header basmaleh

كتبه: سماحة الشيخ عمار المنصور (رحمه الله)

Untitled-1

المؤلف: المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله).

الناشر: انتشارات مدرسي، إيران، طهران.

الصفحات: 214 من الحجم المتوسط.

الطبعة: الأولى 1418هـ.

ضمن إطار منهجيته التأصيلية، طالما ركزَّ سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) في مؤلفاته ومحاضراته على ثلاثة أمور رئيسة:

1ـ المشكلة الثقافية: إذ أنها من أخطر المشاكل التي تعاني منها الأمة الإسلامية - أفراداً وجماعات - فأمام هذا الزخم الهائل من الأفكار (كمًّا ونوعاً) التي تضخها الوسائل التوجيهية المختلفة فُقِدتْ المقاييس الدقيقة للتقييم وللانتخاب المفيد، وقدرة تمييز الغث من السمين، والمناسب من غير المناسب.

2ـ إبراز أهمية دور القيادة الإلهية: المتمثلة بخط الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) والفقهاء، وحصر ارتباط الأمة بها.

3ـ الفرد أمام هذا البحر المتلاطم من التيارات الفكرية المختلفة، لا يمكنه أن يختار لوحده ما ينفعه، ويطهّر قلبه مما يضره من الأفكار، إذ لا بد من المؤسسات التي لها جهد عقلي مشترك من أجل البحث عن صيغة مثلى للثقافة النابضة بالحياة وهذا لا يتم إلا عن طريق المرجعيات الإسلامية والحركات الإسلامية السائرة على خط أهل البيت (عليهم السلام)، والمتأطرة بمنهجيتهم ( عليهم السلام)، إذ إن من أبرز ما تعتمدة الحركة التأصيلية في منهجية سماحة السيد رواية الإمام الصادق (عليه السلام)، لسلمة بن كهيل، والحكم بن عتيبة: «شرقا غربا، لن تجدا علماً صحيحاً إلاّ شيئاً يخرج من عندنا أهل البيت»[1].

يأتي هذا الكتاب، وهو في الأصل مجموعة من المقالات والمحاضرات ألقاها سماحة السيد في مناسبات عديدة، بالإضافة إلى ما نُشر في مجلة (صوت الخليج الكويتية)، وضمن هذا السياق سيجد القارئ أن هذه المقالات التي جمعت في هذا الكتاب الموسوم بـ: (الإسلام ثقافة الحياة) التوفيق في اختيار هذا العنوان إذ إن هذه المقالات بلورت الرؤى الثقافية للجماهير الإسلامية وبالذات عند المؤمنين المتمسكين بهدي العترة الطاهرة (عليهم السلام). وحذرت من أن الحياة لا تقوم إلا على ثقافة الإسلام الصحيح، وأن الإسلام هو دين العلم والثقافة التي توصل الإنسان إلى سعادة الدارين.

إذ طالما عمل أعداء الدين على خلق العداوة والصراع بين الإسلام من جهة، وبين العلم والثقافة من جهة أخرى، وقد وقع الكثير من أبناء هذه الأمة من حيث يشعر أو لا يشعر في هذا الشراك فاغترف ثقافته من مصادر لا تمت إلى الإسلام بصلة.

من هنا أكد سماحة السيد اهتمامة على دور الثقافة الرسالية في نهضة الأمة، وبيان أن هناك علاقة عكسية بين الأمة وثقافتها فكلما ابتعدت الأمة عن ثقافتها ازدادت جهلاً وتخلفاً وانتكاساً، ولن تتقدم الأمة الإسلامية إلا بالعودة إلى الثقافة الصحيحة الداعية إلى العمل، يقول سماحته: «عندما يفتش الإنسان عن أساس المشاكل التي تعانيها وتعاني منها الأمة الإسلامية اليوم لابد أن يقع على المشكلة الثقافية كواحدة من أخطر المشاكل التي تتفرع عنها الأزمات والعقد الحضارية الأخرى.

والقضية الثقافية إنما تتبوأ مكانتها الأساسية في هذا الصدد من بعدين رئيسين:

البعد الأول: إن الأمة الإسلامية بالدرجة الأولى هي أمة تقوم على أساس المبدأ، وتتمحور حول الرسالة فالاعتقاد بالمبدأ وحمل الرسالة يعنيان كل شيء بالنسبة إلى كيانها {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[2].

فالأمة الواحدة هنا لا تقوم على أساس الأرض، ولا على أساس القومية، واللغة والمصالح، بل تقوم على أساس توحيد الله تعالى.

وهذا هو أساس الأمة الإسلامية، ومن المعروف أن الثقافة تشكل جزءًا أساسياً من العقيدة والإيمان والعبادة، فمن دون العلم والوعي السليم والرؤية الصائبة لا يمكن أن يكون لدى الإنسان عقيدة أو إيمان.

البعد الثاني: هو بُعد مشترك بين الأمة الإسلامية وبين سائر الأمم، وهو البعد الإنساني، وهو ما يميزه - أي الإنسان - عن غيره، فالإنسان كائن حضاري أكرمه الله تعالى، قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا}[3] وعندما علم الله تعالى آدم الأسماء أسجد له ملائكته، فالإنسان كائن مثقف والثقافة تؤثر عليه»[4].

ثم يقول سماحته: «عندما انحرفت ثقافتنا عن مسارها الصحيح، انحرفنا عن صراط سعادتنا، وطريق فلاحنا، والعودة إلى هذا الطريق وذلك الصراط لن يكون إلا بتصحيح الثقافة، فمن يحدثك عن الإصلاح والتغيير وعن العمل السياسي والاقتصادي دون أن يقدم لك برنامجاً سليماً وواضحاً من التثقيف والتوعية، لا يقوم على أساس ثابت، بل الصحيح أن يزودك بالبرنامج الثقافي الذي يخلق الإنسان الحضاري، ومن ثم يأمرك بالتحرك ويعطيك البرنامج السياسي والاقتصادي أو الاجتماعي وما إلى ذلك»[5].

وفي الواقع إن سماحة المرجع المدرسي في كلامه الآنف الذكر لا سيما المقطع الأخير لامس حقيقة واقعية مُرة، فكثير من الحركات المنتسبة إلى الإسلام الموجودة في الساحة ترفع شعار (أن الإسلام هو الحل) لكنك لا تجد أي برنامج للتغيير لدى هذه الحركة، وإن وجد فهي دراسات مسطحة لثقافة الأمة ومسيرتها وأهدافها، بل إنك تجد التخبط في المنهج الواحد لكل حركة من تلك الحركات التي نسبت نفسها إلى الإسلام، فتجد تقديم التوافه على الأولويات، وعدم قدرة هذه الحركات على تبويب وتصنيف ما يحتاجه المجتمع، بل فقدان الرؤية الصائبة التي تستطيع أن توازن بين الثقافة الإسلامية والثقافات الوافدة إليها.

من هنا انبرى سماحة السيد في حركته التأصيلية إلى إبراز الخط الفكري لأهل البيت (عليهم السلام) وبيان ما احتواه هذا التيار من الأفكار الثقافية الكفيلة بإنهاض الأمة والدعوة إلى التفرغ ودراسة تلك الأفكار بشكل جدي ومحاولة معرفة ابعادها والغوص إلى أعماقها، والعمل على شرائح المجتمع بكافة طبقاتهم لتنمية القدرة لديهم على انتزاع الأفكار الرئيسة والحصول على جوهر ولباب الموضوعات التي تقرأ أو تسمع لكي يقوموا باستخراج الفكرة الحقيقية لا أن تصب الاهتمامات على الظواهر.

جهلان في مسيرة الثقافة:

من هذه الأرضية أي تصنيف وتبويب ما يحتاجه المجتمع وتقديم الأولويات ووضع المنهج المقارن الذي نتعرف من خلاله على فرز الثقافة الإسلامية من الثقافات الوافدة، والتأكيد على كل عنصر إيجابي وطرح ما هو فاسد وسلبي شخّص سماحته بعض الأمراض التي تعتري مسيرة الثقافة الإسلامية، وواقع اليوم والأمس يشهد على سلامة ودقة هذا التشخيص وليس ذلك إلا للمنهجية التأصيلية المعتمدة في فكر وحركة سماحته.

ومن هذه الأمراض التي أشار إليها:

1ـ الجهل (التحدث بما لا يعلم).

2ـ الجهالة (التحدث بكل ما يعلم).

قال الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام): «كفى بك جهلاً أن تقول ما لا تعلم، بل كفى بك جهلاً أن تقول كل ما تعلم».

تعمد بعض السياسات والأحزاب وكذا الأقلام المأجورة إلى هدم الدين وتجميده بمعولين:

1ـ استغلال الجهّال وجعلهم أبواقاً إعلامية ضد الثقافة الإسلامية، وهؤلاء الجهال من حيث يشعرون أو لا يشعرون أصبحوا أدوات بأيدي أعداء الدين، إذ تجد بعضهم أحداث سنٍّ لم يمتلك أبجديات المرحلة الأولى في دراسة الشريعة يمثل مرجعية مستقلة في الفتيا فيحلل ويحرم ويحكم بكفر هذا وفسق ذاك، وأخيراً يقسم العالم إلى فسطاطين، والناجي من يكون تحت رايته ويتبنى أفكاره.

ومن هنا نشأت الفجوة بين الدين من جهة والعلم والتقدم من جهة أخرى، ووقع التعارض بينهما، وهذا أحد أسباب نجاح الغربيين في إقصاء الدين عن الحياة، وإقامة حياتهم على المبادئ اللا دينية وتأثر من تأثر بهم من أنصاف المثقفين، أو أصحاب الثقافات الوافدة، والممزوجة، بتلك اللوثة، وأصابتهم العدوى، فتبنوا فكرة (أن الإسلام هو دين الصلاة والحيض فقط).

2ـ المشككون والمحبطّون: المعول الثاني الذي استخدمته السياسات المعادية للدين هي نشر ثقافة التشكيك في المعتقدات والمبادئ والقيم من جهة، ومن جهة أخرى غرس اليأس في نفوس الشعوب والجماهير.

فتحت عنوان: (لا بد من توعية الناس) يقول سماحته: «هذه هي مشكلة الأمة[6] والقرآن الكريم من بدايته إلى نهايته يتعرض لمعالجة هذه المشكلة الثقافية التي نرى الأمة مبتلاة بها، لا بد من حملة توعية واسعة تقوم من خلالها بلفت أذهان الناس إلى الآثار السلبية التي يتعرضون لها من قبل الصحافة والإذاعات»[7].

كيف نكشف الثقافة الدخيلة؟

بالبصيرة ندرك الحقائق الإلهية، إذ من دونها تلتبس علينا الأشياء، ونقع في المتاهات، بالإضافة إلى البصيرة هناك أيضاً الحاجة إلى النور، أي الإرشاد والتوجيه الثقافي، والأمر الذي يحتاجه الإنسان بعد العقل هو التعليم، فلا بد أن يكون هناك من يعلمه ويرشده لكي يفهم حقيقة الأشياء ومعلم العقل لا يكون إلا من خالق العقل، فالعقل والوحي نوران مصدرهما واحد وهو الله تعالى فلا يمكن أن يقع بينهما تعارض، وإن حصل ذلك فلا يخلو من أمرين، إن ما حسبناه عقلاً ليس بعقل، أو ما حسبناه ديناً ليس بدين. والمشكلة الأساسية التي تتفرع منها سائر المشاكل هي فصل الإنسان العقل عن الوحي، فتنفذ الثقافات الدخيلة إلى قلبه - رغم إراداته - ومن ثم توجه مسيرته وتقوّم سلوكه بل لا يستطيع التمييز بين الضار والنافع إن لم يكن الصحيح والسقيم عنده سواء.

يقول سماحته: «ومن العجيب أن الإنسان يهتم بطعامه المادي، ويحرص على أن يأكل افضل الأطعمة وأكثرها فائدة، ولكنه عندما يريد أن يطعم دماغه الطعام المعنوي، فإنه لا يبحث عما يفيده، والمهم أن يملأ عقله بما يسمعه من الإذاعات وما يقرؤه من الصحف سواء كان نافعاً أم ضاراً، وهو لا يدري أن مثل هذه الأفكار قد دخلت إلى ذهنه ورسمت طريقة حياته من دون أن يشعر.

وفي الحديث الشريف عن الإمام الباقر (عليه السلام): في قول الله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ قال - الراوي - قلت ما طعامه؟ قال (عليه السلام) علمه الذي يأخذه ممن يأخذه.

أي فلينظر الإنسان إلى علمه الذي يأخذه عمن يأخذه»[8].

وقد أوضح سماحة السيد المرجع المدرسي المائز بين الثقافة الحقة والثقافة الدخيلة، وهذا المائز لا يكاد يخلو مؤلف من مؤلفاته (دام ظله) من الإّشارة إليه، وذلك لأهميته. ولما له من الخطورة بالنسبة إليه، إذ هو نقطة الانطلاق للحركة النهضوية التجديدية التأصيلية لسماحته.

ما هو المائز؟

الثقافة الحقة هي الثقافة التي تدعوك إلى تحمل المسؤولية، وفي مقابل ذلك فإن الثقافة الباطلة هي التي تبعدك عن المسؤولية وتبرر لك الضجر والتملص من العمل، والهروب من تحمل المسؤولية.

وفي هذا الكتاب ـ الإسلام ثقافة الحياة ـ أصَّل سماحة السيد ما شخصه من المائز بين الثقافتين، إذ أن القرآن الكريم كثيراً ما يؤكد على هذه الحقيقة، فالقرآن الكريم أمرنا بالتعلم والتحري والبحث عن الحقيقة، ونبذ الثقافات الدخيلة التي تبرر حالات الانفلات والتملص من المسؤولية وأصحاب الافكار التبريرية المتذرعين بالجهل وعدم المعرفة، أو المستودعين عقولهم لدى الآخرين، قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ[9]، وكما هو حال في عصرنا الحاضر إذ يرفع شعار (يكفينا ما فهمناه من السلف).

وإن كان مؤدى هذا الفهم للأصول العلمية الموضوعية... والمتصفح للتاريخ الحديث يجد أن الثقافات التبريرية ظهرت بصورٍ متنوعة كان لها الأثر البالغ في مسيرة الأمة فمن مرجئة يقولون إن من حق الإنسان أن يفعل ما يشاء دون أن يفكر في آخرته، ومن غلاة في الدين يرون أن الناس كلهم مصيرهم إلى النار، وفكرة أن فاعل الكبيرة كافر. هذه الفكرة التي مصدرها عدم الشعور بالمسؤولية، إذ إن أصحابها من المتقوقعين في بيوتهم، ومن فكرة القدرية التي تقول: إن أعمال الإنسان كلها مصدرها الله تعالى، وفكرة مضادة لها تماماً وهم المفوضة الذين يذهبون إلى أن الله تعالى فوض الأمور إلينا فإن شئنا تحملنا المسؤولية وإن شئنا تركناها.

يقول سماحة السيد تعليقاً على هذه الأفكار: «مثل هذه الأفكار ما تزال منتشرة بيننا بشكل أو بآخر، كقول البعض إن الذين يعملون في سبيل الله هدفهم الرياء، والحصول على المناصب، والوجاهة الاجتماعية.. فيتكلمون ضد الجميع لكي يبرروا واقعهم. وهناك أفكار سلبية أخرى تشيع في ساحتنا منها (الغلو) من خلال تكفير الناس كلهم، ومن خلال العجب بالأعمال وسيطرة الغرور على النفس، إن ذلك الإنسان الذي يؤدي بعض الركعات من الصلاة، ويعمل ببعض المظاهر العامة للإسلام وله لسان طويل على العاملين والمجاهدين، مثل هذا الإنسان عليه ألَّا يعجب بعبادته وصلاته وصومه، لأنه لا يعلم هل يقبل الله تعالى منه عبادته هذه أم لا، إن الله سبحانه وتعالى يريد من الإنسان أن يرسخ حالة التواضع في نفسه، فليس من الصحيح أن يمنَّ العبد على الله تعالى بمجرد أن يؤدي الصلاة، وليس من الصحيح أن يأتي بالتبريرات عندما تنتهي فرص العمل، وتتوجب عليه المسؤولية. هناك من الجالسين في الخبايا والزوايا من يقيّم أعمال الناس كما يحلو له لأن الساحة مفتوحة للجميع وبإمكان الجميع أن يدخلوها ويشتركوا فيها»[10].

الثقافة متهمة حتى تثبت براءتها:

الثقافة في القانون الإسلامي متهمة حتى تثبت براءتها ومستند ذلك الرواية المعتبرة السند التي رويت عن غير واحد من أئمة أهل البيت (عليهم السلام): «من أصغى إلى ناطقٍ فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدي عن الله عز وجل فقد عبد الله وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان»[11].

والعبادة كما في اللغة أنواع والمقصود من العبادة في هذه الرواية هي العبادة بالطاعة والخدمة والاتباع والانقياد، وكما يقول أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ}[12]، فقال (عليه السلام): «أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم ما أجابوهم ولكن أحلوا لهم حراماً وحرمواً عليهم حلالاً فعبدوهم من حيث لا يشعرون»[13]. وفي رواية أخرى: «والله ما صاموا لهم ولا صلوا لهم ولكن أحلوا لهم حراماً وحرمواً عليهم حلالاً فاتبعوهم»[14].

ومن هذه الرواية «من أصغى إلى ناطق فقد عبده» نستوحي أن ثقافتنا يجب أن نتلقاها من مصدر واحد معين وهو المصدر الإلهي الصافي، ومؤدى الرواية واضح إذ لا يحق لأي أحد أن ينطق عن آخر إلا بالموافقة والتعيين، وبما أن الله تعالى نصب وعين الأنبياء فهم الناطقون عن الله تعالى وكذلك الائمة (عليهم السلام) والفقهاء السائرون على خط الأئمة (عليهم السلام) والمعينين من قبلهم (عليهم السلام)، ودون ذلك تكون نيابة في غير محلها، ومرفوضة، إذ هي بمثابة الناطق غير الرسمي المرفوض لأنه غير معين لذلك، وهذا ما تعاضده وتؤيده الروايات الكثيرة.

فعن الباقر (عليه السلام) قال: «كل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل»[15].

وقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه»[16].

فالثقافة متهمة، لذا في قبال كل ثقافة علينا أن نطرح السؤال التالي: من المستفيد من نشر هذه الثقافة؟.

وبأي دافع كتبت هذه الأفكار؟

يقول سماحة السيد: «فالثقافة الباطلة نكتشفها عندما نطرح السؤال التالي: هذه ثقافة تخدم من؟ فإذا عرفنا الشخص أو النظام الذي تخدمه هذه الثقافة فإننا قد عرفنا حقيقة هذه الثقافة، والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تفضح العوامل النفسية القابعة وراء الثقافات الباطلة، فمن المهم جداً أن نكتشف خلفيات الثقافة والدوافع الخلفية وراء الكلام بعد ذلك علينا أن نكتشف الحالة النفسية التي يعيشها المتكلم، فإن كان المتكلم يعيش حالة الجبن والتخاذل فإن ثقافته ستكون منطبقة على هذه الحالة.

وعلينا أن نأخذ في الحسبان أن أهم جزء في الثقافة هو نهايتها ونتيجتها، فالثقافة التي تنتهي إلى العمل الصالح هي ثقافة سليمة، وإلا فإنها تدعوك إلى التكاسل، وهذه هي الثقافة الباطلة ولذلك عليك أن تحلل الثقافة المطروحة عليك، فتنظر إلى ما وراءها وتحاول أن تكتشف إلى أي هدف تدعوك هل تدعوك إلى العمل أم إلى اللاعمل، ثم هل تدعوك إلى العمل الصالح أو غير الصالح؟.

جاء في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تجلسوا عند كل داع مدع يدعوكم من اليقين إلى الشك ومن الإخلاص إلى الرياء، ومن التواضع إلى الكبر، ومن النصيحة إلى العداوة، ومن الزهد إلى الرغبة، وتقربوا إلى عالم يدعوكم من الكبر إلى التواضع، ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الشك إلى اليقين»[17].

من هنا يجدر بنا أن نفتش عمَّن ينتهي علمه بنا إلى الرجاء والأمل، وإلى العمل والتحرك والنشاط، وأن نحذر من مجالسة الذي يؤدي علمه بنا إلى القعود واليأس»[18].

أجل، يجب علينا أن نتساءل ونفتش ونقف ونمحص في الثقافة المطروحة علينا، خاصة في هذا العصر الذي تتكالب فيه على الفرد الثقافات المتنوعة من كل حدب وصوب، بدءاً من المحطات الفضائية والإذاعية مروراً بالصحف والمجلات والنشر والمناهج التعليمية، منتهياً إلى من ينتسب إلى أهل العلم ويبث أفكاره التشكيكية والرؤى المخالفة للأحكام الشرعية.

إن الإسلام هو ثقافة الحياة، وهو لب ما يدعو إليه فكر المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، والذي حاول أن يبين بعض خطوطه العامة، في هذه المقالات التي جمعت ضمن هذا الكتاب (الإسلام ثقافة الحياة).

الهوامش:

[1) الصفار، محمد بن الحسن بن فروخ، بصائر الدرجات الكبرى، ط1، 1404هـ، الناشر:مؤسسة الأعلمي، إيران، ص30.

[[2] سورة الأنبياء، آية 92.

[3] سورة البقرة، آية/31

[4] المدرسي، آية الله العظمى السيد محمد تقي، الإسلام ثقافة الحياة، انتشارات مدرسي، طهران. ط1، 1418هـ، ص12.

[5] المصدر، ص12.

[6] أي الجهل والجهالة، والجهال والمشككون المحبطون.

[7] الإسلام ثقافة الحياة، ص18.

[8] المصدر، ص 58.

[9] سورة الزخرف، آية 22

[10] الإسلام ثقافة الحياة، ص62.

[11] الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الفروع من الكافي، ط3، دار الكتب الإسلامية، إيران، ج6، ص434، باب الغناء، ح24.

[12] سورة التوبة، آية 31

[13] الحويزي، الشيخ عبد علي بن جمعه، تفسير نور الثقلين، ط4، مؤسسة اسماعيليان، قم المقدسة، ص209.

[14] الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الأصول من الكافي، ط3، دار الكتب الإسلامية، إيران، ج1، باب التقليد، ح3، ص53.

[15] العاملي، الشيخ محمد بن حسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ط1، دار إحياء التراث العربي. بيروت، ج18، باب وجوب الرجوع في جميع الأحكام إلى المعصومين (عليهم السلام)، ح18، ص94.

[16] الطوسي، الشيخ محمد بن حسن، تهذيب الأحكام ط3 الناشر: دار الكتب الإسلامية، بيروت، ج6، باب من إليه الحكم وأقسام القضاة والمفتين، ح8، ص219.

[17] المجلسي، العلامة الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت، ج2، باب (11) صفات العلماء وأصنافهم، ص52، ط2، 1403هـ،

[18] الإسلام ثقافة الحياة، ص74.

---------------

المصدر: مجلة البصائر:العدد (34) السنة 15 - 1425هـ/ 2004م

التعليقات  

#3 ايمن سعيد 2016-11-09 14:52
إن الإسلام هو ثقافة الحياة، وهو لب ما يدعو إليه فكر المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، والذي حاول أن يبين بعض خطوطه العامة، في هذه المقالات التي جمعت ضمن هذا الكتاب (الإسلام ثقافة الحياة).
اقتباس
#2 ايمن سعيد 2016-11-09 14:51
علينا أن نأخذ في الحسبان أن أهم جزء في الثقافة هو نهايتها ونتيجتها، فالثقافة التي تنتهي إلى العمل الصالح هي ثقافة سليمة، وإلا فإنها تدعوك إلى التكاسل، وهذه هي الثقافة الباطلة ولذلك عليك أن تحلل الثقافة المطروحة عليك، فتنظر إلى ما وراءها وتحاول أن تكتشف إلى أي هدف تدعوك هل تدعوك إلى العمل أم إلى اللاعمل، ثم هل تدعوك إلى العمل الصالح أو غير الصالح؟.
اقتباس
#1 ايمن سعيد 2016-11-09 14:50
طالما عمل أعداء الدين على خلق العداوة والصراع بين الإسلام من جهة، وبين العلم والثقافة من جهة أخرى، وقد وقع الكثير من أبناء هذه الأمة من حيث يشعر أو لا يشعر في هذا الشراك فاغترف ثقافته من مصادر لا تمت إلى الإسلام بصلة.
اقتباس

أضف تعليق

الرجاء عدم الخروج عن الموضوع في كتابة التعليق...

كود امني
تحديث

قال أمير المؤمنين علي (ع):الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَينِ مِنَ الْقُرْآنِ: قَالَ اللهُ عزّوجلّ: (لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)، فَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي، وَلَمْ يَفْ

مواقف وآراء

12w3e3r4

حوار ورؤى في التغيير والانفتاح

اجرت مجلة الشهيد حواراً مفصلا مع سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي…

Aludaa oudiu

Passaer

Modarresi

Alhudaa

أعلى الصفحة

إبحث