً في كلا المدرستين، فلم يكن ممكناً أن تبتعد المرأة عن الدخول في السجال بين النهجين فكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وأم المؤمنين أم سلمة(ت 62هـ) رضوان الله تعالى عليها وزينب بنت علي(5هـ - 65هـ) عليهما السلام وأم البنين(ت 64هـ) زوجة أمير المؤمنين عليهما السلام وغيرهم في خندق علي عليه السلام رائد مدرسة الإمامة، وفي المقابل كانت هناك نساء حملن راية الحرب والعداء لعلي بن أبي طالب عليهما السلام..

     وهذه الدراسة تبين لنا جزءاً من حياة فاطمة بنت حزام الكلابية( 9هـ - 64هـ) زوجة أمير المؤمنين علي عليه السلام، والتي كان لها دور كبير في مدرسة الوحي والإمامة، ولا يمكننا أن نستوعب تاريخ النهضة الحسينية بعيداً عن البحث في الدور التي قامت به قبل النهضة وبعدها.    

     وعلى الرغم من قلة المعلومات عن حياة فاطمة الكلابية المعروفة بأم البنين عليها السلام إلا أن ما وصلنا يمكن أن نتبين منه الملامح العامة لحياة هذه القمة الشامخة في الفضل والعلم والجهاد، وما قامت به من حركة لفضح الاستبداد والظالمين وما وقع من انحرافات في مسيرة الأمة.

شخصية أم البنين.. ملامح القيم وثقافة الكرامة

     أبرز ما يميز شخصية أتباع مدرسة الوحي والإمامة هو رفضهم التام للاستبداد أو الاستكانة له أو الانخداع بإعلامه المضلل، فالإنسان هنا يشعر بأنه حر وأن لا سلطان يملكه أو يستطيع استعباد قلبه، ولعل هذه الصفات لم تتولد فجأة ودون مقدمات، بل هي نتيجة طبيعية للثقافة والفكر والعقيدة التي ملأت كل جوانح قلبه وضميره وأحاسيسه.

      وتعتبر القدوة التي يؤمن بها أتباع مدرسة الوحي والإمامة عاملاً مهماً في تكوين الميول الثقافية والصفات الشخصية، ومن الطبيعي أن عظمة القائد تؤثر بشكل كبير في أتباعه ومن يقتدي به، وليس في تاريخ البشر أي شخص يمكن أن يصل لعظمة ومكانه رسولنا الأكرم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، الذي قال عنه رب الخلائق في كتابه:

)      وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )[4]

     ولا يوجد من بعده أحد كعترته الطاهرين الأئمة الإثني عشر عليهم السلام الذين فرض الله مودتهم وطاعتهم على العباد، وبالطبع كانت أم البنين فاطمة بنت حزام الكلابية عليها السلام إحدى تلك النساء العظيمات التي تربت في بيت طهر وتزوجت خليفة النبي صلى الله عليه وآله، وأسهمت بشكل كبير في مسيرة النهضة العلمية في المدينة المنورة إلى جنب زينب بنت أمير المؤمنين عليهما السلام، كما كانت نعم المربية لجيل ناصر علي عليه السلام في حروبه وسبطيه من بعده.

     أم البنين..الأصل والنشأة

     أم البنين هي فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة الكلابيّة، وتمثل سلسة الآباء هذه أشرف بيوتات العرب في الشجاعة والبسالة وطيب المنبت والكرم، وقد وصفها عقيل بن أبي طالب(ت 49هـ) عليهما السلام عندما أراد منه أمير المؤمنين عليه السلام أن يخطب له زوجة تنجب له إبناً يكون عوناً لنهضة أخيه الحسين عليه السلام قال: أخي، أين أنت عن فاطمة بنت حزام الكلابيّة، فإنّه ليس في العرب أشجع من آبائها.

     نعم فقد أختار الله تعالى لأمّ البنين سلام الله عليها أنْ تنشأ في منبت طاهر، في بيت شجاعةٍ وكرم، وقد كان أبوها حزام مسافراً يوماً ما فرأى في نومه كأنّه جالسٌ في أرض خصبة، منعزلاً عن جماعته وبيده درّة يقلّبها متعجّباً من رونقها، فإذا برجل أقبل إليه من صدر البريّة على فرس له، سلّم عليه، فردّ حزامٌ السلام عليه، ثمّ قال الرجل: بكم تبيع هذه الدرّة.

      قال: لا أعرف قيمتَها، ولكنْ بكم تشتريها أنت؟

      فقال الرجل: لا أعرف قيمتها لكن أهدها إلى أحد الأمراء وأنا الضامنُ لك بشيءٍ هو أغلى من الدراهم والدنانير.

      قال: ما هو ؟

      قال: أضمنُ لك بالحظوة عنده والزلفى والشرف والسؤدد أبد الآبدين.

      قال له حزام: وتكون أنت الواسطة ؟

     قال: نعم، أعطني إيّاها، فأعطاها، فلمّا انتبه حزام من نومه قصّ رؤياه على جماعته وطلب تأويلها.

      فقال له أحدهم: إنْ صدقتْ رؤياك فإنك تُرزق بنتاً يخطبها منك أحد العظماء، وتنال عنده بسببها القُربى والشرفَ والسؤدد.

     فلمّا عاد من سفره بُشّر حزام بأنّ زوجته ثمامة بنت سهيل قد وضعتْ بنتاً، فتهلّل وجهه وسُرّ بها.

     فقيل له: ما نُسمّيها.

     فقال: سمّوها فاطمة، وكنّوها بـ ( أمّ البنين ).

     فنشأتْ بين أبوينِ شريفين عُرِفا بالأدب والعقل، وقد حباها الله سبحانه بجميل ألطافه، إذْ وهبها نفساً حرّةً عفيفةً طاهرة، وقلباً زكيّاً سليماً، ورزقها الفطنة والعقل الرشيد، فلمّا كبرتْ كانتْ مثالاً شريفاً بين النساء في الخُلق الفاضل الحميد، فجمعت إلى النسب الرفيع حسباً منيفاً، لذا وقع اختيار عقيل عليها لأنْ تكون قرينةَ أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام.[5]

     وحتى نتعرف على البيئة الاجتماعية التي تربت فيها واكتسبت صفات النبل والكرامة منها، لتصوغ شخصيتها على قيم نبيلة تجعل من العزة والشجاعة والإيثار والحكمة صفات وعلامات تلفت المجتمع العربي آنذاك، ولتصبح بهذا الإرث القيمي والأخلاقي قمة يعرفها البعيد والقريب، بل لتصبح أم البنين عليها السلام نفسها مثار إعجاب وشخصية مشهورة حتى عند المجتمع الذكوري، وما إشارة عقيل بن أبي طالب عليهما السلام إليها في حديثه لأمير المؤمنين عليه السلام إلا دلالة على شهرتها وعلو مكانها في مجتمع المدينة آنذاك.

     ويُظهر حديث عقيل عليه السلام أن فاطمة بنت حزام الكلابية عليها السلام كانت مظهراً لكل تلك القيم التي اشتهرت بها عائلتها من الشجاعة والكرامة والعزة وشدة البأس، وكأنها قد اختزنت كل تلك الصفات في شخصها، وهو ما سوف يتضح لنا عند إيراد تلك الرواية التاريخية التي تعد من أهم النصوص التي تبرز مكانة أم البنين رضوان الله تعالى عليها.   

     وهنا سوف نبرز بعض أعلام أسرتها لنتعرف على تلك الصفات التي اكتسبتها أم البنين من آباءها وأجدادها وهم كما يلي:

1-   عامر بن الطفيل. 

     وهو أخو عمرة الجدة الأولى لاَمّ البنين عليها السلام، وكان من ألمع فرسان العرب في شدة بأسه، وقد ذاع اسمه في الأوساط العربية وغيرها، وبلغ من عظيم شهرته أن قيصر إذا قدم عليه وافد من العرب فان كان بينه وبين عامر نسب عظم عنده، وبجّله وأكرمه، وإلاّ أعرض عنه.

2-   عامر بن مالك.

     وهو الجدّ الثاني للسيّدة أمّ البنين عليها السلام، وكان من فرسان العرب وشجعانهم ولُقّب بملاعب الأسنة لشجاعته الفائقة، وفيه يقول الشاعر: 

يلاعب أطراف الأسنة عامر......... فراح له حظّ الكتائب أجمع 

    وبالإضافة إلى شجاعته فقد كان من أُباة الضيم، وحفظة الذمار ومراعاة العهد، ونقل المؤرّخون عنه بوادر كثيرة تدلل على ذلك.

3-   الطفيل.

     وهو والد عمرة الجدّة الأولى لأم البنين عليها السلام، كان من أشهر شجعان العرب، وله أشقّاء من خيرة فرسان العرب، منهم ربيعة، وعبيدة، ومعاوية، ويقال لأمهم (أمّ البنين، وقد وفدوا على النعمان بن المنذر فرأوا عنده الربيع بن زياد العبسي، وكان عدوّاً وخصماً لهم، فاندفع لبيد وقد تميّز من الغيظ فخاطب النعمان:

            يا واهب الخير الجزيل من سعة     نحن بنو أمّ البنيـن الأربعـــة

            ونحن خير عامر بن صعصعــة    المطعمون الجفنـة المدعدعـة

            الضاربون الهام وسط الحيصعة    إليك جاوزنا بـلاداً مسبعـــــة

            تخبر عن هـذا خبيراً فاسـمعـــه     مهلاً أبيت اللعن لا تأكل معه

فتأثّر النعمان للربيع، وأقصاه عن مسامرته، وقال له:

         شرّد برحلك عنّي حيث شئت ولا         تكثر عليَّ ودع عنك الأباطيلا

         قد قيل ذلك إن حقــاً وان كذبـــــا         فما اعتذارك في شيء إذا قيلا

     ودلّ ذلك على عظيم مكانتهم، وسموّ منزلتهم الاجتماعية عند النعمان فقد بادر إلى إقصاء سميره الربيع عن مسامرته.

4-   عروة بن عتبة.

     وهو والد كبشة الجدّة الثانية لأم البنين عليها السلام، وكان من الشخصيات البارزة في العالم العربي، وكان يفد على ملوك عصره، فيكرّمونه، ويجزلون له العطاء، ويحسنون له الوفادة.

     هؤلاء بعض الأعلام من أجداد السيّدة الكريمة أمّ البنين عليها السلام، وقد عرفوا بالنزعات الكريمة، والصفات الرفيعة، وبحكم قانون الوراثة فقد انتقلت صفاتهم الشريفة إلى السيّدة أمّ البنين عليها السلام ثم منها إلى أبنائها الممجدين.[6]

     إن شخصية أم البنين سلام الله عليها ولما تملك من أرضية وراثية للمكارم قد تشربت بكل قيم العزة والنخوة والشهامة والشجاعة، وفي مدرسة أمير المؤمنين عليه السلام كانت تملك كل الاستعدادات النفسية والعقلية كي تستوعب علم خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وما يلقيه عليها من تعاليم وقيم ومبادئ، وبهذا كانت إحدى عالمات أهل البيت عليهم السلام والتي كان لها دور كبير في تربية أجيال مجاهدة تحت لواء علي عليه السلام، وكان من أبرز أولئك هم أشبالها الأربعة والذين كانوا عصارة التربية النبيلة والتي استهدفت جعلهم فدائيين في حركة النهضة الحسينية، وكان أبرز هؤلاء هو أبي الفضل العباس بن علي(26هـ - 61هـ) عليهما السلام، والذي يعد بحق أسطورة في الفداء والتضحية والجهاد في سبيل نصرة الإسلام، وجندياً مخلصاً لأخيه وسيده الحسين سيد شباب أهل الجنة عليه السلام.

     وبالفعل رسم العباس عليه السلام ملحمة البطولة والتضحية والفداء، وكان بسبب تضحيته صانعاً لأهم مراحل تاريخ الإسلام، ففي كربلاء ظهرت معادن الثلة المجاهدة والمناصرة للدين والمدافعة عن قيم ومبادئ وشريعة الإسلام والتي تمثلت كلها في سبط رسول الله صلى الله عليه وآله الحسين بن علي عليهما السلام، وفي الجانب الآخر المناهض للحسين عليه السلام أصطف الطلقاء وأبنا الطلقاء والمنافقين الذين تستروا بالدين، فلم يكن في جيش أبن زياد( ت 67هـ) أخبث ولا أشقى ولا أكثر نفاقاً منهم، أنهم العصابة التي تركزت في قلوبها كل قيم الشر والكفر والنفاق والشرك، بل كانوا أكثر جاهلية من الجاهلية الأولى لأنهم تشربوا كل قيم الكراهية والحقد وكأنهم عصارة جاهلية التاريخ البشري كله.

     ولعل هذا أحد معاني أن الحسين عليه السلام وارث آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى عليهم أفضل الصلاة والسلام، كما أنه وارث النبي الأكرم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين عليه السلام وفاطمة عليها السلام، فهو يحمل إرث كل الرسالات والشرائع الربانية، ويعني ذلك أن من وقف في مقابله لحربه وقتاله هم يقفون حقيقة ضد كل الأنبياء والشرائع السماوية، وهذا معنى كونهم عصارة جاهلية التاريخ البشري كله.

     لذا كان الحسين عليه السلام هو ثار الله وابن ثأره، لأنه عز وجل مرسل الأنبياء وشرائعهم، وهنا بالذات تتواصل المسيرة مع آخر الأوصياء الإمام محمد بن الحسن المهدي(ولد 260هـ) عجل الله فرجه الذي أذخره الله كي يأخذ بثار الله وينتقم من أعداء الله ورسالاته وأنبياءه بنصر نهضة الحسين عليه السلام وتحقيق أهداف ثورته في بسط العدل ومحو الظلم والجور بين كافة البشر.

ولادة فاطمة الكلابية..تحليل تاريخي

     يرى بعض الباحثين أن فاطمة بنت حزام عليها السلام كان عمرها عند زواجها بأمير المؤمنين عليه السلام عشرين عاماً، ويخمن أن ولادتها كانت في السنة الخامسة للهجرة، لأن المؤرخين لم يذكروا ولادتها على وجه الدقة أو أنه قد ذكر في كتب معينة وتلفت هذه الكتب كغيرها من الآلاف التي فقدت نتيجة الأوضاع المضطربة التي مر بها العالم الإسلامي خلال القرون الماضية، ولكنا يمكن أن نعرف ولادة أم البنين عليها السلام متى كانت عندما نلاحظ تاريخ ولادة أبنها الأكبر عباس بن علي عليهما السلام، فقد كانت ولادته على ما أثبتها المؤرخون في السنة السادسة والعشرين من الهجرة.

     وعليه فيمكن أن نقدر عمرها الشريف عام ولادة ولدها العباس عليه السلام بحوالي 20 سنة، إذ يستشف من كلام عمه عقيل لأبيه الإمام علي عليه السلام: أين أنت عن فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية، أنها كانت في سن النضوج الذي يؤهلها لأن تكون كزوجة صالحة للإمام علي عليه السلام.

     يقول السيد السويج: وعلى هذا الأساس تكون ولادتها بعد الهجرة بخمس سنين على وجه التقريب، إذ لم أجد رواية للآن يفهم منها على الأقل تحديد ذلك بقرينة ما، فضلاً عن أن تكون قائمة بنفسها، هذا مع تتبعي ذلك وقتاً غير يسير.[7]

     لكن الذي يبدوا لي أن أم البنين قد ولدت بين سنة التاسعة للهجرة والحادي عشر، وذلك للأسباب التالية:

1-   أن العرب لم يعتادوا أن البنت تبقى لسن العشرين عاماً دون زواج إلا إذا كان لا يرغب فيها، لسبب ما، وهذا الأمر غير وارد فيما يخص فاطمة بنت حزام لأنها تحمل كل صفات المرأة التي يتمنى الكل أن يحظى للإقتران بها، من حسب ونسب وجاه وعلم وجمال وأدب، وغيرها من الصفات التي عرفت بها في المدينة وضواحيها.

2-   أن المرأة إذا بلغت سن العشرين كانت تعتبر عانساً حسب ثقافة المجتمع العربي آنذاك، ونلاحظ ذلك من خلال سن الزيجات الكثيرة التي حصلت في حياة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله، فبنات النبي صلى الله عليه وآله كزينب وأم كلثوم وفاطمة عليهم السلام، والتي تزوجها أمير المؤمنين عليه السلام وهي في السنة العاشرة من عمرها، إذ استشهدت عليها السلام وعمرها تسعة عشر عاماً، وكانت ولادتها في السنة الخامسة للبعثة النبوية في مكة المكرمة، كما أن الرسول صلى الله عليه وآله تزوج عائشة وعمرها حسب المشهور تسع سنوات، وغير ذلك الكثير ممن يراه المتتبع للتاريخ.

3-   تعتبر المرأة في سن العشرين قادرة على الاهتمام بشؤونها الشخصية، من تجمل وتهيئة نفسها بالمظهر الجميل كتمشيط شعرها أو إضافة الكحل لعينيها، وأنها لا تعتمد على من يقوم بهذه الأمور لها إلا في أوقات مخصصة كيوم زفافها لزوجها، حيث تأتي كافة الصديقات والأقارب لكي يجهزوا العروس بحلة جميلة كنوع من التكاتف الاجتماعي، أما في الأيام الطبيعية فالعادة أن تتكفل هي بنفسها بمثل هذه الأمور، لكن بعض المرويات تصف لنا كيف أن أم البنين عليها السلام كانت تجلس عند أمها وهي تمشط شعرها عندما دخل عليها أبوها يبشرها بخطبتها لأمير المؤمنين عليه السلام، وهو ما يكشف عن كونها في سن الرابعة أو الخامسة عشر أو السابعة عشر، أو أقل من ذلك.

4-   ونحن نرجح أن عمرها عند زواجها من أمير المؤمنين عليه السلام كان في حدود السابعة عشر ولا يزيد عن ذلك، إذ أنها توفيت سنة 64 للهجرة، وأنها قد أنجبت أكبر أبناءها العباس عليه السلام سنة 26 للهجرة، وقد أستشهد عليه السلام سنة 61 للهجرة في كربلاء وعمره 35 سنة، وهنا يمكن لنا أن نقول أن ولادتها كانت في السنة التاسعة للهجرة فيكون عمرها عند زواجها سبعة عشر سنة على أبعد التقادير وعند وفاتها 55 سنة، وبهذا تكون أم البنين عليها السلام من الصحابيات التي نالت شرف رؤية رسول الله صلى الله عليه وآله، إذا عرفنا الصحابي بأنه من رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وإن لم يرو عنه، أو كان غير مدرك حين رؤيته له صلى الله عليه وآله لصغر سنه.

أم البنين والدخول للتاريخ

     بالرغم من كون فاطمة بنت حزام الكلابية عليها السلام كانت معروفة في الأوساط الاجتماعية في المدينة المنورة، إلا أن زواجها بأمير المؤمنين عليه السلام كان بوابة الخلود والتميز، إذ يعتبر علي بن أبي طالب عليهما السلام ثاني شخصية في الإسلام، بل في التاريخ البشري كله، ولم يكن الاقتران بشخص بصفات كهذه أمراً اعتياديا وطبيعياً، خصوصاً وأن الهدف من هذا الاقتران المبارك هو من أجل قضية يتعلق بها مصير الإسلام في استمراره وبقاءه.

     ففاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية عليها السلام كان منوطاً بها تربية جيل من الأبطال الذين يتصفون بالإخلاص للدين، والقدرة على التضحية بأرواحهم وكل ما يمتلكون من أجله، ويتميزون ببصيرة نافذة تتجاوز الفتن والشبهات لتعبر للحقيقة وتسعى لتحقيق الحق ونشر قيمه ومبادئه، ومحاربة الباطل ومن يتمترسون خلفه ويحملون شعاره ومن ينافق ويخاتل ويتمظهر بالصلاح دون أن يكون من أهله.

     وبالطبع إن تربية جيل يحمل صفات كهذه ليس مسؤولية سهلة، ولا يمكن لأي شخص تحقيقها إلا إذا كان هو أولاً يتصف بها وتتشكل شخصيته من خلالها، وهكذا كانت أم البنين عليها السلام، نافذة البصيرة راسخة الإيمان ثابتة الفؤاد مخلصة للدين عارفة بأصول وقواعد الإسلام، وقد تشربت كل تلك القيم وأصبحت كالروح في الجسد، وإلا لم تكن تستطيع أن تربي شخصية كالعباس بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، الذي أصبح أسطورة في الشجاعة والفداء والتضحية والنخوة، وكان كما يقول الإمام الصادق( 83 هـ -  148هـ) عليه السلام:

     إن عمي العباس بن علي عليهما السلام نافذ البصيرة صلب الإيمان، جاهد مع أخيه الحسين عليه السلام، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً.[8]

     ولنر ما هي الأحداث التي رافقت الاقتران الميمون منذ أن طلب أمير المؤمنين عليه السلام من أخيه عقيل عليه السلام أن يبحث له عن زوجة تنجب له أبناءاً يناصرون أخاهم الحسين عليه السلام في نهضته، فقد أراد الإمام عليّ سلام الله عليه أن يتزوّج من امرأة تنحدر عن آباء شجعان كرام، يضربون في عروق النجابة والإباء، ليكون له منها بنون ذوو خصالٍ طيّبة عالية، لهذا طلب أميرُ المؤمنين عليه السّلام من أخيه عقيل ـ وكان نسّابة عارفاً بأخبار العرب ـ أنْ يختار له امرأةً من ذوي البيوت والشجاعة، فأجابه عقيل قائلاً:

     أخي، أين أنت عن فاطمة بنت حزام الكلابيّة، فإنّه ليس في العرب أشجع من آبائها.

      ثم مضى عقيلُ إلى بيت حزام ضيفاً على فراش كرامته، وكان خارج المدينة المنوّرة، فأكرمه حزام ذلك الإكرام، حتّى إذا مضت ثلاثة أيّام مدّة الضيافة سأل حزام عن حاجة عقيل، فأخبره أنّه قادمٌ عليه بالشرف الشامخ، والمجد الباذخ، يخطبُ ابنتَه الحرّة إلى سيّد الأوصياء عليّ عليه السّلام.

     فلمّا سمع حزام ذلك هشّ وبشّ، وشعر بأنّ الشرف ألقى كلاكله عليه إذْ يصاهر ابنَ عمّ المصطفى صلّى الله عليه وآله، ومَنْ يُنكر علياً وفضائله، وهو الذي طبّق الآفاق بالمناقب الفريدة.

     وكأنّ حزاماً تمهّل قليلاً وهو لا يرى امرأةً تليقُ بأمير المؤمنين عليه السّلام، فذهب إلى زوجته يشاورها في شأن الخِطبة، فرأى ابنته بين يديها وهي تقصّ عليها رؤياها.. فاستمع إليها دونَ أن تراه وهي تقول: كأنّي جالسة في روضة ذات أشجار مثمرة، وأنهار جارية، وكانت السماء صاحية والقمرُ مشرقاً والنجوم طالعة، وأنا أفكّر في عظمة الله من سماءٍ مرفوعةٍ بغير عمد، وقمرٍ منير وكواكب زاهرة، وإذا بي أرى كأنّ القمر قد انقضّ من كبد السماء ووقع في حِجري وهو يتلالأ نوراً يَغشى الأبصار، فعجبتُ من ذلك، وإذا بثلاثة نجوم زواهر قد وقعن في حجري، وقد أغشى نورُهنّ بصري، فتحيّرتُ في أمري ممّا رأيت، وإذا بهاتفٍ قد هتف بي، أسمعُ منه الصوت ولا أرى شخصه، وهو يقول:

بـُشراكِ فـاطمـة بـالسادةِ الغُررِ

 

ثلاثةٍ أنـجمٍ والـزاهـرِ الـقمـــــــــرِ

أبـوهـمُ سيّدٌ في الخلْق قـاطبـةً

 

بعد الرسول كذا، قد جاء في الخبرِ

     فعاد حزام يبشّر نفسه وعقيلاً وقد غمره السرور وخفّت به البشارة، وكان الزواج المبارك على مهرٍ سَنّه رسولُ الله صلّى الله عليه وآله في زوجاته وابنته فاطمة عليها السّلام، وهو خمس مئة درهم.[9]

أم البنين في بيت علي عليه السلام

     يخطئ بعض الكتاب الذين يتحدثون عن حياة أم البنين عليها السلام، عندما يعتبرونها قامت على تربية الإمام الحسن والحسين وزينب عليهم السلام، إذ أنها كانت أصغر من جميع أبناء علي عليه السلام من فاطمة الزهراء عليها السلام، إذ  كان زواجها بأمير المؤمنين على ما يبدو سنة 24 أو 25 للهجرة، وكان عمرها آنئذ 17عاماً، وهذا يعني أن الإمام الحسن عليه السلام كان عمره في حدود الثلاثة والعشرين عاماً وقد تزوج وأنجب، وكان الإمام الحسين عليه السلام عمره 22 عاماً، وكذا السيدة زينب عليها السلام كانت تصغر أخاها الإمام الحسين عليه السلام بعام، وكانت متزوجة بابن عمها عبدالله بن جعفر بن أبي طالب عليهم السلام، ولم تكن في بيت أمير المؤمنين عليه السلام عندما تزوج بأم البنين.   

     نعم كانت أم البنين عليها السلام امرأة عارفة ذات بصيرة وإيمان راسخ بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام وأبنيه الحسن والحسن عليهما السلام، لذا كانت تسعى بكل جهد وطاقة إلى خدمتهما ورعاية شؤونهما، وكانوا عليهم السلام يقدرون فيها هذا الحس المرهف والمحبة العميقة.

     وقد عُرف عن أم البنين عليها السلام حبها العميق لسبطي رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت تنطلق في ذلك من حب جدهما نبي الرحمة لهما، وأبوهما أمير المؤمنين عليه السلام وأمهما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، ولذا فقد سخرت كل إمكانياتها وحياتها لخدمتهم ورعايتهم على أكمل وجه.

صناعة الأجيال..مواجهة التحديات وبناء المجتمع

     خلقت نهضة الإمام الحسين عليه السلام تياراً قوياً داخل الأمة يحمل على عاتقه تغيير المفاهيم ويسعى دائماً للوقوف في وجه الانحرافات الفكرية والسياسية والاجتماعية، وعند قراءة تاريخنا نلحظ أن هذا التيار كان صمام الأمان دائماً للأمة أمام أعداءها، وكانت قيم ومبادئ النهضة وما أراده الإمام الحسين عليه السلام قد سعت أجيال عديدة جاءت بعد استشهاده لتحقيقها ولتكمل المسيرة، ولم يكن في تاريخ البشر نهضة استطاعت الاستمرار كنهضة الإمام الحسين عليه السلام والتي لا زالت مستمرة إلى الآن رغم مرور أكثر من 1370 عاماً، وذلك من خلال تواصل الأجيال المؤمنة واستمرارهم في حمل مشعل الإصلاح والتغيير والبناء.

     وما إحياء أيام عاشوراء من كل عام واستذكار ما جرى على الحسين عليه السلام في كربلاء واستحضار أهداف النهضة وقيمها إلا دليلاً على نجاح حركة الإمام عليه السلام وتحقيق أهدافها، ويظهر ذلك جلياً لمن تتبع عمق الانحرافات التي أرادتها المؤسسة الأموية، والتي كان أحد أهدافها الرئيسة هي القضاء على الإسلام بشكل تام وإحياء قيم الجاهلية.

     ولم يكن ممكنا مواجهة التحديات التي واجهها الدين إلا من خلال بناء طليعة مؤمنة تحمل على عاتقها الحفاظ على الإسلام وتجديد مفاهيمه في كل عصر لتتوافق مع تطورات الحياة، وهنا نلحظ افتراق المنهجين والمدرستين، في التعاطي مع متطورات كل عصر، وقد تميز منهج ومدرسة الوحي والإمامة بتكييف الواقع الاجتماعي والسياسي والفكري في كل عصر من خلال تفسير وتطوير الخطاب الديني حتى يصبح قادراً على تحليل المشكلات والأزمات ووضع الحلول والأفكار التي تكون قادرة على تطبيقها ووضعها في سياق الحياة المعاصرة لكل مجتمع.

    وعند قراءة سيرة أم البنين فاطمة بنت حزام عليها السلام ومعرفة الدور المنوط بها كإحدى الشخصيات المهمة في نهضة كربلاء، يتضح أن المسؤولية الملقاة على عاتقها كانت كبيرة جداً، وتتمثل في صناعة الأجيال والقادة الذين يحملون لواء النهضة والنصر، ويقودون معركة تصحيح القيم والمفاهيم لدى أبناء الأمة، وتتطلب هذه المسؤولية قدراً كبيراً من المؤهلات والعوامل التي لابد من تواجدها في المربي حتى يستطيع أن ينهض بهذه المهمة، ولعل أولها أن يتصف ـ من يروم تحقيق العظمة في الأجيال ـ هو بذلك، وإلا فإن فاقد الشيء لا يعطيه، وهنا تتضح كم كانت عظيمة أم البنين عليها السلام حتى استطاعت أن تربي قادة أصبحوا يمثلون أسطورة تاريخية قل أن يوجد لها مثيل، ويعرف ذلك من قرأ سيرة كربلاء ومواقف أبناء أم البنين عليها السلام في المعركة، وكيف أن الجيش الأموي كان يحسب لهم ألف حساب.

     إن قيادة العباس بن علي عليهما السلام المعركة يوم كربلاء كان ذروة الجهاد ضد الانحراف الذي تفشى في الأمة، فقد كان جيش يزيد بن معاوية يكمل مخططاً رسمه مؤسس الدولة الأموية هدفه النيل من الدين وأبرز شخصياته ورموزه، ولم تكتمل عقلية الجيش الأموي بتلك الصورة التي رأيناها في كربلاء إلا بعد عمل مؤسسي يهدف مسخ الشخصية المسلمة وتغيير قيمها لتتوافق وتتناغم مع أطروحة الدولة.

     وهذا يعني أن جهود التحريف والتضليل حين وصولها للنتيجة المفجعة في كربلاء كانت قد قطعت شوطاً زمنياً طويلاً واستهدفت فئات ومجتمعات متعددة، وفي الاتجاه المعاكس أي عند مدرسة آل البيت عليهم السلام، كان الشعور بالانحراف ومعرفة أهداف الساعين إليه واضحة، لذا كان هؤلاء يواجهون تلك التحديات من خلال مزيد من الجهد المعرفي والتربوي.

     وقد كانت المواجهة بين قادة مدرسة الوحي والإمامة تحدث حتى في عقر دار الطرف الأموي، كما يحدثنا التاريخ بذلك، ومن ذلك ما نقله أحمد بن عبدربه في العقد الفريد قال:

     لما قدم أبو الأسود الدؤلي ( ت 69 هـ) على معاوية ( ت 60 هـ)عام الجماعة قال له معاوية: بلغني يا أبا الأسود أن علي بن أبي طالب (علي السلام) أراد أن يجعلك أحد الحكمين فما كنت تحكم به؟

     قال: لو جعلني أحدهما لجمعت ألفا من المهاجرين وأبناء المهاجرين وألفا من الأنصار وأبناء الأنصار، ثم ناشدتهم الله: المهاجرون وأبناء المهاجرين أولى بهذا الأمر أم الطلقاء؟

     قال له معاوية: لله أبوك أي حكم كنت تكون لو حكمت.[10]  

     وقدم معاوية مكة أو المدينة فأتى المسجد، فقعد في حلقة فيها ابن عمر(ت 74 هـ) وابن عباس( ت 68 هـ) وعبدالرحمن بن أبي بكر( ت 53 هـ)، فأقبلوا عليه، وأعرض عنه ابن عباس، فقال: وأنا أحق بهذا الأمر من هذا المعرض وابن عمه؟

     فقال ابن عباس ولم؟ ألتقدم في الإسلام، أم سابقة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، أو قرابة منه؟

     قال: لا ولكني ابن عم المقتول.

     قال: فهذا أحق به، يريد أبن أبي بكر.

     قال: إن أباه مات موتاً.

     قال: فهذا أحق به، يريد ابن عمر.

     قال: إن أباه قتله كافر.

     قال: فذلك أدحض لحجتك، إن كان المسلمون عتبوا على ابن عمك فقتلوه.[11]

     وينقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة أن المغيرة بن شعبة( ت 50 هـ) قال لمعاوية: إنك قد بلغت سناً يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً، فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم، فو الله ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه.

     فقال له: هيهات أي ذكر أرجو بقاءه؟ ملك أخو تيم، فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: أبو بكر.

     ثم ملك أخو عدي، فاجتهد وشمر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر.

     وإن ابن أبي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمد رسول الله، فأي عمل يبقى، وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أباً لك؟ لا والله إلا دفناً دفناً.[12]

     ولما دخل معاوية الكوفة بعد صلح الإمام الحسن عليه السلام معه، وبايعه الناس دخل عليه هاني بن الخطاب الخمداني أو سعيد بن الأسود بن جبلة الكندي فقال: أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه.

     فقال له معاوية: ولا شرط لك، ولكن الرجل قال له: وأنت أيضاً لا بيعة لك.

     فتراجع معاوية وقال: إذاً فبايع، فما خير شيء ليس فيه كتاب الله وسنة نبيه.[13]

      وفي مثل هذه الحركة الدؤوبة من الجهد المتواصل لتحريف قيم ومفاهيم الإسلام، لم يكن متوقعاً أن يتفرج آل النبي صلى الله عليه وآله، بل كانوا يضاعفون الجهد والعمل لإنقاذ الأمة من تلك المفاهيم والأفكار والقيم الأموية، التي رأينا نتيجتها في فاجعة كربلاء ووقعة الحرة في المدينة وهدم الكعبة المشرفة في مكة، وذلك في ثلاث سنوات من حكم يزيد بن معاوية، والذي لو عاش سنة رابعة لأتى بفاجعة أخرى.

الاستبداد..وثقافة المواجهة أم البين مثالاً

     في كتابه طبائع الاستبداد يقول الكواكبي(1271 – 1320 هـ / 1849 – 1902م) وهو يستعرض العلاقة بين الاستبداد والمال: الاستبداد لو كان رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشر وأبي الظلم وأمي الإساءة، وأخي الغدر وأختي المسكنة، وعمي الضر وخالي الذل، وابني الفقر وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة ووطني الخراب، أما ديني وشرفي وحياتي المال المال المال.[14]

     إن الاستبداد يخلق ثقافة الذل والخنوع والاستسلام وقد يصير المجتمع الذي لا يملك حصانة ضد ثقافة المستبد وآلته الإعلامية مسخاً يمجد قاتله ويدعوا بالنصر لظالميه وبالعز والثراء لسارقيه، بل يصبح هذا المجتمع قوة للمستبد، به عليه يصول ويطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب الأموال فيحمدوه على إبقاء حياتهم، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريم، وإذا قتل منهم ولم يمثل، يعتبرونه رحيماً، ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ، وإن نقم عليه منهم بعض الإباة قاتلهم كأنهم بغاة.[15]

     المجتمع الذي يخضع لطغيان المستبد وثقافته ليصل إلى درجة العبودية كما رأيناه واقعاً في حياتنا المعاصرة عندما هلك بعض السلاطين بكى عليه بعض المخدوعين وكأنه أخرجهم من الذل إلى الكرامة وليس العكس، حيث يعيشون حالة التبعية التامة للغرب ولم يحقق أي تنمية حقيقية للبلد بل إن كل ما قام به لا يعدو أمرين هما بناء القصور له ولأسرته والسجون للمخالفين له ولسياسته.

     إن مجتمع بهذه الثقافة المنحرفة لا يمكن أن يشعر بطعم العزة والكرامة، وهذا ما لم يرده آل النبي صلى الله عليه وآله للأمة، وقد كانت أم البنين عليها السلام من النساء المجاهدات التي حملت مشعل الحرية ولواء المواجهة من خلال النهضة المعرفية التي قادتها في المدينة إذ كانت حليلة علي بن أبي طالب عليهما السلام الذي قال: لقد علمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب من العلم يفتح من كل باب ألف باب.[16]

     وكانت أم البنين فاطمة الكلابية عليها السلام تلميذة علي عليه السلام ذات عقل ورأي راجح، ولم تترك أمراً يدور في خلدها دون أن تسأل عنه باب العلم والمعرفة لكي يفتح لها من العلوم الكثيرة ما به تصبح قادرة على توجيه المجتمع والنساء في المدينة المنورة، إذ أن بيت علي عليه السلام كان محطة تربوية مهمة، وكانت النساء تجتمع عند أم البنين عليها السلام حلقات لتتعلم منها معارف الوحي وقيم النهضة وفكر الحرية والكرامة والعزة.

     وكان أبناءها لهم نصيب الأسد من تلك المعارف والعلوم، حتى أصبح العباس وأخوته عليهم السلام يشار إليهم في ذلك، فالمكونات التربوية الصالحة التي ظفر بها أبو الفضل العباس عليه السلام قد رفعته إلى مستوى العظماء والمصلحين الذين غيروا مجرى تاريخ البشرية بما قدموه لها من التضحيات الهائلة في سبيل قضاياها المصيرية وإنقاذها من ظلمات الذل والعبودية.

     لقد نشأ أبو الفضل العباس عليه السلام على التضحية والفداء من أجل إعلاء كلمة الحقّ، ورفع رسالة الإسلام الهادفة إلى تحرير إرادة الإنسان، وبناء مجتمع حضاري تسوده العدالة والمحبة، والإيثار، وقد تأثر العباس عليه السلام بهذه المبادئ العظيمة وناضل في سبيلها كأشدّ ما يكون النضال، فقد غرسها في أعماق نفسه، ودخائل ذاته، أبوه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وأخواه الحسن والحسين عليهما السلام وأمة الطاهرة فاطمة الكلابية عليها السلام، هؤلاء العظام الذين حملوا مشعل الحرية والكرامة، وفتحوا الآفاق المشرقة لجميع شعوب العالم وأمم الأرض من أجل كرامتهم وحريتهم، ومن أجل أن تسود العدالة والقيم الكريمة بين الناس.[17]

قيم النهضة الحسينية.. فلسفة البقاء وثقافة الخلود

     إن أعظم صفة تجعل من القرآن الكريم هادياً وبشيراً هو قدرته على تقريب الإنسان إلى الحقائق الكونية بشكل تجعله يلامسها ويحس بها، ثم يندفع للتفاعل معها، وينفذها في واقعه وحياته.

     إن آيات الذكر تسقط الحجب الكثيرة والسميكة التي تفصل الإنسان عن سائر الخليقة واحداً فآخر، حتى يكتشف بالتالي سنن الله سبحانه وتعالى الحاكمة في الأرض والحياة.

     بيد أن المشكلة الرئيسة التي تكمن في طريق معرفة مجموع الحقائق الحاكمة هي أن الإنسان عادة ما يلحظ الحقائق القريبة والظاهرة ويجهل ويغفل أو يذهل أو يتناسى الحقائق البعيدة والغائبة، على الرغم من كون بعض هذه السنن لها دور أساسي في رسم ملامح المستقبل ووضوح المسيرة، إذ أن معرفة بداية الطريق ليست مسألة شائكة لأن المهم هو أن يسير الإنسان برؤيته الأصيلة لآخر المطاف.[18]

     وهذا بالضبط ما تقوم بفعله القيم والمبادئ والبصائر القرآنية، فبقدر ما يتعرف الإنسان ويعي حقائق الدين يخط طريقه بناءاً على فلسفة تنظر للنتائج والغايات والأهداف، وأهم ما يجعل الإنسان قادراً على معرفة الحياة وبناء المواقف الصحيحة من أحداثها هي قيم الحرية والكرامة لأنها تصحح طريق الإنسان إذا تنكب عن  الحق، أما من لا يشعر بالحرية والكرامة فلا يمكن أن يصحح مسيرة حياته، وهذا ما نستفيده من أحداث كربلاء التي غربلت أصحاب الضمائر والأحرار لتخرج أؤلئك الذين أخطئوا طريق الحق من الزيغ والضلال وتعيدهم لمعسكر الحق والدين والقرآن والقيم الحقة، إلى معسكر سيد شباب أهل الجنة.

     والحر بن يزيد الرياحي ( ت 61 هـ) قائد جيش بن زياد هو أحد النماذج الذين تشربوا بقيم الحرية والكرامة ولا يمكنه أن يحيد عن ضميره وعما تدعوه إليه تلك القيم النبيلة، يقول الحر: لما وجهني عبيد الله إليك (للحسين عليه السلام) خرجت من القصر فنوديت من خلفي: أبشر يا حر بخير، فالتفت فلم أر أحداً، فقلت: والله ما هذه بشارة وأنا أسير إلى الحسين عليه السلام، وما أحدث نفسي بإتباعك.

      فقال الحسين عليه السلام: لقد أصبت أجراً وخيراً.

     فلما قتل الحر رحمه الله، احتمله أصحاب الحسين عليه السلام حتى وضعوه بين يدي الحسين عليه السلام وبه رمق، فجعل الحسين عليه السلام يمسح عن وجهه ويقول: أنت الحر كما سمتك أمك، وأنت الحر في الدنيا، وأنت الحر في الآخرة.

     ورثاه علي بن الحسين ( ت 61 هـ) عليهما السلام:

              لنعم الحر حر بني ريـاح          صبور عند مختلف الرماح

              ونعم الحر إذ نادى حسينا         فجـاد بنفسـه عـند الصبـــاح

              فيا ربي أضفه في جــــنان         وزوجه مع الحور المـــلاح[19]   

     نعم الحرية والكرامة كقيمة تكون بصيرة تهدي الإنسان عند المنزلقات، ولعل ما نراه من حرب ضد نهضة الحسين عليه السلام في عصرنا هذا يكمن أحد أسبابها في فقدان هذه القيم لدى من ينتقدون الشعائر أو يخطئون من قاموا بالنهضة، إذ من الطبيعي أن من تربى على العبودية وتشرب الذل والخضوع واستسلم لشهوات الدنيا ولذاتها من منصب وجاه ومسميات كاذبة تجعله عالماً لا يمكنه أن يستسيغ أن يرى من يجاهد ليخرج الناس من الذل والهوان إلى فضاء الكرامة والحرية.

     إن من يشارك في بث ثقافة الخضوع والذل والخنوع والاستسلام للطغاة والمستبدين ويخدع المجتمع بتشريع طاعة الظالمين، لا يمكنه أبداً أن يقف مع الحسين عليه السلام، فلا غروا أن يُخطئ ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وريحانته وسبطه وسيد شباب أهل الجنة إرضاء لنزوات وشهوات دنيوية زائلة.

      قال تعالى في محكم كتابه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [20].

     هنا تأتي أهمية الثقافة والفكر الذي يحمل على عاتقيه تحرير المجتمع والعقول والقلوب والضمائر من الاستعباد والخنوع للظالمين والمستبدين، وهذا ما فعلته السيدة الطاهرة أم البنين فاطمة الكلابية عليها السلام، قبل نهضة الحسين عليه السلام وبعدها كما سوف نلاحظ ذلك، فهي من النساء العظيمات التي وقفن بوجه السلطة الأموية ودافعن عن قيم النهضة من خلال بث تعاليم وقيم وسيرة كربلاء وشهداءها وعلى رأسهم سيد شباب أهل الجنة.

     فعندما يحدثنا التاريخ أنها كانت تأتي كل يوم للبقيع بعد استشهاد الحسين عليه السلام ومن معه وتندبه وتندب أولادها، لم يكن ذلك مجرد صياح وبكاء، بل كانت تحدث من في المدينة عما جرى على السبط الشهيد في كربلاء وعن عمق الانحراف الذي وصلت إليه السلطة الأموية وبُعدها عن كل قيم الإنسانية إذ أن الفاجعة لم تكن مسبوقة في كل تاريخنا البشري، ومن قام بمثل هذا القتل والذبح والنحر للأطفال والرضع والنساء فضلاً عن القادة العظماء التي لا تجود الحياة بمثلهم أبداً، إنما يدلل ذلك على عمق الوحشية والصلافة وفقدان الروح الإنسانية، فأي شخص يمكنه أن يقتل طفلين رضيعين في المهد لم يتجاوز عمر أحدهما الساعة، كما فعله الأمويون حيث قتلوا طفلين رضيعين للحسين عليه السلام، أحدهما عبدالله الرضيع، والآخر أخوه الذي ولد يوم العاشر من محرم سنة 61 للهجرة في كربلاء، ولم يمهله معسكر يزيد بن معاوية حتى ساعة واحدة ليتنعم بالحياة في ظل والده الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، ثم يقوم هؤلاء المجرمون بقطع رأسيهما ويرفعانهما على الرماح ويذهبان بهما ليزيد لينالوا الجائزة جراء القيام بهذه المهمة القذرة والوحشية.

     أي وحشية هذه التي يمكن أن تجعل الإنسان قاتلاً بهذه الطريقة العمياء التي لا تفرق بين الكبير والصغير، وبين المرأة والرجل، وبين الشاب والكهل، وبين العالم والقارئ للقرآن وغيره، إن ذلك لا يمكن أن يحدث من قبل جيش إلا إذا فقد كل قيم الحرية والكرامة والإنسانية، وهل يمكن أن يحدث ذلك دون تواصل عملية التضليل الأموي البشع والتي لا زالت بعض فئات مجتمعنا المعاصر متأثرة به بل وتقوم بتطبيقه على من يوالون خط الكرامة والنهضة الحسينية.

     إن أم البنين فاطمة الكلابية عليها السلام ساهمت في تغيير حركة التاريخ، وبناء فلسفة الخلود والبقاء من خلال التركيز على قيم الشجاعة والنخوة والحرية والكرامة ونصرة المظلوم والنهضة على الظالم، ومن خلال ترسيخ تلك القيم في قادة النهضة الحسينية بدءاً من العباس بن علي عليهما السلام وأولادها، أو أحفادها، وما بثته من علومها في أروقة المدينة المنورة التي كانت تغلي وتتأهب للنهضة كما حدث في وقعة الحرة، فقد كان لزينب وأم البنين عليهما السلام والإمام زين العابدين ( 38 هـ - 94 هـ) عليه السلام دوراً بارزاً في نهضة صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله في المدينة سنة 63 للهجرة عندما خلع الصحابة يزيد بن معاوية، الأمر الذي تسبب بوقعة الحرة التي استشهد فيها الكثير من الصحابة من الأنصار والمهاجرين وأبناءهم.

     بل إن عبدالله بن الزبير( 2هـ - 73هـ) استفاد كثيراً من النقمة التي خلقتها النهضة الحسينية وإعلامها في ثورته على يزيد بن معاوية وسيطرته على مكة المكرمة والكوفة والكثير من أراضي العراق، فلم يمكنه تحقيق ذلك لو لا أن إعلام النهضة الحسينية التي قادته زينب بنت علي عليهما السلام وأم البنين عليها السلام والذي عرى السلطة وكشف للأمة حقيقتها وبعدها عن الدين بل والكيد للدين والسعي لتحريف مفاهيمه وقيمه وأحكامه.

بناء القدوة..أم البنين أنموذجاً

     أحد الأهداف الرئيسة للتضليل الإعلامي هو المرأة لما تشكل من ثقل اجتماعي وثقافي وتربوي مميز، ولما لها من تأثير في مجمل النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لكل أمة، وخصوصا في حياتنا المعاصرة حيث استطاعت المرأة أن تصل إلى أعلى المناصب في العالم حيث أصبحت رئيسة دولة في العديد من البلدان، وقائد لأكبر معارضة للسلطة السياسية في بلدان أخرى، وذات ثقل اقتصادي بسبب ما تملكه من ثروة ومال في بعض المجتمعات.

     لكنها كذلك في مجتمعات متخلفة لا زالت تكافح من أجل أن تقود سيارة، أو تعمل بموظفة كاشيرة، فضلاً عن وصولها لمراتب سياسية أو إجتماعية كبيرة، وهنا تلعب التقاليد والعادات والثقافة المنحرفة دوراً كبيراً في تكبيل المرأة وتقييد حريتها، وقد أصبحت هذه الممارسات تجاه المرأة تحسب على أنها رؤية الدين للمرأة وقضاياها، الأمر الذي أوجد ثقافة التحرر والتي فحواها خروج المرأة عن ثوابت الدين وقيمه كنزع الحجاب والسفور، وهذه المغالطة لعب عليها الإعلام الغربي كثيراً ولعل السبب في ذلك هو النظر للدين من خلال رؤية التيار المتشدد والتكفيري وهم أولئك الذين ينظرون للمظاهر والقشور على أنها كل الدين.

     إن الدين ليس ثوباً قصيراً ولحية منسدلة على الصدر بقدر ما هو مجموعة ومنظومة معرفية وقيمية متكاملة، والدين لم يفرق بين المرأة والرجل في المسؤوليات والواجبات والحقوق، إذ "لهن مثل الذي عليهن بالمعروف"[21]، كما يقول الله في كتابه، أما أن يكون الرجل وصياً على عقل المرأة وحريتها وانتزاع حقوقها وتقييد حريتها، فهذا ليس من الدين أبداً، فالدين جعل للمرأة حق التملك والسفر والتعلم والقيادة والمعارضة والتربية وتولي جميع المناصب ما عدا أشياء قليلة جداً ذكرها الفقهاء كالقضاء، وهو أمر لا يتعارض مع كرامة المرأة وحقوقها، لأن التساوي في الحقوق بين الرجل والمرأة لا يعني التشابه بينها فيها.

     لكن القاعدة والأصل عند التيار المتزمت والمتطرف هو منع المرأة من ممارسة ما تريد، ليصبح الحرام هو الأصل في التعامل مع قضايا المرأة، وأننا نحتاج إلى البحث في أن ذلك الأمر هل يحق لها ممارسته أو طلبه، وهنا لا يرجع لنصوص وأحكام متفق عليها، بل يرجع للأقوال الشاذة وللعرف والتقاليد ليصدر الحكم من خلال قاعدة سد الذرائع، وكأنها قاعدة حاكمة وليست محكومة بالنصوص والأصول الأخرى من الإباحة والحلية والصحة، وغيرها.

     إن هذه الثقافة المتشددة التي تجعل المرأة محصورة بين جدران المنزل، وتنظر إليها كمخلوق أدنى، جعلت شريحة كبيرة من النساء ينظرن لهذا الأمر على أساس أنه رؤية الدين، وهو ما لا يناسب المجتمع المعاصر والمتحضر الذي أصبح هيكله العام مختلف تماماً عن الرؤية التي يسعى المتطرفون الدينيون لتحقيقها في واقعنا، بل أصبح المشروع المتطرف ورؤيته منفرة عن الدين والتمسك به، وهو الأمر الذي استفادت منه واستغلته حركات التحرر النسوية في عالمنا المعاصر.

     إن المرأة في دولة الرسول صلى الله عليه وآله وخلافة أمير المؤمنين علي عليه السلام مارست العديد من الأدوار الكبيرة، وكذا في معركة الطف، وكانت دائماً إلى جنب الرجل في كل المواقف، ومن الخطأ اختزال دورها في القضايا المنزلية، وهذا ما فعلته أم البنين فاطمة الكلابية عليها السلام التي خرجت لكل ميادين المجتمع مجاهدة ومعلمة ومربية، ولعل أهم ما قدمته لنا هذه المرأة العظيمة هو نماذج القادة الذين نصروا النهضة الحسينية، وعندما نبحث عما يميز هؤلاء القادة عن غيرهم نرى أنه قوة الإيمان والبصيرة والشجاعة والتضحية من أجل الحق.

      وهذه هي الأهداف التي يجب على المرأة المعاصرة أن تركز عليها في عملية التنشأة للأجيال، فليس من الصحيح ما نراه اليوم من قيم تربوية تسعى لتركيز الاهتمام بالشأن المادي والاقتصادي للإنسان فقط دون إعطاء ذلك ضوابط، ليصبح هم الإنسان وهدفه في الحياة هو تحقيق رغباته وشهواته، ولتصبح قيم وثقافة المطربات والمغنيات والممثلات هي ركيزة الرؤية التربوية عند المرأة المعاصرة، ولمعرفة حقيقة ذلك علينا إلقاء نظرة على قاموس الشخصيات التي تحظى بالاهتمام لدى المرأة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، لنرى أن التافهات من مغنيات ومطربات وراقصات وممثلات يتربعن على رأس الاهتمامات المعرفية للمرأة.

     وهذا ما تسعى إليه مؤسسات إعلامية تنفق عليها دول غنية وثرية، لتنشئ منظومة إعلامية متكاملة بدءاً من المجلات التي تهتم بشريحة المغنيات والراقصات وغيرهن، إلى القنوات الفضائية الغنائية والإخبارية والتي تتكامل في أدوارها التي تهدف منها تسطيح ثقافة المرأة وتوجيهها لغايات بعيدة عن تربية جيل يحمل هموم الأمة ويسعى لتحقيق تطلعاتها الحضارية.

     لكننا لو رجعنا لشخصيات ونماذج المرأة في فكر وعقيدة أهل البيت عليهم السلام، لرأينا أن العظمة الحقيقية إنما تكون من خلال الأهداف العظيمة التي سعت المرأة لتحقيقها، بل وحققتها ورفدت التاريخ بثقافة تجعل الهدف الأسمى والأول رضا الله وطاعته والسير على طريق الحق والتنمية ورفض الظلم والاستبداد والتبعية، ولم يكن قول  الناس مهماً بقدر ما كان المهم هو تحقيق ما يريده الله ويأمر به.

     وهذا بالذات هو ما يفترض بالمرأة المعاصرة أن تهتم به في تنشأة الأجيال، فليس المهم أن نضمن عيشة مادية رغيدة إذا كان ذلك يقف أمام تحقيق آخرة سعيدة، ولا يعني ذلك أننا يجب أن نترك الدنيا وننزوي عن ملذات الحياة ونعيمها ونعيش حالة البؤس والجوع والفقر، بل علينا أن نسعى لكل ذلك مع جعل العزة والكرامة والحرية والحق أهدافاً وغايات لا نتنازل عنها تحت أي ظرف من الظروف.

     ولو نظرنا للعباس عليه السلام وإخوته في كربلاء ورأينا كيف أن الجيش الأموي قد خيرهم بين أمرين:

     الأول: أن يعطيهم الطاغية ابن زياد الأمان والمال والحياة الرغيدة في مقابل أن يتركوا سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي عليهما السلام.

     الثاني: أن يبقوا مع الإمام الحسين عليه السلام ويتعرضوا للقتل والإبادة التامة.

     وهنا تظهر أهمية القيم التربوية ليكون الجواب بدون تردد أن الموت مع الحسين عليه السلام هو الحياة الحقة وهو الخلود والبقاء الأبدي، فعندما بادر الخبيث الدنس شمر بن ذي الجوشن(ت 67 هـ) إلى سيده ابن مرجانه فأخذ منه أماناً لأبي الفضل وأخونه الممجدين، وقد ظن أنه سيخدعهم، ويفردهم عن أخيهم أبي الأحرار، وبذلك يضعف جيش الإمام، لأنه يخسر هؤلاء الأبطال الذين هم من أشجع فرسان العرب، وجاء الخبيث يشتد كالكلب، وقد وقف أمام جيش الحسين عليه السلام، وهتف منادياً:

     أين بنو اختنا العباس وإخوته؟

     وهبت الفتية كالأسود، فقالوا:

     ما تريد يابن ذي الجوشن؟

     فانبرى مستبشرا يبدي لهم الحنان المزيف قائلا:

     لكم الأمان.

     وصاحوا به، وهم يتميزون من الغيظ، فقد لذعهم قوله:

     لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله لا أمان له.[22]

     هنا تظهر ثمرة التربية عندما يخير الإنسان بين العزة والكرامة والحرية، وبين الاستعباد والخنوع والاستلام، ولم يكن ممكناً لأي أم وفتاة أن تربي جيلاً كهذا إذا لم تكن هي قد تشربت هذه القيم النبيلة، ولا يوجد مدرسة وعقيدة تزخر بهكذا قيم كمدرسة النهضة الحسينية وكمدرسة آل البيت عليهم السلام الذين سقطوا بأجمعهم شهداء على مذبح الحرية والكرامة، فمن علي ابن أبي طالب وأبناءه عليهم السلام إلى الأئمة الطاهرين من ولد الحسين عليهم السلام، فكان أن سقط الحسن بن علي العسكري(232هـ ـ 260هـ)عليهما السلام شهيداً وعمرة لا يتجاوز الثامنة والعشرين عاماً، ليرسخوا بذلك هذه القيم التي لا يمكن المساومة عليها.

     ونتساءل هل يمكن للمرأة المعاصرة أن تقتدي بأم البنين لتربي جيلاً نهضوياً يحمل مشعل الحرية والكرامة ويسعى لتحقيق حياة حضارية معاصرة قائمة على تلك القيم؟ أم أنها لكي تكون قادرة على ذلك عليها أن تحلل وتقرأ أولوياتها وأهدافها وتعرضها على حياة المرأة العظيمة أم البنين عليها السلام التي لم تتوان أبداً عن نصرة الحسين عليه السلام وتهيئة أبناءها جميعا للتضحية من أجل سيد شباب أهل الجنة، لتكون سلامة الحسين عليه السلام هي الأولوية وليس سلامة أولادها. 

     يمكن للمرأة المعاصرة أن تصبح كأم البنين عليها السلام فتختار الخلود والسعادة الأبدية على الدنيا الفانية، إذا جعلت أم البنين عليها السلام قدوة حقيقية وذلك من خلال الإتباع والطاعة والاقتداء التام بها، وليس مجرد لافتة ترفعها في مواسم الذكرى ثم تختار طريقاً آخر مخالف تماماً لما غرسته أم البنين عليها السلام وسعت لتحقيقه في حياتها.

     إن ذلك يمكن تحقيقه عندما تتعرف المرأة المعاصرة على معارف وعلوم أهل البيت عليهم السلام وتجعلهم قدوة تسير على دربهم، لأن تلك المعارف هي القيم التي حاربتها كل السلطات المستبدة في كل مراحل تاريخنا، وحياتنا المعاصرة، التي تمنع فيها الكثير من السلطات المستبدة الكتاب الشيعي الذي يحمل رؤى أهل البيت عليهم السلام، لأنه يحمل ثقافة وفكراً يحارب الاستبداد ويعري المستبدين، ويوجه الناس لمعرفة قادة الأمة الحقيقيين، وهو ما تراه يؤثر على شعبيتهم القائمة على التعتيم والتضليل الإعلامي الكبير. 

التأسيس للانتصار..أم البنين وتغيير التاريخ

     الهدف الأساس لنهضة الحسين عليه السلام هو الحفاظ على الدين وبقاء قيمه صافية صحيحة وقد تحقق له ما أراد، وفي المقابل كان هدف المعسكر الأموي هو بقاء السلطة والملك بيدهم من خلال تحريف قيم الدين والقضاء على قادته، ولم يتحقق لهم ذلك فقد زال الملك الأموي وسقطت أسطورة بني أمية وأصبحوا لعنة على الألسن مدى الدهر.

     هذا معنى الانتصار الذي حققته نهضة أبي عبدالله الحسين بن علي عليهما السلام، الذي أصبح قدوة لكل الشرفاء على مر التاريخ، وأصبح الاستشهاد معه منية ورغبة جامحة في قلوب أصحاب الضمائر الحية والمجاهدين من أجل الحرية والكرامة، ولم تخل فترة زمنية في كل تاريخنا لم يكن الحسين عليه السلام حاضراً بقيم نهضته وبنداء استغاثته، وكان الجواب دائماً لبيك يا حسين.

     نعم وسيبقى النداء أبدياً مدوياً في قلوب محبيه، وستبقى قيمه شعاراً لكل المجتمعات التي تسعى لنيل كرامتها وحريتها وتصحيح مسار حياتها، وهذا ما أخاف المستبدين على مر التاريخ وما يخيفهم الآن، الأمر الذي يجعلهم يحاربون شعائره وشعارات نهضته، ويسعون للتقليل من شأن هذه النهضة ومحاصرتها، من خلال لمز ونبز من يحيون تلك الشعائر بالضلالة والبدعة وغيرها من التهم الذي لم يسلم منها الأنبياء والأوصياء من عتاة أقوامهم والمتسلطين على رقاب الأمم.

     ولكن قيم سيد الشهداء عليه السلام تمتلك من الصلابة والقوة ما يجعل من يتمسكون بها وارثي الانتصار الحسيني في كل زمن، وهذا ما رأيناه في حياتنا المعاصرة، فكم من سلطة شديدة الاستبداد سعت لمحاربة وطمس قيم النهضة الحسينية لكن ما يحدث يكون العكس، فإن المستبد يسقط وتتلاشى سلطته ويبقى الحسين عليه السلام وما يمثله من مبادئ وقيم حياً في النفوس والقلوب، لأن الله كتب لها البقاء والانتصار في كل زمن، وما ذاك إلا ببركة دماء الحسين عليه السلام وشهداء كربلاء، الذين عرفوا أن استشهادهم لا يمثل حياتهم وبقاءهم هم فقط بل هو بقاء للدين وأحكامه وشرائعه.

     وإذا كان سبط الرسول صلى الله عليه وآله قائد النهضة والمخطط الأول لإستراتيجية الانتصار على مر التاريخ، فإن زينب بنت علي عليهما السلام وأم البنين فاطمة الكلابية عليها السلام مثلتا المؤسسة الإعلامية التي أوصلت صرخة الحسين عليه السلام ومبادئ وقيم نهضته لكل العالم، بل إنهما اللتان أجهزتا على ما تبقى من السلطة الأموية، فصوت زينب عليها السلام أخرس ابن زياد وفضح يزيد بن معاوية في عقر داره وأمام جميع قادته ومجتمع الشام الذي ضلله.

      وأم البنين عليها السلام كانت تأتي البقيع وتندب الحسين عليه السلام وأبناءها، وكانت تفضح السلطة الأموية من خلال تسليط الضوء على ما تقوم به من جهد كبير لطمس شريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله، وكانت المنبر الإعلامي الذي اجتذب كل أهل المدينة والتي كانت تعج بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان الجميع يأتي للبقيع لمعرفة ما تقوله وما تكشفه من حقائق، وقد بقت لسنة كاملة وهي تمارس دوراً إعلامياً من خلال الحضور لبقيع الغرقد، وهو ما كان له الأثر الكبير في تحريك مجتمع الصحابة في المدينة ليتوج ذلك بنهضة شارك فيها الجميع كان شعارها رفض البيعة ليزيد أو الاستسلام له.

     وبقت أم البنين عليها السلام تمارس دورها الإعلامي حتى استشهادها عام 64 للهجرة، والذي يبدوا أن الأمويين هم من عجلوا برحيلها عن الدنيا، من خلال دس السم وهي العادة التي برعت فيها السلطة الأموية كما حدث ذلك مع مالك الأشتر الذي قتلوه بدس السم في العسل، حتى قال معاوية بن أبي سفيان: إن لله جنوداً من عسل.

     نعم أم البنين عليها السلام بمواقفها البطولية وبجهادها ضد السلطة المستبدة قد غيرت التاريخ وبنت مجدها ومجد أبناءها الذين تشربوا قيم الحرية والكرامة مع رضاعتهم من لبنها، فقد كان الأب علي عليه السلام صاحب المجد الذي هو أعرف من إن يعرف، وأمهم هي فاطمة الكلابية صاحبة الحسب والنسب المنيف.

النهضة الحسينية  بين امرأتين.. زينب وأم البنين

     أظهرت واقعة الطف مخزونا هائلاً من العاطفة تجاه أهل البيت الطاهرين عليهم السلام، وأسهمت بشكل كبير في تصحيح مسار التاريخ الإسلامي، إذ لو لا تلك الدماء الزكية التي أريقت يوم العاشر من محرم سنة 61 للهجرة لما بقي من الإسلام إلا أسمه، ولاستطاعت العصابة الأموية أن تكيف وتصوغ الدين حسب رؤيتها وهواها، ليكون في النهاية خادماً لملكهم وسلطانهم.

     لكن الرؤية والبصيرة الثاقبة للأئمة الطاهرين عليهم السلام، أجهضت هذا المشروع التحريفي والتضليلي، وفضحت المخطط الأموي، وأبرزت حقيقته وأهدافه وغاياته للأمة، ولعل ما يجعل النظام العربي المستبد المعاصر يدافع عنه ويجمل صورة قياداته وتاريخه هو أمران:

    أولاً: أن هذه الأنظمة المستبدة هي في حقيقتها وارثة للفكر والأيديولوجية الأموية.

     ثانيا: أن الفكر الأموي يخدم ويحقق أهداف وغايات السلطات المستبدة المعاصرة.

     وإذا كان المشروع الأموي قد استخدم كل الإمكانيات والعناصر المتاحة ووظف كل الشرائح الاجتماعية لتسويق مشروعه، فأوجد فئة القصاصين، واختلق فئة من الوضاعين الذين مهمتهم وضع الأحاديث على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله، والتي من خلالها يصنع الأمويون المشروعية لسلطتهم، فإن أهل البيت عليهم السلام لم يألوا جهداً في كشف الحقائق وتوجيه الأمة لمعارف الوحي وإبراز القادة الحقيقيين الذين ورثوا علم رسول الله صلى الله عليه وآله ومعارفه ومكانته، ليس بتوجيههم لشخصيات الأئمة من أهل البيت عليهم السلام فحسب، بل من خلال توضيح معالم وملامح القيادة الربانية كما وردت في آيات الذكر الحكيم، وعلى لسان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله والتي تناقلها جميع الصحابة.   

     وهنا انبرت بنات الرسالة وسليلات بيت النبوة ليشاركن في المشروع الحضاري الذي يسعى لإخراج الأمة من عتمة الظلمة الفكرية والإعلامية الأموية، من خلال الوقوف في وجه كل المقولات التي سعى الأمويون لترويجها، وهنا سوف نلحظ ونسلط الضوء على موقفين، أحدهما لزينب بنت علي عليهما السلام والآخر لشريكتها في المصيبة والمصاب والغايات والأهداف النبيلة، أم البنين فاطمة العامرية الكلابية ليتضح كيف أن موقفها في المدينة كان مكملاً وداعماً ومواصلاً لموقف السيدة الطاهرة زينب سلام الله عليها، في كربلاء والكوفة والشام.

     يقول الإمام علي بن الحسين عليهما السلام: لمّا أصابنا بالطّفّ ما أصابنا وقُتِل أبي عليه السلام وقُتِل مَن كان معه مِن وُلده وإخوته وسائر أهلِه وحملت حُرْمه ونساؤه على الأقتاب يرادّ بنا الكوفة، (مروا بنا على القتلى) فجعلت أنظر إليهم صَرعى ولم يواروا فعظم ذلك في صدري واشتدَّ لما أرى منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج وتبيّنت ذلك منّي عَمّتي زَينب الكُبرى بنت عليٍّ عليهما السلام.

      فقالت: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدِّي وأبي وإخوتي ؟!!

      فقلت: وكيف لا أجزع وأهْلَعُ وقد أرى سَيّدي وإخوتي وعُمُومتي وولد عَمّي وأهلي مُصرعين بدمائهم، مرمّلينَ بالعرى، مسلبين، لا يُكفَّنون ولا يُوارون، ولا يُعرج عليهم أحدٌ، ولا يقرُبُهم بَشرٌ، كأنّهم أهل بيتٍ مِن الدَّيْلَم والخَزَر؟!!

      فقالت: لا يُجْزِعَنَّك ما ترى، فوالله إنَّ ذلك لعهد مِن رَسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى جَدِّك وأبيك وعمّك، ولقد أخذ الله ميثاق اُناسٍ مِن هذه الاُمّة لا تعرفهم فَراعِنَة هذه الاُمّة وهم معروفون في أهل السّماوات أنَّهم يجمعون هذه الأعضاء المُتَفَرّقَةَ فيُوارونَها وهذه الجُسومَ المُضَرَّجة، وينصبون لهذا الطّفّ عَلَماً لِقَبر أبيك سيّد الشُّهداء لا يدرس أثره ولا يعفو رَسمُه على كرورِ اللّيالي والأيّام، وليجتهدنَّ أئمّة الكفر وأشياع الضّلالة في مَحْوِه وتطمِيسه فلا يزداد أثره إلاّ ظهوراً وأمره إلا عُلوّاً.[23]

     وعن بشير بن حزيم الأسدي قال: قدمت الكوفة سنة 61 للهجرة عند مجيء علي بن الحسين من كربلاء إلى الكوفة ومعه النسوة، وقد أحاط بهم الجنود، وقد خرج الناس للنظر إليهم، وكانوا على جمال بغير وطاء، فجعلن نساء أهل الكوفة يبكين ويندبن.

   ورأيت علي بن الحسين عليهما السلام قد أنهكته العلة، وفي عنقه الجامعة، ويده مغلولة إلى عنقه، وهو يقول بصوت ضعيف: إن هؤلاء يبكون وينوحون من أجلنا فمن قتلنا؟

ورأيت زينب بنت علي عليهما السلام، ولم أر خفرة أنطق منها كأنها تفرغ عن لسان أبيها أمير المؤمنين عليه السلام، وقد أومأت إلى الناس أن أسكتوا، فارتدت الأنفاس، وسكنت الأصوات، فقالت:

الحمد لله والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار أما بعد: يا أهل الكوفة يا أهل الختل والغدر أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم .
 
ألا وهل فيكم إلا الصلف والنطف، والصدر الشنف، وملق الإماء وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كفضَة على ملحودة، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.

     أتبكون وتنتحبون؟ أي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجتكم، ومدرة سنتكم؟ ألا ساء ما تزرون !

      وبعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السعي، وتبت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة.

     ويلكم يا أهل الكوفة أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم؟ وأي كريمة له أبرزتم؟ وأي دم له سفكتم؟ وأي حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم بها صلعاء عنقاء سوداء فقماء، وفي بعضها: خرقاء شوهاء، كطلاع الأرض، أو ملأ السماء، أفعجبتم أن مطرت السماء دماً؟ ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنكم المهل، فإنه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثأر، وإن ربكم لبالمرصاد.

     قال الراوي: فو الله لقد رأيت الناس حيارى يبكون، قد ردّوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتى أخضلت لحيته، وهو يقول: بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النساء، ونسلكم خير نسل، لا يخزي ولا يبزي[24].

     ووفي المدينة المنورة حيث المجتمع الذي ولد فيه الحسين عليه السلام وتربى فيه، وكان يزخر بكبار قيادات أهل البيت عليهم السلام وكبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله، من بدريين وأهل بيعة الرضوان، ومهاجرين وأنصار وتابعين كانت أم البنين، وهي فاطمة بنت حزام الكلابية عليها السلام، أم العباس وأخوته: عبد الله، وجعفر، وعثمان عليهم السلام، الذين قتلوا مع أخيهم الحسين عليه السلام يوم عاشوراء - أم هؤلاء الأخوة الأربعة- بعد قتلهم تخرج كل يوم إلى البقيع في المدينة، وتحمل معها عبيد الله بن ولدها العباس فتندب الحسين عليه السلام وأولادها الأربعة خصوصاً أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع الناس يستمعون بكاءها وندبتها، وكان مروان بن الحكم على شدة عداوته لبني هاشم فيمن يجيء فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي، ومما كانت ترثي به قولها في أولادها الأربعة:

         لا تـــدعــيــنــي ويـك أم الـبنين           تــذكـريني بــليوث العريـــــن

         كـانت بنـون لـي أدعـــى بهـــم            واليوم أصـبحت ولا مـن بنين

         أربعة مـثل نسـور الـــربــــــى             قد واصلوا الموت بقطع الوتين

         تنازع الخرصــان أشـلائــــــهم           وكـلهــم أمـســى صريعاً طعين

         يا لـيت شعري أمــــا أخبروا              بــأن عـباساً قــطيع اليمين.[25]

     وقال بشير بن جذلم، وكان من جملة ركب الأسارى، والسبايا، معروفاً بقرض الشعر بأنه حينما وصل ركب السبايا والأسرى ضواحي المدينة المنورة قال لي الإمام زين العابدين (عليه السلام): أدخل المدينة وانع أبا عبد الله الحسين (عليه السلام).

      قال بشير: فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة، فلما بلغت مسجد النبي صلى الله عليه وآله رفعت صوتي بالبكاء، وأنشدت أقول:

        يــا أهــل يــثرب لا مــقــــام لكــم        قتـل الحســـين فــادمعي مدرارا

        الجســــــم منه بــكربــلاء مضـرج       والرأس مــنه عــلى القناة يدارا

     ثم قلت:

     يا أهل المدينة هذا علي بن الحسين عليهما السلام مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه.

     قال بشير: فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدورهن وهن يدعين بالويل والثبور، ولم يبق في المدينة أحد إلا وخرج وهم يضجون بالبكاء، فلم أر باكياً أكثر من ذلك اليوم، ولا يوماً أمر على المسلمين منه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسمعت جارية تنوح على الحسين عليه السلام وتقول:

         نــعـى الحسين نـعاه فــأوجـعـــــــــا      وأمــرضني نـاع نعــــاه فـافجعا

         فـعـيـني جودا بالدموع واسكبـــــــــا      وجــودا بــدمع بعــد دمعـكما معا

        على من دهى عرش الجليل فزعزعا     فـأصبح هــذا المـجد والدين أجدعا

        عــلى ابن بنت نبي الله وابن وصيــه     وأن كان عــنا سـاخطاً لدار أشبعا

     ثم قالت: أيها الناعي جددت حزننا بأبي عبد الله عليه السلام، وخدشت منا قروحاً لم تندمل، فمن أنت رحمك الله؟

     فقلت: أنا بشير بن جذلم، وجهني مولاي علي بن الحسين عليهما السلام وهو نازل بموضع كذا مع عيال أبي عبد الله الحسين عليه السلام ونسائه.

     قال: فتركوني مكاني وغادروني، فضربت فرسي حتى رجعت، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع، فنزلت عن فرسي وتخطأت رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط وكان علي بن الحسين عليهما السلام داخلاً فخرج ومعه خرقة يمسح بها دموعه، وخلفه خادم معه كرسي فوضعه له، وجلس عليه وهولا يتمالك من العبرة، وارتفعت أصوات الناس بالبكاء من كل ناحية يعزونه، فضجت تلك البقعة ضجة شديدة، فأومأ بيده أن اسكتوا، فسكنت فورتهم، فخطب فيهم خطبة مؤثرة ثم دخل زين العابدين عليه السلام إلى المدينة فرآها موحشة باكية، ووجد ديار أهله خالية تنعى أهلها، وتندب سكانها.[26]

     وهكذا أستطاع الإعلام الرسالي أن يجعل المدينة بأجمعها تعرف حقيقة الفاجعة وخلفيتها ويتكشف لهم خطر المشروع الأموي الذي لم يبال بمكانة الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وآله وأهميتهم في الإسلام.

أولاد أم البنين قراءة في شخصياتهم.

     ليس من السهل الحديث عن أبناء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام، لأسباب عديدة يكمن أحدها في قلة المعلومات التاريخية التي تتحدث عن حياتهم والأحداث التي مروا بها، شأنهم في ذلك شأن أمهم الطاهرة عليها السلام، والتي لا شك أنها قامت بالمساهمة بشكل كبير في النهضة الحسينية قبل الفاجعة وبعدها.

     ففاطمة العامرية أم البنين عليها السلام كانت من عشيرة ملأت المدينة وأطرافها، وأي جهد تقوم به، فإن كل عشيرتها وهم من عرفوا بالشجاعة والكرامة والنخوة يشاطرونها وينصاعون لها، وقد كان أبناء أم البنين الأربعة العباس وأخوته عليهم السلام يعيشون بين بيتين عرفا بأجمل الصفات وأنبلها، بيت النبوة والرسالة وقمة البسالة والشجاعة الذي كان وصي النبي صلى الله عليه وآله يمثله، وبيت بني عامر وهم من عرفوا في الجاهلية والإسلام بطيب المنبت والكرم والنخوة والشجاعة، وقد كان رجالات بني عامر ممن يقيمون علاقات مع ملوك المناذرة، وغيرهم من أصحاب النفوذ، وذلك يدلل على علو الهمة والرفعة والمكانة.

     وسوف تناول بإيجاز حياة العباس وأخوته عليه وعليهم السلام، لكي نتعرف على تلك القيم عن قرب ونستفيد من معارفهم ونسير على نهجهم، وحتى نتعرف على بعض ما قامت به أم البنين عليها السلام، لأن تفكيرها وشخصيتها من الطبيعي أن تنعكس على فلذات أكبادها ومن أرتضعوا من لبنها.

العباس بن علي..شاهد وشهيد

     النصوص التي تتطرق لكيفية زواج أم البين فاطمة العامرية عليها السلام تفيد أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يريد من هذا الاقتران تحقيق رغبة كامنة في نفسه، وهي أن ينجب إبناً أو أبناء شجعان يدافعون عن نهضة أخيهم الحسين عليه السلام في كربلاء ويفتدونه بأنفسهم ليضرب للتاريخ بذلك أروع مثال وأنبل مصداق للأخوة والطاعة للقيادة الرسالية.

     وفعلاً تحققت تلك الرغبة وها هو وليد الفداء والتضحية والشهادة قد أطل على الدنيا بعد طول انتظار، ليكون هذا اليوم عيداً لفاطمة العامرية التي لطالما حلمت أن تنجب ولداً لتحقق تلك الرغبة التي كانت تعرفها وتتلمسها في قلب أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، ويصل خبر الولادة سريعاً لمسامع أمير المؤمنين علي عليه السلام ويأتي للوليد بأسرع من ذلك، وها هو يمسك ولده العباس عليه السلام ويضمه إلى صدره ويقبله ويغدق عليه من حنانه الفياض، ويبدأ معه مشوار الإعداد ليسمعه كلمة " الله أكبر الله أكبر...وهكذا تتوالى فصول الأذان لتستقر في مسامع قلب الوليد، وليبدأ في إعداد نفسه ليكون جندياً في مشروع هداية الأمة وفداءً في نهضة تستهدف القضاء على كل الانحرافات وتسعى لإحقاق الحق ومحاربة الجور والظلم والاستبداد.

     في هذا اليوم الذي يقول بعض المحققين أنه كان في الرابع من شعبان سنة ستة وعشرين للهجرة النبوية أطل وليد الخير العباس بن علي بن أبي طالب عليهم السلام على الدنيا وبدأت رحلته مع أبيه وأمة وأخوته الحسن والحسين عليهم السلام، وأخذ يستلهم المعارف والعلوم من بيت الوحي من وصي رسول الله صلى الله عليه وآله، من أول القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله عز وجل، وأعظمهم عناء وأحوطهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وآمنهم على أصحابه وأفضلهم مناقب، وأكرمهم سوابق، وارفعهم درجة، وأقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله، وأشبههم به هديا، وخلقا، وسمتا وفعلا، وأشرفهم منزلة وأكرمهم عليه.[27]                                       

      وسمّى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وليده المبارك بالعباس وقد استشفّ من وراء الغيب انه سيكون بطلاً من أبطال الإسلام، وسيكون عبوساً في وجه المنكر والباطل، ومنطلق البسمات في وجه الخير، وكان كما تنبّأ فقد كان عبوساً في ميادين الحروب التي أثارتها القوى المعادية لأهل البيت عليهم السلام، فقد دمّر كتائبها وجندل أبطالها، وخيّم الموت على جميع قطعات الجيش في يوم كربلاء، ويقول الشاعر فيه

        عبست وجوه القوم خوف المــــوت      والعبّاس فيهـم ضاحـــــك متبسّم[28]

        قلب اليمين على الشمال وغاص في     الأوساط يختطف النفوس ويحطم

        وثنى أبو الفضل الفــــوارس نكصاً       فرأوا أشــد ثبــاتهم أن يهزمـــوا

        ما كــــر ذو بــأس لــه متــقدمــــــاً      إلا وفـــــــر وأســـــه المــــــتقدم

        بطـل تـورث مـن أبــيه شجــاعــــة      فيها أنوف بني الضــلالة تــرغم

        أوتشتكي العطش الفواطم عنـــــــده      وبصـــدر صعدته الفرات المفعم

        فــــي كفـــه اليسرى الســــقاء يقـله      وبكــفه اليمـــنى الحسام المـخـدم

        قسماً بصـــارمه الصقيل وإنــــــني      في غير صاعقة السما لا أقــــسم

        لو لا القضا لمحا الوجود بســـــيفه       والله يقضـــــي ما يشـــاء ويحكم

        حسمت يديــه المــرهفات وإنــــــه       وحسامـــه مــن حدهــــن لأحسم

        وهــوى بــجنب العــــلقمي فلـــيته       للشــاربــين بــه يــداف العـــــلقم[29]

     كان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يرعى ولده أبا الفضل في طفولته، ويعنى به كأشدّ ما تكون العناية فأفاض عليه مكوّنات نفسه العظيمة العامرة بالإيمان والمثل العليا، وقد توسّم فيه أنه سيكون بطلاً من أبطال الإسلام، وسيسجّل للمسلمين صفحات مشرقة من العزّة والكرامة.

     وكان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يوسع العباس تقبيلاً، وقد احتلّ عواطفه وقلبه، ويقول المؤرّخون: إنّه أجلسه في حجره فشمّر العبّاس عن ساعديه، فجعل الإمام يقبّلهما، وهو غارق في البكاء، فبهرت أمّ البنين، وراحت تقول للإمام: ما يبكيك؟

     فأجابها الإمام بصوت خافت حزين النبرات:

     نظرت إلى هذين الكفّين، وتذكّرت ما يجري عليهما، وسارعت أمّ البنين بلهفة قائلةماذا يجري عليهما؟

     فأجابها الإمام بنبرات مليئة بالأسى والحزن قائلاً

     إنّهما يقطعان من الزند..

     وكانت هذه الكلمات كصاعقة على أمّ البنين، فقد ذاب قلبها، وسارعت وهي مذهولة قائلة لماذا يقطعان؟

     وأخبرها الإمام عليه السلام بأنّهما إنما يقطعان في نصرة الإسلام والذبّ عن أخيه حامي شريعة الله ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله، فأجهشت أمّ البنين في البكاء، وشاركنها من كان معها من النساء لوعتها وحزنها.

     وخلدت أمّ البنين إلى الصبر، وحمدت الله تعالى في أن يكون ولدها فداءً لسبط رسول الله  صلى الله عليه وآله وريحانته.[30]

     ونشأ العباس عليه السلام وهو يرتوي من نهج أبيه رائد العدالة وقائد الأمة، وباب المعارف والعلوم والبصائر القرآنية، وأخو الرسول صلى الله عليه وآله وخليفته، وكانت الأم الطاهرة فاطمة العامرية تزرع في نفسه روح التضحية والكرامة والشهامة، وكانت كثيراً ما توصيه بأخيه الإمام الحسين عليه السلام وأن يكون ظله الذي يرافقه أينما كان لتقر عينها غداً عند بنت نبي الله صلى الله عليه وآله وسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام.

      وبالفعل كانت بطولاته وصولاته في كربلاء مما أذهلت العدو قبل الصديق، فقد أصبح أسطورة خالدة في الإقدام والثقة والشجاعة والإيثار والحب العميق لأخيه سيد شباب أهل الجنة عليه السلام، واستشهد بعد معركة حامية قتل فيها كبار رجالات الجيش الأموي، سنة 61 للهجرة وهو في ريعان شبابه حيث كان عمره عليه السلام خمسة وثلاثين عاماً، وكان أكبر أخوته، وقد قدمهم في المعركة قبل أن يخوضها حتى يعمق مفهوم التضحية لتصبح الأخوة والنفس والمال كلها فداءً من أجل الحسين عليه السلام، وليضرب بذلك أروع أمثلة التضحية والفداء والشجاعة، إذ لم يثنه مقتلهم بتلك الطريقة المفجعة عن خوض المعركة وإرباك أعداء الله وزلزلة جيشهم.

     وفي العباس بن علي عليهما السلام يقول الشاعر:

        أحق الناس أن يبكى عليـه               إذا بكي الحسيــن بكربـــــلاء

        أخوه وابن والده علــــــي                أبو الفضـل المضـرج بالدماء

        ومن واسـاه لا يثنيـه شيء              وجاد له علــى عـــطش بمــاء

     ويقول شاعر أهل البيت عليهم السلام الكميت بن زيد(60 – 126هـ):

         وأبو الفضل إن ذكرهم الحلو          شفاء النفـوس مـــــن أسقــام

         قتـل الأدعـيـاء إذ قتلـــــــوه           أكرم الشاربين صوب الغمام

     يقول أبو الفرج الأصفهاني(284 – 356 هـ) في كتابه القيم مقاتل الطالبيين بعد أن ينقل هذه الأشعار: وكان العباس عليه السلام رجلاً وسيماً، يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطان في الأرض، وكان يقال له قمر العشيرة، وكان لواء الحسين بن علي عليهما السلام معه يوم قتل، وقد قتلاه زيد بن رقاد الجنبي، والحكيم بن الطفيل الطائي[31] لعنهما الله وأسكنهما جهنم وبئس المهاد.

     وهكذا سطر العباس عليه السلام ملحمة الشهادة ليكون شاهداً على كل الأجيال ولصبح رمزاً في الإخاء ورائداً في الذود عن كرامة الأمة، ومدافعاً عن الحق، وملهماً لكل أحرار البشر، الذين يتعطشون للتضحية والفداء ونصرة المظلوم، وشاهداً كذلك على كل الظالمين والمستبدين ومن يستعبدون أبناء الأمة ويكيلونهم ظلماً وقهراً، ليقول لهم: أن في الأمة روح العباس عليه السلام وقيمه فلا يستخفنهم المهل، فإن الله يمهل ولا يهمل، وإنه لهم لبالمرصاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم.

عبدالله بن علي بن أبي طالب عليهم السلام

     عند حديثه عن عبدالله بن علي عليهما السلام، ينقل أبو الفرج الأصفهاني(284 – 356 هـ) سلسة نسب أم البنين فاطمة العامرية عليها السلام من جهة الأمهات، جدة عبدالله والعباس وجعفر وعثمان عليهم السلام لأمهم، ونحن ننقل ذلك حتى نطلع على سلسة النسب الرفيع، إذ أن معرفة أنساب أمهاتها فيه دلالة على اهتمام النسابة العرب بذلك وهو ما يعني أن هذا البيت عريق في العرب وله مكانة مميزة، فيقول:

      أمه أم البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد وهو عامر بن كلاب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة وأمها ثمامة بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر ابن كلاب.

     وأمها عمرة بنت الطفيل فارس قرزل بن مالك الاخرم رئيس هوازن بن جعفر بن كلاب.

     وأمها كبشة بنت عروة الرجال بن عتبة بن جعفر بن كلاب.

     وأمها أم الخشف بنت أبي معاوية فارس الهوازن بن عبادة بن عقيل بن كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة.

     وأمها فاطمة بنت جعفر بن كلاب.

     وأمها عاتكة بنت عبد شمس ابن عبد مناف بن قصى بن كلاب.

     وأمها آمنة بنت وهب بن عمير بن نصر بن قعين بن الحرث بن ثعلبة بن دودان اسد بن خزيمة.

     وأمها بنت جحدر بن ضبيعة الأغر بن قيس بن ثعلبة بن عكابة، بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن ربيعة ابن نزار.

     وأمها بنت مالك بن قيس بن ثعلبة.

     وأمها بنت ذي الرأسين وهو خشيش ابن أبي عصم بن سمح بن فزارة،
وأمها بنت عمرو بن صرمة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن نفيض بن الربت بن غطفان.
     وقد حدث عبيدالله بن الحسن وعبدالله بن العباس قالا: قتل عبدالله بن علي بن أبي طالب  عليهم السلام، وهو ابن خمس وعشرين سنة ولا عقب له.

      وعن أبي مخنف عن عبدالله بن عاصم عن الضحاك المشرفي، قال:

     قال العباس بن علي عليه السلام لأخيه من أبيه وأمه عبدالله بن علي عليهم السلام:

     تقدم بين يدي حتى أراك واحتسبك فانه لا ولد لك فتقدم بين يديه وشد عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي فقتله.[32]

     واعتقد أن كلمة لا ولد لك ليست من كلام أبي الفضل العباس عليه السلام، وإنما وضعها بعض من يسعون لتشويه صورة أبطال كربلاء، إذ قال بعضهم بعد ذلك أن العباس قال: حتى أرثك، والذي يدعونا لهذا الاعتقاد أنه لا ضرورة ولا أهمية عند عبدالله لأولاده ولا تأثير لهم عليه في القرار الذي اتخذه بنصرة الحق والتضحية والفداء في كربلاء، بل إنه يقدم أولاده فداءً للحسين عليه السلام لو كانوا معه.

      ولم يكن متصوراً أن عبدالله الذي تربى على حب الحسين عليه السلام ونهل من معين معارف أبيه رائد العدالة والشجاعة والكرامة، أن يثنيه أي أمر دنيوي عن الذود والدفاع والتضحية لسيد شباب أهل الجنة، فأبوهم قد عرفت سيرته في التضحية والفداء لرسول الله صلى الله عليه وآله في المبيت على فراش النبي صلى الله عليه وآله يوم هجرته من مكة، وفي بدر وأحد والأحزاب وخيبر، وغيرها من مواقف أمير المؤمنين عليه السلام الذي جعل نفسه وروحه فداءً لأخيه وابن عمه رسول الله صلى الله عليه وآله.

     وأمه أم البنين فاطمة العامرية الذي عرفت سيرة أباءها في النجدة والنخوة والشجاعة والكرامة، وبهذا فإننا نعتقد أن هذه الكلمة لم تصدر من أخيه الأكبر العباس عليه السلام، والذي يبدو أنها إضافات على كلامه عليه السلام.

     وينقل أرباب المقاتل هذه المقالة عن الضحاك بن عبدالله المشرفي، وهو من المتخلفين عن نصرة سيد الشهداء عليه السلام، مع أنه شارك في المعركة إلى جنب الحسين عليه السلام وقاتل معه قتال الأبطال وأبلى بلاءً حسناً إلا أنه كان قد اشترط على الإمام عليه السلام عند التحاقه به كما يقال ليلة العاشر أن يجعله في حل منه إذا دارت المعركة على الإمام عليه السلام ولم يعد وجوده وقتاله كما يتصور ينفع الإمام عليه السلام أو أن دفاعه لا يغير شي في ميزان المعركة.

     وبالفعل لما دارت رحى الحرب على الإمام الحسين عليه السلام، ورأى أنه هو وأصحابه وأهل بيته المجاهدين معه مقتولين لا محال ولم يعد ينفع وجوده في شيء، أستأذن من الإمام عليه السلام في ترك ساحة المعركة والقتال، وأذن له الحسين عليه السلام كما كان قد وعده، فخرج من المعركة وولى هارباً.

     وبالطبع لا يمكننا أن نثق بهذا الشخص في رواياته، والتي قد يريد ببعضها تبرير هروبه من المعركة، ليوحي لنا بأن بعض المشاركين مع الحسين عليه السلام يفكر من خلال قتاله في الإرث والمال، وهو ما لا يمكن لعاقل أن يتصوره عن أي إنسان يقع في وسط معركة ككربلاء فضلاً عن العباس عليه السلام الذي تشرب بالقيم والمثل وجاد بنفسه وواسى الحسين عليه السلام حتى في شربه للماء كما هو معروف، فشخص بذلك العطش والظمأ الذي لا يعلم مداه إلا الله يصل إلى الماء وهو أحوج ما يكون للشرب منه، يرفض أن يشرب قبل أخيه الحسين عليه السلام، وبالفعل خر العباس عليه السلام صريعاً مضرجاً بدمه دون أن يذوق قطرة ماء.

     وما يؤيد ما ذهبنا إليه رواية أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري (212 – 282هـ/ 828 – 896م) في كتابه الأخبار الطوال قوله: لما رأى العباس بن علي عليهما السلام ذلك(أي كثرة القتلى) قال لأخوته عبدالله وجعفر وعثمان بن علي عليهم السلام وأمهم جميعاً أم البنين العامرية من آل الوحيد:

     تقدموا بنفسي أنتم فحاموا عن سيدكم حتى تموتوا دونه.

      فتقدموا جميعاً فصاروا أمام الحسين عليه السلام يقونه بوجوههم ونحورهم، فحمل هانيء بن ثويب الحضرمي على عبدالله بن علي عليهما السلام فقتله، ثم حمل على أخيه جعفر بن علي عليهما السلام فقتله أيضاً، ورمى يزيد الأصبحي عثمان بن علي عليهما السلام بسهم فقتله، ثم خرج إليه فاحتز رأسه، فأتى به عمر بن سعد فقال له: أثبني.

     فقال عمر: عليك بأميرك يعني عبيدالله بن زياد فله أن يثيبك.

     وبقي العباس بن علي عليهما السلام قائم أمام الحسين عليه السلام يقاتل دونه ويميل معه حيث مال حتى قتل رحمة الله تعالى عليه.[33]

جعفر بن علي بن أبي طالب عليهم السلام

     يقول أبو الفرج الإصفهاني(284 – 356هـ) في مقاتل الطالبيين عند ذكر جعفر بن علي عليهما السلام: قتل جعفر بن علي بن أبي طالب عليهم السلام وهو ابن تسع عشرة سنة.

     وقال أبو مخنف في حديث الضحاك المشرفي: أن العباس بن علي عليهما السلام قدم أخاه جعفراً بين يديه لأنه لم يكن له ولد ليحوز ولد العباس بن علي عليهما السلام ميراثه، فشد عليه هانئ ابن ثبيت الذي قتل أخاه فقتله.[34]

     وفي هذا النص ما فيه من الأمور التي تحتاج إلى تمحيص ولعل بعض ما يحتاج أن يوقف عليه هو الطريقة الذي يظهر بها مقتل جعفر عليه السلام، أي وكأن الأمر حدث بكل بساطة بل إلى درجة أن يقتل أخاه بعده، وهو يتجافى عن الحقيقة إذ أن أولاد أم البنين عليهم السلام وغيرهم من شهداء كربلاء كانوا عصيين على القتل لشدة بأسهم وشجاعتهم، لكن إذا كان الضحاك هو الناقل فإن الأمر يهون.

     من أخطاء المؤرخين ومن يأخذ وينقل عنهم من الكتاب دون تمحيص هو قولهم أن جعفر بن علي عليهما السلام عندما استشهد في كربلاء كان عمره تسعة عشر عاماً، وهذا الأمر لا يصح لأن ذلك يعني أنه ولد عام 42 للهجرة أي بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام بسنتين، والذي نظنه أن هناك تصحيف في نقل عمره الشريف حين مقتله فبدل أن يقال تسعة وعشرون صحف فصار تسعة عشر، وهذا الأمر يحدث في نقل الكتب كثيراً.

     وبهذا يمكن أن يقال أن جعفر عليه السلام هو الابن الثاني أو الثالث لأم البنين العامرية بعد أخيه العباس عليه السلام، أو بعده وبعد أخيه عثمان، وكان ذا شجاعة وبسالة لا يرهب الموت أبداً، وقد برز للقتال وهو يرتجز ويقول:

         إني أنا جعــفر ذو المعـــــالي            ابن علي الخير ذو النوال

         ذاك الوصي ذو السنا والوالي           حسبي بعمي جعفر والخال

                             أحمي حسيناً ذا الندا المفضال

     فشد عليه هانئ بن ثبيت فقتله عليه السلام.[35]

عثمان بن علي بن أبي طالب عليهم السلام

     يقول أبو الفرج الاصفهاني(284 – 356 هـ) في كتابه مقاتل الطالبيين وهو ينقل لنا ما جرى على عثمان بن علي عليهما السلام:

     قتل عثمان بن علي عليهما السلام، وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وقال الضحاك المشرفي في الإسناد الأول الذي ذكرناه آنفاً: إن خولي بن يزيد رمى عثمان بن علي عليهما السلام بسهم فأوهطه "أي أضعفه"، وشد عليه رجل من بني ابان بن دارم فقتله، وأخذ رأسه.

     وعثمان بن علي عليه السلام روى عن علي عليه السلام أنه قال: إنما سميته باسم أخي عثمان بن مظعون.[36]

     ومن خلال هذا النص يمكننا أن نخرج بالمعطيات التالية:

1-   أن خولي بن يزيد الأصبحي كان من عتاة المنافقين والمجرمين، وممن يحمل حقداً متعاظماً على أهل البيت الطاهرين عليهم السلام ونلحظ ذلك من خلال سعيه في أن يحوز أكبر قدر ممكن من سفك دماءهم، وقد قتل أو شارك في قتل أثنين من أولاد أم البنين عليها السلام وهما جعفر حيث يقول نصر بن مزاحم أن خولي بن يزيد الأصبحي لعنه الله قتله[37]، وهنا يقول الاصفهاني أنه رماه بسهم فأوهطه.  

2-   أن عثمان بن علي عليهما السلام عندما قتل كان عمره 31 سنة، وهذا يعني أن ولادته عليه السلام كانت في السنة التي استشهد فيها أمير المؤمنين عليه السلام، عام أربعين للهجرة النبوية.

3-   أن تسمية الإمام علي عليه السلام إبنه بعثمان، إنما كان ذلك انطلاقاً من حبه ووفاءه للصحابي الجليل عثمان بن مظعون (ت 2 هـ) رضوان الله تعالى عليه، وقد كان لأمير المؤمنين عليه السلام علاقة مميزة وعميقة بهذا الصحابي الذي يقال أنه أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً وأنه أخو رسول الله صلى الله عليه وآله من الرضاعة، وقد وصفته المصادر بأنه كان حكيما وممّا يدل على حكمته قبل الإسلام، وسموّ عقله، ما اتفق عليه أصحاب السير والتاريخ من أنّه حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية، وقال: لا أشرب شراباً يذهب عقلي، ويضحك بي مَن هو أدنى منّي، ويحملني على أن أنكح كريمتي، أو: ويحملني على أن أُنكح كريمتي مَن لا أريد.

     وقيل: إنّه لمّا حرّمت الخمر، أتي وهو بالعوالي، فقيل له: يا عثمان قد حرّمت الخمر، فقال: تبّاً لها، قد كان بصري فيها ثاقباً .

     وقال أمير المؤمنين عليه السلام وهو يصفه كما قال بعض الشارحين لنهج البلاغة: كان لي فيما مضى أخ في الله، وكان يُعظمه في عيني صِغرُ الدنيا في عينه، وكان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتاً، فإنّ قال بدّ القائلين ونقع غليل السائلين، وكان ضعيفاً مستضعفاً، فإن جاءَ الجِدّ فهو ليثُ غابٍ وصِلُّ وادٍ، لا يدلي بحجّة حتّى يأتي قاضياً، وكان لا يلومُ أحداً على ما يجد العذر في مثله حتّى يسمع اعتذارَه، وكان لا يشكو وجعاً إلاّ عند برئه، وكان يفعل ما يقول ولا يقول ما لا يفعل، وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، وكان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلّم، وكان إذا بدهه أمران نظر أيّهما أقرب إلى الهوى فخالفه، فعليكم بهذه الأخلاق فألزموها وتنافسُوا فيها، فإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خيرٌ من ترك الكثير.[38]

     ونصّ كثير من المؤرّخين: على أنّ عثمان بن مظعون أول من مات بالمدينة من المهاجرين، وذلك بعد أن شهد بدراً، أي في السنة الثانية من الهجرة .

     ولمّا توفّي دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله، فأكب عليه يقبّله ويقول رحمك الله يا عثمان، ما أصبت من الدنيا ولا أصابت منك شيئا.

     وحظي عثمان بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله عليه، وبمشاركته في تشييعه ودفنه، فقد كان صلى الله عليه وآله قائماً على شفير القبر .

     واتفق أصحاب السير والتاريخ: أنّ أول من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون، ولم يكن البقيع قبل دفن عثمان مقبرة، وروي أنه صلى الله عليه وآله أمر أن يبسط على قبر عثمان ثوب، وهو أول قبر بسط عليه ثوب، وروي أيضاً أنه صلى الله عليه وآله رشّ قبر عثمان بالماء بعد أن سوّى عليه التراب، وكان صلى الله عليه وآله يزور قبره بين الحين والآخر .

     وقيل: أنّ إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وآله دفن إلى جنبه[39].

     وهنا مناقشة في الخبر الذي يرويه عثمان بن علي بن أبي طالب عليهم السلام والذي يقول فيه: إنما سميته باسم أخي عثمان بن مظعون، إذ أن الراوي للحديث هو عثمان عليه السلام وقد كان سنه عند استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام لا يتجاوز الشهر أو الشهرين، إذا قلنا أنه عندما استشهد في كربلاء عام 61 للهجرة وكان عمره إحدى وعشرين سنة، ومن الطبيعي أن الإنسان في مثل هذا العمر لا يمكنه أن يتلقى العلم أو يحفظ النصوص، وهذا يعني أحد ثلاثة فرضيات:

     الأول: إما أن يكون هذا النص ليس صحيحاً ونحن نستبعد ذلك.

     الثاني: أو يكون عثمان قد روى هذا النص عن أبيه ولكنه بالواسطة وقد أسقط الواسطة، وقد تكون الواسطة هي أمة فاطمة العامرية عليها السلام، أو أحد أخوته وأخواته أو كلاهما، فقد يكون سمع هذا النص من جميع أبناء الإمام علي عليه السلام وبناته، بل وزوجاته.

     الثالث: أن يكون هناك خطأ في نقل المؤرخين لعمر عثمان بن علي عليهما السلام حين استشهاده في كربلاء، فقد يكون إحدى وثلاثين سنة ولكن النساخ وقعوا في التصحيف، أو أن الخطأ وقع من المؤرخين في تقدير عمره، ونحن لا نستبعد أن يكون عمره إحدى وثلاثين سنة، خصوصاً إذا نظرنا لأعمار أخوته من أمه، إذ يمكننا أن نتصور أعمارهم كما يلي:

أ‌-       العباس عليه السلام كان عمره حين استشهاده 35 عاماً.

ب‌- عثمان عليه السلام كان عمره حين استشهاده 31 عاماً.

ت‌- جعفر عليه السلام كان عمره حين استشهاده 29 عاماً.

ث‌- عبدالله عليه السلام كان عمره حين استشهاده 25 عاماً.

    ونحن نبني هذا التحليل والتخمين باعتبار أن الغالب في كون فارق السن بين الأبناء من حين انعقاد النطفة إلى الولادة هي سنتين أو أزيد كما نلحظ ذلك في النساء الولودات، مع أننا لا نمتلك أي نص تاريخي يثبت هذه الفرضية، لا أقلاً مما هو بأيدينا حالياً، إذ قد تكون هناك كتب تاريخية لم تصل إلينا، أو أنها لا زالت في خزانات المكتبات التي تحتفظ بالمخطوطات.

لماذا يحتفي الشيعة بأم البنين بوجه خاص

     لأم البنين فاطمة العامرية عليها السلام زوجة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام مكانة خاصة في الوجدان الشيعي، إذ أضحت تشكل حضوراً كبيراً في الثقافة المعاصرة لكل المجتمعات الشيعية، وأصبحت إقامة مجالس الذكر باسمها شائعة في كل تلك المجتمعات، وأضحى التوسل بها إلى الله تعالى في قضاء الحاجات جزءً من الاعتقاد الشعبي والجماهيري وبالأخص لدى المجتمع الشيعي النسوي.

     ويشكل هذا الأمر امتدادا طبيعياً لعقيدة التوسل بالرسول وأهل بيته عليه وعليهم السلام والتي أمرنا القرآن الكريم بها حيث قال تعالى في محكم كتابه:

     (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما).[40]

     ويفهم من الآية الكريمة أن الاستغفار من الذنوب من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله له مدخلية كبيرة في الحصول على رضوان الله ومغفرته، وأن الاستغفار لوحده دون جعل الرسول صلى الله عليه وآله واسطة ووسيلة لذلك لا يجدي نفعاً، ولا يكون مقبولاً، إذ أن الرسول الأكرم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، يمثل الوسيلة التي أمر الله سبحانه وتعالى بالإتيان إليه عن طريقها حيث قال جل وعلا:

                                          

     يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون.[41]

    والآيات والروايات الدالة على ذلك كثيرة، وهي بمجموعها تحث على إتيان الله سبحانه وتعالى من حيث أمر، فكما ورد في الزيارة الجامعة المروية عن الإمام علي بن محمد الهادي(212 – 254هـ) عليهما السلام قوله:

     من أراد الله بدأ بكم، ومن وحده قبل عنكم، ومن قصده توجه بكم.[42]

     ومن هذا المنطلق كانت أم البنين عليها السلام تمثل ركيزة مهمة في الجدان الشيعي، ولعل السبب في ذلك أمور أهمها:

1-   أن التوسل بها مجرب في قضاء الحاجات، حيث أن الكثير من المعتقدين بولاية الأئمة الطاهرين عليهم السلام، كانوا إذا وقعوا في أمر مشكل أو عنت لهم حاجة، أو ضاق بهم أمر، لجئوا إلى الله وأخلصوا في الطلب والإلحاح عليه وجعلوا رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين عليهم السلام، وسيلة لقضاء وتحقق ما يطلبونه، ولأن جعل أم البنين عليها السلام وسيلة لقضاء الحاجات أمر مجرب في قضاءها بشكل لافت، أصبح التوجه بمكانتها عند الله سبحانه وتعالى يشكل حضوراً كبيراً في الوجدان والمجتمع الشيعي، وأضحت تشكل عنصراً هاماً في عقيدة التوسل بالله والاستغاثة به جل وعلا.

2-   ولعل السر في كونها عليها السلام أضحت باباً لقضاء الحاجات هو تقدير من رب العزة لما بذلته من أجل نصرة الحسين عليه السلام ونهضته وما قامت به قبل النهضة وبعدها، وتقديمها فلذات كبدها الأربعة قرباناً لنجاح مسيرة هداية الأمة والحفاظ على الإسلام من تحريف بني أمية وأشياعهم، وبسبب حبها العميق للحسين عليه السلام والتي كما قلنا تشكل سلامته والحفاظ عليه أولوية قبل أولوية الحفاظ على أبناءها، ولا يوجد أم تقوم بمثل هذه التضحية على الإطلاق إلا من تشربت قيم الدين ومبادئه، ومن تكون كذلك فليس من المستغرب أن يكرمها الله بالإجابة وأن يجعلها باباً للولوج لساحة كرمه.



[1] راجع كتاب وسائل الشيعة، ج1 ص 35.

[2] ولعل من يراجع الوثائق التي سربها موقع ويكليكس والتي تتعلق بعلاقة السلطات في العالم العربي والإسلامي مع الشيعة يتضح لديه أن سياسة وفكر الأمويين تجاه الشيعة في عصرنا الراهن أصبح إرثاً تتناقله السلطات المستبدة تجاه شيعة آل النبي صلى الله عليه وآله.

[3] راجع ابن أبي الحديد، عز الدين ابو حامد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة ج 5 ص 130.

[4] القرآن الكريم، سورة القلم، آية 4.

[5] بحث عن المصدر....

[6] القرشي، باقر شريف، العباس بن علي رائد الكرامة والفداء في الاسلام ص 24 – 25.

[7] البدري، محمود، أم البنين قدوة في التضحية والايثار، ص 13 – 14.

[8] القرشي، باقر شريف، العباس بن علي عليهما السلام رائد الكرامة والفداء في الإسلام، ص 41.

[9] بحث عن المصدر.........

[10] العقد الفريد، ج 4 ص 349.

[11] الميانجي، علي الأحمدي، مواقف الشيعة، ج 3 ص 6.

[12] ابن ابي الحديد المدائني، عز الدين أبو حامد بن هبة الله، ج 5 ص 130.

[13] أنساب الأشراف، ج 3 ص 288 – 289.

[14] الكواكبي، عبدالرحمن، طبائع الاستبداد ص 69.

[15] طبائع الاستبداد، ص 49.

[16] نظم درر السمطين ص113، ورواه المتقي في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج5 ص 30 عنه وعن جابر.

[17] العباس بن علي، مصدر سابق بتصرف ص 38 – 39.

[18] المدرسي، آية الله العظمى المرجع الديني السيد محمد تقي، العمل الإسلامي ج 3 ص 181 -182.

[19] الشيرازي، آية الله الشهيد السيد حسن الحسيني، موسوعة الكلمة، كلمة الامام الحسين عليه السلام ج 8 ص 230 – 231.

[20] القرآن الكريم، سورة البقرة آية 159 – 160.

[21] القرآن الكريم، سورة البقرة آية 228.

[22] العباس بن علي عليهما السلام، مصدر سابق ص 174 – 175.

[23] كامل الزيارات، ص 263.

[24] كلمة السيدة زينب عليها السلام، ص17 – 18، ج22.

[25] الأمين، السيد محسن، المجالس السنية في مناقب ومصائب العترة النبوية، ج 1 ص 134.

[26] المصدر السابق، ج 1 ص 182 – 183.

[27] البحراني، السيد هاشم التوبلي، حلية الأبرار في معرفة أحوال محمد وآله الأطهار، ج2 ص 38.

[28] العباس بن علي عليهما السلام، مصدر سابق ص 30.

[29] الهنداوي، الخطيب الشيخ محمد، ج 1 ص 135.

[30] العباس بن علي عليهما السلام، مصدر سابق ص 37 – 37.

[31] أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين محمد، مقاتل الطالبيين، ص 89 – 90.

[32] مقاتل الطالبيين بتصرف ص 87 – 88.

[33] الدينوري، أبو حنيفة، الأخبار الطوال ص 230.

[34] مقاتل الطالبيين، ص 88.

[35] القمي، الشيخ عباس، نفس المهموم في مصيبة سيدنا الحسين المظلوم، ص 296.

[36] مقاتل الطالبيين، ص 89.

[37] المصدر السابق، ص 88.

[38] الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام، نهج البلاغة باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السلام رقم 289، ص 526.

[39] راجع: ابن أبي شيبة الكوفي، المصنف ج 8 ص 357.

[40] القرآن الكريم، سورة النساء آية 64.

[41] القرآن الكريم، سورة المائدة آية 35.

[42] بن بابويه القمي الصدوق، أبي جعفر محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، ج 2 ص 604.



[i] القرآن الكريم، سورة ألأحزاب آية 33.

 

 

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

أعلى الصفحة

إبحث